في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
لا تعيش مالي -الواقعة في قلب منطقة الساحل الأفريقي- فترة من الهدوء الحذر حتى تعود للواجهة مجددا عبر صدامات بين الحكومة ومناوئيها، والتي كان آخرها فجر 25 أبريل/نيسان الماضي، عندما هاجمت جماعات مسلحة قواعد عسكرية إستراتيجية ومدنا مهمة بينها العاصمة باماكو، وحققت تقدما كبيرا على حساب الجيش.
صحيح أن الهجوم لا يمثل سابقة حيث نجحت الجماعات المسلحة سابقا في السيطرة على مناطق واسعة في شمال البلاد، لكنه يمثل نقلة نوعية في الصراع على السلطة بين المجلس العسكري من جهة وهذه الجماعات من جهة أخرى، والذي لا يبدو المستعمر التاريخي – فرنسا– بعيدا عنه.
فالهجوم الذي شنته ما تعرف بجبهة تحرير أزواد التابعة لقبيلة الطوارق بالتعاون مع "نصرة الإسلام والمسلمين" التابعة لتنظيم القاعدة، لم يكن واحدا من الهجمات العابرة الكثيرة التي تشهدها البلاد بين وقت وآخر، وإنما كان قفزة مفاجئة في شكل الصراع.
فحجم العملية واتساع نطاقها وتزامنها، كشف عن تحول نوعي في طبيعة المواجهة بين حكومة تحاول تعزيز سيطرتها وجماعات مسلحة تزداد قدرة على إلحاق خسائر بالجيش وتهديد النظام العسكري، حسب فيلم "مالي.. الرمال المتحركة"، الذي أنتجته قناة الجزيرة.
فقد تمكنت المجموعات المسلحة خلال هذا الاشتباك من السيطرة على مدن بينها كيدال الإستراتيجية شمالي البلاد، وقتلت وزير الدفاع ساديو كمارا، في مواجهات قرب العاصمة باماكو.
بيد أن الوضع الأمني لا يزال مضطربا، حيث تواصل الحكومة العسكرية العمل على استعادة المدن التي خسرتها خلال الأيام الماضية، مما يعني صعوبة التكهن بموعد توقف هذه الهجمات ولا ما الذي يمكن أن يترتب عليها.
ولفهم الوضع الحالي في هذا البلد الذي يتنقل بين الانقلابات العسكرية، يجب العودة للوراء كثيرا وتحديدا إلى عام 2013، عندما سيطر مقاتلون تابعون للقاعدة على شمال البلاد، ووصلوا إلى مدينة تمبوكتو التاريخية، مما حدا برئيس البلاد آنذاك أبو بكر كيتا لطلب العون من نظيره الفرنسي فرانسوا هولاند.
وبالفعل، تمكنت القوات الفرنسية من استعادة غالبية مدن الشمال من يد المسلحين خلال أسابيع. لكنها -وأمام زهو الانتصار السريع- قررت البقاء في مالي، وشنت حربا على ما وصفته بالإرهاب.
وبعد 9 سنوات من بدء هذه العملية الواسعة، تمكنت الجماعات المسلحة من استعادة ما فقدته خلال عام 2022، لتُتهم فرنسا بإدخال مالي -بل وجوارها- في فوضى أكبر بكثير مما كانت عليه قبل قدومها.
فالعملية العسكرية الفرنسية انتهت بكارثة حاولت الجزيرة الوقوف على أسبابها الحقيقية فقطعت مسافات شاسعة تحت حراسة أمنية مشددة، لمعرفة القصة من أصحابها.
وبدعم من المجلس العسكري الحاكم آنذاك، بدأ شباب من أنصار غويتا يتجمعون في مظاهرات كل يوم سبت للإشادة بالجيش المالي وحليفه الروسي. ولم تكن هذه الحشود تعلن عن بغضها للجماعات المسلحة وإنما لوحدة "برخان" العسكرية الفرنسية.
فبالنسبة لشوغيل مايغا، الذي تولى رئاسة وزراء مالي بين 2021 و2024 "لا يحب القادة الفرنسيون أن في أفريقيا كلها من يطالب بالاستقلال الحقيقي واستعادة السيادة جديا، وإنما يبحثون عمن يخضع لهم بشكل كامل".
وهذا هو مكمن الخطأ الفرنسي، برأي مايغا، الذي يقول "إننا لم نعد في الستينيات، وعلى فرنسا التوقف عن الكيل بمكيالين أو ثلاثة، إذ لم يعد أحد يُخدع وثمة ألاعيب باتت مكشوفة للجميع".
