وسّعت روسيا خلال الأشهر الأخيرة أعمال تحصين الطائرات والمنشآت العسكرية داخل ثلاث قواعد جوية رئيسية، بينها قاعدة للقاذفات الإستراتيجية وأخرى تقع في كالينينغراد المحاطة بدول في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بالتزامن مع تصاعد الضربات الأوكرانية بالطائرات المسيّرة للمطارات العسكرية في العمق الروسي.
وتُظهر صور أقمار صناعية حللتها وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة، إنشاء واستكمال ملاجئ في قواعد ليبيتسك وتشكالوفسك وإنجلز، تختلف أحجامها بحسب الطائرات والمنشآت الموجودة في كل قاعدة.
وتكشف المقارنة أن موسكو لم تعد تكتفي بترك طائراتها في ساحات مفتوحة أو وضع حواجز بسيطة بينها، بل أصبحت تتجه إلى منشآت ثابتة توفر حماية أكبر من الشظايا والانفجارات القريبة وتحد من قدرة الأقمار الصناعية على رصد الطائرات الموجودة داخلها.
وتكتسب هذه الإنشاءات أهميتها من اختلاف أدوار القواعد الثلاث؛ إذ تستخدم ليبيتسك لتدريب وتشغيل الطائرات المقاتلة، وتخدم تشكالوفسك طيران أسطول البلطيق قرب حدود الناتو، بينما تستضيف إنجلز بعض أهم القاذفات البعيدة المدى في الترسانة الروسية.
وفي قاعدة ليبيتسك الجوية غربي روسيا، تظهر الصور منشأتين جديدتين بُنيتا ثم غُطيت أجزاء واسعة منهما بالتراب، إلى جانب مجموعة من المنشآت المحصنة التي ظهرت تدريجيا في منطقة قريبة من ساحات وقوف الطائرات.
ويمكن أن يوفر البناء الجديد والغطاء الترابي حماية أكبر من الشظايا والانفجارات القريبة، ويجعل محتويات المنشآت أقل وضوحا في الصور الجوية.
وتقع القاعدة على مسافة نحو 280 كيلومترا من الحدود الأوكرانية، وتضم مركزا رئيسيا لتدريب واختبار أطقم الطيران الروسي، وتعمل منها طائرات مقاتلة وقاذفات تكتيكية من طرازات بينها "سو-30″ و"سو-34″ و"سو-35".
وسبق أن استهدفت أوكرانيا القاعدة بطائرات مسيّرة في أغسطس/آب 2024، وقالت حينها إنها أصابت مستودعات للذخائر، أعقبها اندلاع حرائق وسماع انفجارات متتالية في المنطقة.
وفي قاعدة تشكالوفسك الجوية بمقاطعة كالينينغراد تظهر صور الأقمار الصناعية أربعة ملاجئ جديدة أُقيمت بجوار ساحات وقوف الطائرات، بعدما بدأت أعمال بنائها في أواخر أبريل/نيسان الماضي.
وتقع القاعدة شمال غربي مدينة كالينينغراد، وتستخدمها وحدات تابعة لطيران أسطول البلطيق، وتظهر فيها طائرات من بينها المقاتلات "سو-30 إس إم" والقاذفات التكتيكية "سو-24 إم".
وتمنح طبيعة المكان هذه الملاجئ أهمية إضافية؛ إذ تقع كالينينغراد في منطقة روسية منفصلة جغرافيا عن بقية أراضي البلاد، بين بولندا وليتوانيا العضوين في حلف شمال الأطلسي، ولا تتصل بروسيا برا إلا عبر أراضي دول أخرى.
وتكشف الصور الحديثة نحو 17 منشأة كبيرة في مراحل مختلفة من البناء، بينها 16 ملجأ تظهر هياكلها بوضوح، في تحول لافت داخل قاعدة ظلت قاذفاتها لسنوات متوقفة في ساحات مكشوفة.
وتختلف منشآت إنجلز عن الملاجئ الموجودة في تشكالوفسك؛ إذ تحتاج القاذفات الإستراتيجية إلى مبان أكبر بكثير بسبب طول أجنحتها وحجمها، ولذلك تمتد بعض المنشآت على مساحة تسمح بإدخال الطائرة كاملة بدلا من حماية جزء منها فقط.
وتستضيف إنجلز قاذفات تستخدمها روسيا في إطلاق صواريخ بعيدة المدى باتجاه أوكرانيا.
وتبين صور حللتها وحدة المصادر المفتوحة في وقت سابق أن أعمال التوسع في هذه المنطقة من القاعدة بدأت تظهر منذ ربيع 2025، وشملت تجهيز الأرض وإنشاء طرق داخلية وظهور معدات ومواد بناء على مساحة واسعة. وهذا يعني أن مشروع الملاجئ لم يبدأ عقب الضربة الأوكرانية الأخيرة على القاعدة، بل كان يجري تنفيذه قبلها بأكثر من عام.
كما يضم أرشيف الفريق سلسلة صور التقطت بين مارس/آذار 2025 ومايو/أيار 2026، تسمح بتتبع انتقال المشروع من أعمال تجهيز الأرض إلى ظهور هياكل الملاجئ الكبيرة.
وفي 17 يوليو/تموز الماضي، أعلنت دائرة الأمن الأوكرانية تدمير قاذفة من طراز "تو-95" داخل قاعدة إنجلز، وقالت إن طائرة مسيّرة قطعت نحو 800 كيلومتر للوصول إليها.
وأظهرت صور أقمار صناعية التقطت بعد الهجوم طائرة متضررة بشدة في ساحة مفتوحة داخل القاعدة، مع انفصال الجزء الخلفي من هيكلها وظهور آثار احتراق حولها. لكن موسكو لم تؤكد تدمير القاذفة.
ولا تقتصر أعمال التحصين على القواعد الثلاث؛ إذ رصدت صور الأقمار الصناعية منذ 2024 و2025 بناء ملاجئ للطائرات في قواعد روسية أخرى، بينها قواعد قريبة من أوكرانيا وأخرى في شبه جزيرة القرم. وأشارت تقارير إلى ظهور أعمال مشابهة في 14 مطارا عسكريا على الأقل.
وكانت روسيا قد استخدمت وسائل أقل كلفة لحماية طائراتها، مثل وضع الإطارات فوق القاذفات، وبناء حواجز بين أماكن وقوفها، ورسم نماذج لطائرات على أرض المطارات لإرباك عمليات الرصد.
وتكشف القواعد الثلاث أن أعمال الحماية لم تعد مقتصرة على المطارات القريبة من الجبهة، بل امتدت إلى مركز لتدريب المقاتلات، وقاعدة متقدمة عند حدود الناتو، ومقر للقاذفات الإستراتيجية في عمق الأراضي الروسية، في مؤشر على التغير الذي فرضته المسيّرات البعيدة المدى على طريقة تشغيل الطيران العسكري وحمايته وهو على الأرض.
المصدر:
الجزيرة