طلاب فرنسيون يفرّون من الغاز المسيل للدموع خلال احتجاجات شهدتها مدينة ليون.صورة من: Laurent Cipriani/AP Photo/picture alliance

هزت احتجاجات قادها مراهقون أمام مدارسهم الشارع الفرنسي خلال الأيام الأخيرة، إذ أغلق خلالها الطلاب مداخل مؤسساتهم التعليمية، فيما ردّت قوات الأمن أحيانا بالغاز المسيل للدموع. وقالت الحكومة إن المطالب قد تكون مشروعة، لكن العنف ليس كذلك، واتهمت اليسار الراديكالي بتأجيج الحراك. في المقابل، اتهم منتقدون بعض عناصر الشرطة باستخدام القوة المفرطة ضد متظاهرين قاصرين.

وفيما قالت وزارة التعليم إنّ الاحتجاجات طالت نحو 735 مؤسسة تعليمية الجمعة، أعلن وزير داخلية فرنسا لوران نونيز، توقيف نحو خمسة آلاف شخص منذ الاثنين الماضي. وقال في حديثه لقناة TF1 الفرنسية، أن 1.747 شخصاً تمّ توقيفهم الجمعة و1.954 آخرين يوم الخميس. وأضاف أن نحو 85 في المائة منهم قُصّر، ومعظمهم تلاميذ وطلاب مدارس. وتابع: "أنّ ذلك لا يعني بالضرورة أنهم يدرسون في المدارس القريبة من أماكن توقيفهم".

وعاد الهدوء في عطلة نهاية الأسبوع، لكن من المقرّر تنظيم يوم احتجاجي واسع جديد الثلاثاء.

أغلق بعض المحتجين مداخل المدارس وأشعلوا النار في حاويات القمامة خلال الاحتجاجات الطلابية.صورة من: Aurelien Morissard/AP Photo/picture alliance

ماهي دوافع الاحتجاجات؟

تطال الاحتجاجات الثانويات التي يقضي فيها المراهقون الفرنسيون سنواتهم الدراسية الأخيرة، بين سنّ الخامسة عشرة والثامنة عشرة. وهي تعادل المدارس الثانوية في الولايات المتحدة والمرحلة الثانوية العليا في بريطانيا .

وللطلاب شكاوى عديدة، أبرزها غياب المدرسين، وظروف الدراسة داخل الفصول، والجداول المدرسية المثقلة، واليوم الدراسي الذي يمتد من الثامنة صباحا حتى السادسة مساء، وهو ما يعتبره بعضهم مبالغا فيه.

يضاف إلى ذلك الشعور بالتمييز، فقد قالت عالمة الاجتماع الفرنسية فاليري بيكيه إن "طلاب المدارس الثانوية، ولا سيما القادمين من الأحياء محدودة الدخل، يشعرون بأنهم يتلقون تعليما أدنى مستوى".

وتتيح فرنسا لجميع الطلاب الالتحاق بالمدارس الثانوية، لكن مستويات هذه المدارس تتفاوت بشكل كبير، من المدارس المهنية إلى المؤسسات التعليمية المرموقة. ورغم العديد من المبادرات الرامية إلى تعزيز التنوع، لا تزال المدارس المرموقة تستقطب في الغالب طلابا من عائلات بيضاء ميسورة، تلقى آباؤهم تعليما جامعيا. وفي هذا الإطار تشير بيكيه إلى "وجود تفاوتات فادحة بين الطلاب والمدارس المختلفة، وهذه مشكلة حقيقية".

وبدأت الاحتجاجات قبل أسبوعين، في 17 أيلول/سبتمبر، في ثانوية سانت-إكزوبيري في ضاحية كريتاي (جنوب شرق باريس )، دعما للمدرسين الذين أضربوا احتجاجا على نقص الموظفين والموارد. واكتسبت الحركة زخما تدريجيا، قبل أن تمتد خلال الأسبوع الماضي إلى مختلف أنحاء البلاد.

ومن المفارقات أنه بينما كانت التوترات تتصاعد في مناطق أخرى من فرنسا، عاد الوضع إلى طبيعته في ثانوية سانت-إكزوبيري بعدما وافقت السلطات التعليمية على إرسال موظفين إضافيين، بينهم نائب مدير وممرضة.

وسائل التواصل الاجتماعي تؤجج الاحتجاج
وتسهم الصور ومقاطع الفيديو اللافتة التي تنتشر على منصات التواصل الاجتماعي ، ولا سيما منصة "تيك توك" ، في تأجيج الاحتجاجات. ويستخدم الطلاب أنفسهم هواتفهم لتوثيق مشاهد مثل احتراق حاويات القمامة أو استخدام الشرطة الغاز المسيل للدموع.

وتنشر حسابات عديدة هذه المقاطع وتجمع أكثر المشاهد إثارة، سعيا إلى زيادة انتشارها وجذب مزيد من المتابعين. وقالت عالمة الاجتماع بيكيه إن "وسائل التواصل الاجتماعي تتيح لهم تقديم رواية مختلفة عن تلك التي تعرضها وسائل الإعلام التقليدية، رواية لم تُصنع مسبقا".

حريق يطال واجهة ثانوية غاستون باشلار (الدائرة 13) خلال مواجهات بين طلاب والشرطة، تزامنا مع تحركات احتجاجية وإغلاق مداخل عدد من المدارس في العاصمة الفرنسية.صورة من: CLPRESS/ABACA/picture alliance

توظيف سياسي

واكتسبت الاحتجاجات بعدا سياسيا قبل ما يزيد قليلا على ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية، إذ اتهمت الحكومة حزب "فرنسا الأبيّة" اليساري الراديكالي الذي يترشح زعيمه جان-لوك ميلنشون للرئاسة، بالوقوف وراء الحركة.

في المقابل اتهم القيادي في الحزب مانويل بومبار، الحكومة "بالانزلاق إلى نظريات المؤامرة". وأعرب ميلنشون، المرشح المخضرم عن الحزب اليساري للانتخابات الرئاسية، والذي يحظى حاليا بتأييد أكثر من 40 بالمئة من الناخبين، ما بين 18 و25 عاما، في استطلاعات الرأي، عن دعم قوي للاحتجاجات مع دعوته إلى اعتماد أساليب سلمية.

كيف تعاملت الشرطة مع الاحتجاجات؟

أغلق محتجون مداخل مدارس وأضرموا النار في حاويات قمامة وأشياء أخرى، كما رشقوا الشرطة بمقذوفات. وفي المقابل، تحركت الشرطة في بعض الأماكن مستخدمة خصوصا قنابل الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي، كما ضربت بعضهم بالهراوات في بعض الأحيان.

وانتشرت على نطاق واسع مقاطع فيديو تظهر ما قيل إنها ممارسات عنيفة من جانب قوات الأمن، بينها مشهد لشرطي يطوق بذراعه عنق فتاة أثناء توقيفها. لكن أفراد الشرطة تعرضوا هم أيضا لاعتداءات، إذ طاردت مجموعة من الشبان من إحدى المدارس شرطيا واعتدت عليه بالضرب والركل في مدينة بلفور بشرق فرنسا. وفقد شاب البصر في عينه اليمنى إثر اشتباكات بين الطلاب والشرطة يوم الأربعاء الماضي في مدينة تور بوسط فرنسا، حسب المدعي العام للمدينة.