فما قام به الماليون ضد وجود القوات الفرنسية يسمى "العصيان"، برأي مايغا، لأن الماليين "ليسوا قابلين للإخضاع، وعلى الفرنسيين معرفة هذا والتعاون مع هذا الشعب لا إخضاعه".
فالعمليات التي قادتها فرنسا لم تقض على الإرهاب ولا ساعدت الحكومة في بسط سيطرتها على البلاد، وقرارات الأمم المتحدة تتغير كل عام، بينما قرى تباد عن بكرة أبيها، كما يقول مايغا.
فمنذ 2013، تولت فرنسا مهمة أمن مالي باعتبارها القوة التاريخية في المنطقة، وقد تمركزت في مدينة غاو على بعد 1200 شمالي العاصمة باماكو لتشن حربها على ما أسمته الإرهاب.
وفي أحد المعسكرات الكبيرة الواقعة في مناطق سيطرة الجماعات المسلحة بمدينة غاو -كبرى مدن الشمال- وضعت فرنسا قواتها الضاربة التي لم يكن مرحبا بها، والتي لم يدم بقاؤها طويلا في هذا المكان.
ومع ذلك، لا تعتبر فرنسا خروجها من المكان بهذه السرعة هزيمة لها. فبعض الجنود الذين التقتهم الجزيرة بعد مشاركتهم في العملية يرون أنهم أدوا مهمتهم بنجاح بعدما قتلوا أكثر من 3 آلاف مسلح بينهم عدد من القادة.
بالتالي، "لا سبيل أبدا لإنكار النصر التكتيكي الذي حققه الفرنسيون بعدما حيدوا العدو، واستولوا على ذخيرته وموارده"، كما يقول المقدم ستيفان الذي خدم في الكتيبة الصحراوية التكتيكية الثانية.
ففرنسا من وجهة ستيفان "أتمت المهمة، ونفذ جنودها ما طلب منهم، أما ما خلفته وراءها (من فوضى) فلم يكن من اختصاصها".
بيد أن التفوق العسكري الكبير لم يمكن الفرنسيين سوى من السيطرة على عدد قليل من المساكن على أطراف المعسكر، الواقع في قلب منطقة يخضع سكانها لقانون الجماعات المسلحة.
وبسبب هذه الحرب، توقف أكثر من مليون طفل عن الدراسة، ولم يعد السكان يرحبون بالقوات الفرنسية بعدما اعتادوا وجودها ولم يعودوا مبهورين بها، وربما بدأ بعض من شبُّوا في ظلالها على عداوتها، وإن لم يكونوا كلهم، كما يقول المقدم ستيفان.
فقد وسع الفرنسيون عملية "سارفال" التي أطلقها الرئيس السابق أولاند استجابة لنظيره المالي عام 2013، وبدؤوا عملية "برخان" لتغطية مساحة تفوق مساحة فرنسا نفسها بكثير.
وبعد 9 سنوات، استعاد المسلحون ما خسروه من أراض بعدما توسعوا بدءا من الحدود الجزائرية وصولا إلى موبتي وسط البلاد، ووصل نفوذهم إلى النيجر وبوركينا فاسو المجاورتين.
وبالنسبة للأمين العام السابق لمجموعة الدفاع الذاتي بطوارق "إمغاد" والحلفاء، فهد آل المحمود، فقد فشلت فرنسا في مالي ونشرت عدم الأمن ليس فيها فقط وإنما أيضا في النيجر وبوركينا فاسو وبنين.
وبعد أن سمى المسلمون الماليون أولادهم على اسم هولاند، لم تعد فرنسا اليوم تملك أي شعبية بينهم "لأنها لم تحارب الإرهاب قط بهدف استئصاله، وما فعلته هو أنها ساهمت في تنميته بكل مكان"، بحسب آل المحمود.
لكن قائد مجموعة الصحراء التكتيكية الثانية العقيد دواتييه، رفض أي حديث عن خسارة بلاده للحرب، واعتبر أنه "من غير المقبول قول هذا بعدما خسرت فرنسا 53 جنديا خلال العمليات"، لكنه اعترف بتطور الوضع وتغيره، وقال إن "برخان" تكيفت مع هذا التطور، وبدأت تحصد ما زرعته منذ 2013.
ولم يكن دواتييه، الذي قال في شهادته عام 2022، إن شعبية قوات برخان بين الماليين "تمثل نصرا في حد ذاتها"، يعرف أن هذه القوات سترحل عن مالي تماما بعد شهور من هذا الحديث.
فقد حاولت مالي شراء أسحلة من أوروبا والولايات المتحدة لحماية شعبها، لكن فرنسا عرقلت كل هذه الصفقات وهو ما دفع باماكو لطلب العون ممن لا يستطيع الفرنسيون تعطيله، كما يقول مايغا، في إشارة إلى روسيا.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة