أثار مقطع مصور لامرأة تتعرض للجلد علناً في الشارع، في مدينة سبها جنوبي ليبيا، تنفيذاً لحكم قضائي لارتكابها "الزنا"، نقاشاً داخل العديد من الأوساط الليبية.
الفيديو الذي انتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي يُظهر امرأة تجثو أرضاً، مرتدية نقاباً يغطي وجهها بالكامل، فيما يقف أمامها عنصر من الشرطة لا يظهر منه سوى ظهره، مرتدياً زياً كُتب على خلفيته باللون الأبيض "الشرطة القضائية"، وممسكاً بيده اليمنى سوطاً. كما يظهر جزء من وجهه خلف نظارة شمسية سوداء، قبل أن يبدأ في جلد المرأة.
في الوقت نفسه، يُسمع صوت شرطي آخر لا يظهر في التسجيل، وهو يتلو بياناً جاء فيه أنه سيتم "تنفيذ حد الجلد بمئة جلدة، في قضية زنا بعد حكم المحكمة عليها".
وقد قوبل المقطع باستنكار من جانب حقوقيين ونشطاء، الذين انتقدوا واقعة الجلد العلني، وكذلك تصويرها ونشرها على الملأ.
وقالت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا، عبر صفحتها على موقع فيسبوك، إن قانون إقامة حد الزنا رقم (70) لسنة 1973 "لم ينص على نشر تنفيذ عقوبة الجلد في الصحف أو عبر وسائل الإعلام المختلفة".
كما قالت المؤسسة إنه بموجب هذا القانون "يُنفذ الجلد داخل مركز الشرطة بحضور وكيل النيابة المختص والطبيب المختص".
وفي المقابل، أصدر جهاز الشرطة القضائية في ليبيا بياناً أوضح فيه أن رئيس الجهاز وجّه بفتح تحقيق بشأن نشر الواقعة عبر وسائل الإعلام، مع إيقاف جميع المسؤولين المباشرين عنها إلى حين انتهاء التحقيقات.
كما أصدر المجلس الأعلى للقضاء في بنغازي بياناً أكد فيه أن "الشريعة الإسلامية جعلت من إقامة الحدود وسيلة لتحقيق العدل والزجر وصيانة المجتمع"، مشيراً إلى أن "تصوير تنفيذ الأحكام ونشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي ليس من مقتضيات تنفيذها ولا من مقاصد الشريعة".
ويقول الدكتور الشيخ صلاح سالم، عميد كلية الدعوة الإسلامية السابق والمستشار في الهيئة الليبية للبحث العلمي، لبي بي سي، إن تطبيق عقوبة الزنا علناً، كما حدث في هذه الواقعة، يُعد سابقة في الأوساط الليبية وفي العرف الليبي، إذ أُقيم الحد بهذه الطريقة العلنية، وتم تصويره وبثه عبر مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات الإعلامية على نطاق تجاوز حدود البلاد.
ويوضح قائلاً: "من حيث العُرف، فإن هذا الأمر غير مألوف في ليبيا وغير مسبوق. فلم تُقم الحدود بهذه الطريقة العلنية، سواء كانت الوجوه والملامح مغطاة أم مكشوفة. وهذا الأمر لم يحدث بهذا الشكل، لا على الصعيد الرسمي ولا على الصعيد العرفي".
ولا يقتصر الأمر على ذلك، إذ يرى الدكتور صلاح سالم أن التشهير مُستهجن شرعاً.
تستند بعض القوانين الليبية إلى الشريعة الإسلامية كمصدر للتشريع، من بينها القانون رقم 70 لسنة 1973 بشأن إقامة حد الزنا.
ويقول المستشار الدكتور عبد الرحمن أبوتوتة، رئيس المحكمة العليا الأسبق في ليبيا، لبي بي سي: "إن مجموعة من فقهاء الشريعة الإسلامية المختصين، وضعت قانون حد الزنا، وطالبوا بتطبيق الشريعة الإسلامية باعتبار أن القوانين يجب أن تعبر عن ضمير المجتمع".
ويضيف أبو توتة: "وضعت القوانين في ليبيا منذ عام 1970 وما بعدها، من قبل لجنة شُكلت من كبار القانونيين، برئاسة المستشار المصري علي علي منصور الذي ترأس المحكمة العليا في ليبيا، وقد أعدّت هذه اللجنة عدداً من التشريعات، من بينها قوانين الحدود المتعلقة بالسرقة والحرابة والزنا وغيرها".
والحد في الإسلام يعني العقوبة المقدرة شرعاً، ويجب إنزالها بمن ارتكب جريمة معينة.
ساوت الشريعة الإسلامية في عقوبة الرجل والمرأة غير المتزوجين اللذين يرتكبان "الزنا"، بالجلد 100 جلدة، وهي العقوبة التي ينص عليها كذلك القانون الليبي.
إلا أن الرجل، أو الطرف الآخر في القضية، لم يظهر في التسجيل المصور المتداول، وهو ما أثار انتقادات من منظمات نسوية ليبية.
المجلس الوطني الأعلى للمرأة الليبية أكد "احترامه الكامل لأحكام القضاء وسيادة القانون"، غير أنه أوضح في بيانه أن "الزنا ليس جريمة ترتكبها المرأة وحدها، وإنما هو جريمة يشترك فيها طرفان".
وأضاف أن "الاقتصار على إظهار المرأة وحدها أمام الرأي العام، من دون بيان وضع الطرف الآخر، يخلق انطباعاً خطيراً بانتقائية العدالة، ويكرس صورة نمطية تجعل المرأة وحدها محل الإدانة المجتمعية، بينما يغيب الرجل عن المشهد، وهو أمر يتعارض مع مبدأ المساواة أمام القانون".
وحتى الآن، لم تصدر أي جهة حكومية ليبية تعليقاً على هذا البيان.
بينما ترى أمينة الحاسية، الناشطة في حقوق المرأة والعضوة في اللجنة الاستشارية ببعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، أن تصوير المرأة بهذا الشكل، "يعد حالة فردية"، مضيفة أن ليبيا لم تشهد من قبل نشر مشاهد تنفيذ عقوبة الجلد علناً.
وتضيف في مقابلة مع بي بي سي: "نحن في ليبيا نعتبر قضية الزنا من القضايا الحساسة جداً في المجتمع الليبي، وأنا أتوقع أن جهات التحقيق ستتخذ إجراءات وستعاقب من صوروا هذه المرأة".
وأوضحت أن "قضايا الزنا في ليبيا تُحل منذ عهد الملكية، سراً بطريقة عرفية في حضور عائلة الطرفين فقط، وعادة ما يتولى شيخ القبيلة حلها؛ إما عن طريق الزواج أو عن طريق دفع أي من الطرفين تعويضاً مالياً حسب الاتفاق بينهما".
ويقول الشيخ عبد العزيز النجار، وهو وكيل وزارة سابق بالأزهر الشريف، لبي بي سي، إن جريمة الزنا في الشريعة الإسلامية لا تثبت إلا بإحدى وسيلتين.
ويوضح أن الوسيلة الأولى هي الإقرار بالفعل، وعند الإقرار تتم المراجعة، "مثلما راجع النبي محمد (في واقعتين منفصلتين) ماعز بن مالك الأسلمي والمرأة الغامدية"، عندما اعترف كل منهما، في واقعتين مختلفتين، بالزنا، وحاول النبي محمد مراجعتهما، ولكن عندما أصرّا على ذلك، تم تنفيذ حد الزنا.
أما الوسيلة الثانية، بحسب النجار، فتتمثل في الشهادة: "أي أن يدّعي شخص أنه رأى شخصين يرتكبان الزنا، ويعتبر هذا الشخص في الشرع مُدعياً، وعليه أن يأتي بأربعة شهود".
غير أن النجار يؤكد أن إثبات تهمة الزنا في الشريعة الإسلامية يخضع لضوابط شديدة الصرامة، موضحاً أن الشهادات يجب أن تتطابق في وصف الواقعة ومكانها وتفاصيلها.
ويقول: "لا بد أن تكون الشهادة واحدة في ذات المكان وذات الوصف، على أن يقول كل شاهد من الأربعة، بالإضافة إلى شهادة الشخص المدعي، بأنه رأى الشخصين المُدعى عليهما في الوضع ذاته وفي المكان نفسه وبالوصف نفسه، (كالقلم في المحبرة)، أما غير ذلك فلا يعتبر زنا".
ويضيف أن الشريعة الإسلامية تنص على أن عقوبة جلد الزاني والزانية تكون في حضور "طائفة من المؤمنين".
كما ينص القانون الليبي على أنه "لا يتم تنفيذ عقوبة الجلد... إلا بحضور طائفة من المسلمين".
وفي تعليقه على ذلك، يقول الشيخ الأزهري عبد العزيز النجار: "هناك (بحسب رأيه) فهم خاطئ عند البعض لما ورد في النص القرآني من كلمة "طائفة من المؤمنين"، فهم يفهمون أن العقوبة تتم في مكان عام أو في ميدان عام. يجوز التنفيذ في مكان معد غير المكان العام، ويشهده من يقومون بالتنفيذ، وليس شرطاً أن يكون في ميدان من الميادين كما يفعل البعض".
وفقاً للقانون رقم 70 لسنة 1973 في ليبيا "لا يجوز تنفيذ عقوبة الجلد إلا إذا أصبح الحكم الصادر بها نهائياً".
وفي هذا السياق، يقول المستشار عبد الرحمن أبو توتة: "حتى يكون الحكم باتاً وغير قابل للطعن، يجب أن يصدر من المحكمة العليا".
بينما كانت الجهة التي أصدرت حكم حد الزنا في تلك القضية هي إحدى دوائر الجنايات بمحكمة استئناف مدينة سبها، ما يعني أنه كان من الممكن الاستئناف على الحكم الصادر.
ويوضح أبو توتة في حديثه لنا قائلاً: "فوجئنا بتطبيق حد الجلد، دون إصدار حكم من المحكمة العليا، وطرأ خلاف حول هذه المسألة في الأوساط القانونية في ليبيا".
تظل السلطة القضائية في ليبيا موحدة، على الرغم من الانقسامات السياسية التي تشهدها منذ سنوات، إذ تحكم البلاد حكومتان، وهما حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس التي تسيطر على مناطق واسعة في الغرب الليبي، بينما توجد حكومة موازية في شرق البلاد، يرأسها أسامة حماد وتدعمها قوات القائد العسكري خليفة حفتر.
إيران: ينص قانون العقوبات الإيراني رسمياً على عقوبة الجلد لعدة جرائم من بينها الزنا.
أفغانستان: تنفذ حكومة حركة طالبان أحكام الجلد بحق المدانين بجرائم الزنا والسرقة وبيع أو تعاطي المخدرات والكحول، أو لعب القمار وكذلك بحق أفراد مجتمع الميم-عين.
إقليم آتشيه بإندونيسيا: يطبق هذا الإقليم وحده الشريعة الإسلامية ويقر عقوبة الجلد أو الضرب بالعصي بحق المدانين بتهمة الزنا.
ماليزيا: تنفذ ماليزيا حكم الجلد كعقوبة للعلاقات خارج إطار الزواج، ونُفّذ سابقاً حكم بالجلد بحق سيدتين لانتمائهن لمجتمع الميم-عين.
غير أن هناك دولاً ألغت عقوبة الجلد كالسعودية في عام 2020 في بعض القضايا التعزيرية (القضايا المتروكة لحكم القاضي)، لكنها استثنت من هذا القرار العقوبات المقررة في الحدود الشرعية الواردة بالنصوص الدينية ومنها، على سبيل المثال لا الحصر، حد الزنا أو القذف في حالات محددة.
وكانت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان قد خلصت إلى أن العقوبات الجسدية (مثل الجلد) ترقى إلى "عقوبة قاسية أو لاإنسانية أو مهينة"، وحتى إلى التعذيب، موضحةً أن عقوبة الجلد تتعارض مع اتفاقية مناهضة التعذيب التي انضمت إليها العديد من الدول.
كما أدانت العديد من المنظمات الحقوقية، ومن أبرزها منظمة العفو الدولية وهيومان رايتس ووتش، دولاً عدة لتطبيقها عقوبة الجلد التي تعتبرها انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي لحقوق الإنسان وحظر التعذيب، وطالبت الحكومات بتعديل القوانين واستبدال العقوبات البدنية بأخرى "تحترم الكرامة الإنسانية" على حد تعبيرها.
المصدر:
بي بي سي
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة