في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في واقعة أثارت دهشة الباحثين، عُثر على شظايا بردية تحمل نصًا شهيرا من الأدب العالمي موضوعة على صدر مومياء داخل مقبرة رومانية في مدينة أوكسيرينخوس (البهنسة حاليا) بمحافظة المنيا بصعيد مصر .
وبحسب الصحفي رضا أبوالعينين بجريدة البيان الإماراتية، جاء الاكتشاف خلال حفريات بعثة أوكسيرينخوس التابعة لجامعة برشلونة الإسبانية بقيادة مايتي ماسكورت وإستر بونس، فيما قادت نوريا كاستيانو أعمال التنقيب بين نوفمبر/ تشرين الثاني وديسمبر/ كانون الأول 2025 بالمقبرة رقم 65، حيث عثرت البعثة على المومياء التي يقدر عمرها بـ1600 عاما، ومعها البردية.
هذا الاكتشاف الجديد للبعثة الإسبانية، التي أسسها جوسيب بادرو عام 1992، وتعمل بدعم جهات إسبانية وبالتعاون مع المجلس الأعلى للآثار وجامعة القاهرة، يكسر القاعدة، إذ كانت النصوص المصاحبة للموتى في مصر القديمة تقتصر عادة على تعاويذ دينية لحمايتهم في رحلتهم إلى العالم الآخر.
تجري الباحثة ليا ماسكيا من جامعة هامبورغ دراسة معمّقة على البرديات المكتشفة في مقبرة أوكسيرينخوس، موضحة أن: "شظايا الكتاب الثاني من الإلياذة ليست سوى أحدث اكتشاف ضمن مجموعة تضم أكثر من عشرين بردية مختومة، جميعها بتقنيات طي وختم متطابقة". ولا يمكن قراءة هذه البرديات إلا وهي في حالتها المجزأة، إذ يُمنع فتح النسخ المختومة السليمة خشية تعرّضها للتلف. وترى ماسكيا أن المعطيات المتاحة تشير إلى أن هذه البرديات وُضعت عمدًا ضمن طقوس الدفن، بحسب ما نقلت زود دويتشه تسايتونغ .
وقد نجحت ماسكيا، بالتعاون مع مرممة الآثار مارغاليدا مونار وعالم اللغويات إغناسي-كزافييه أدييغو، في فك رموز النصوص باستخدام تقنيات متقدمة مثل التصوير بالأشعة تحت الحمراء والمجهر الرقمي .
وتتابع زود دويتشه أن المفاجأة هي أن الباحثين، بدلًا من العثور على نصوص تقليدية عن العالم الآخر مثل "كتاب الموتى" أو "كتاب التنفس"، اكتشفوا نصوصًا أدبية، وهو ما قد يشير إلى نمط دفن مختلف.
ومع ذلك، لا يزال من غير الواضح ما إذا كان استخدام نصوص هوميروس حالة استثنائية، إذ تؤكد ماسكيا أن هذه التفسيرات تبقى مؤقتة لحين استكمال فحص جميع المكتشفات، وفق ما جاء في بيان صحفي .
ترجّح كاستيانو أن وضع البردية يعكس اهتمامًا خاصًا بالمتوفى، قائلة: "يشير هذا الوضع إلى إدراك أهمية البردية والاهتمام بالمتوفى". وفي المقابل، يطرح عالم المصريات الألماني فريدهيلم هوفمان من جامعة لودفيغ ماكسيميليان في ميونيخ احتمالين: إما أن البردية أُضيفت لمحتواها، أو أن النص نفسه لم يكن ذا صلة.
وكما تضمنت تقاليد الدفن المصرية أوانٍ رمزية، فربما وُجدت أيضًا "برديات رمزية": قرابين رمزية تهدف فقط للإشارة إلى أن المتوفى قد زُوّد بكل ما يلزم. "لا أستبعد احتمال أن تكون البردية نفسها، كقربان، هي العامل المهم، وليس محتواها"، يقول هوفمان لزود دويتشه تسايتونغ.
لم يكن ظهور نص يوناني في مصر الرومانية أمرًا غريبًا تمامًا، إذ كانت أوكسيرينخوس (البهنسة حاليا) مركزًا ثقافيًا امتزجت فيه التقاليد المصرية واليونانية والرومانية. وكانت اللغة اليونانية سائدة في التعليم، كما كانت أعمال هوميروس جزءًا من المناهج الدراسية.
في مدينة أوكسيرينخوس خلال الحقبتين اليونانية والرومانية، تراكمت كميات هائلة من أوراق البردي التي وثّقت مختلف جوانب الحياة الإدارية والمالية، وكان يتم التخلص منها بشكل دوري. وعلى مدى أكثر من ألف عام، اعتاد السكان إلقاء هذه النفايات في مواقع عدة وسط رمال الصحراء خارج حدود المدينة.
ومع مرور الزمن، تحولت هذه المخلفات إلى كنز أثري؛ إذ كشفت حفريات البهنسة منذ القرن التاسع عشر عن مئات الآلاف من البرديات، التي تضم رسائل خاصة وسجلات ضرائب ونصوصًا أدبية ودينية. ومع ذلك، يظل الاكتشاف الأخير مختلفًا واستثنائيًا، لأن النص الأدبي وُجد داخل مقبرة وعلى جثمان ميت، لا بين مخلفات المدينة كما جرت العادة.
هل كان هوميروس دليلاً للمتوفى في رحلته للعالم الآخر بدلا من كتاب الموتى؟ أم كان مجرد رمز ثقافي يُرافقه؟ الإجابة لا تزال غامضة، خاصة مع وجود برديات أخرى لم تُفك شفرتها بعد، وربما تكشف الأيام أن الأدب لم يكن حكرًا على الأحياء فقط!
تحرير: عادل الشروعات
المصدر:
DW