في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
عمّان- لم تعد الضربات العسكرية التي ينفذها الأردن على حدوده الشمالية مع سوريا مجرد ردود فعل على محاولات تهريب المخدرات، بل باتت تعكس تحولا واضحا نحو إستراتيجية تقوم على "الردع الاستباقي"، وفق ما تشير إليه معطيات رسمية وآراء خبراء ومحللين.
وقال مصدر حكومي أردني للجزيرة نت إن الأردن ينسق مع الحكومة السورية والجيش السوري في كافة أعماله على الحدود، بما في ذلك هذه العمليات، في إطار الحرص على سيادة الدولة السورية والأمن الوطني للبلدين، والتعاون المشترك لمكافحة آفة المخدرات والتصدي لشبكات التهريب والمصانع التي تنشط على امتداد الحدود.
وأكد المصدر أن الأردن سيواصل تنفيذ مثل هذه العمليات كلما تطلب الأمر بشكل استباقي، بهدف دحر أوكار المخدرات والحد من نشاطها، مشيرا إلى أن مستوى التنسيق الأردني-السوري بلغ مستويات متقدمة، لا سيما في مجالي التعاون الأمني والعسكري، ضمن جهود مشتركة لمواجهة تجارة المخدرات والحد من انتشارها.
وشدد على أن الأردن لا يستهدف فصيلا أو جماعة بعينها، بقدر ما يستهدف كل ما يهدد أمنه ويعمل على تصنيع أو تهريب المخدرات، سواء عبر البالونات الطائرة أو من خلال "الحمالة" الذين يحاولون التسلل عبر الحدود. كما أشار إلى أن استهداف مواقع في درعا والسويداء سابقا، رغم ما تتميز به المنطقتان من تركيبات مجتمعية مختلفة، جاء في هذا الإطار، وباتفاق بين الجانبين الرسميين.
وفجر اليوم الأحد، نفذت القوات المسلحة الأردنية عملية استهدفت مواقع لتجار الأسلحة والمخدرات على الحدود الشمالية عرفت باسم "الردع الأردني"، بناء على معلومات استخبارية دقيقة حددت مواقع مصانع ومستودعات تستخدم لإطلاق عمليات التهريب نحو الأراضي الأردنية.
وقال بيان صادر عن الجيش الأردني إن الضربات نفذت وفق أعلى درجات الدقة، فيما ذكرت وسائل إعلام سورية أن الطيران الأردني ضرب أهدافا محددة في منطقة السويداء.
ويأتي ذلك في سياق تغيير قواعد الاشتباك، إذ تشير معطيات رسمية إلى الانتقال من الحالة الدفاعية إلى الهجومية منذ عام 2022، بما يشمل ملاحقة مصادر التهديد خارج الحدود.
يرى العقيد الركن الطيار المتقاعد عبد الله السرحان أن الغارات الجوية الأخيرة تعكس تحولا نوعيا في نهج التعامل مع تهديدات تهريب المخدرات، إذ لم تعد المواجهة مقتصرة على الدفاع عن الحدود، بل انتقلت إلى تنفيذ عمليات استباقية هجومية تستهدف مصادر الخطر في عمقها.
ويشير السرحان، في تصريحات للجزيرة نت، إلى أن هذه الخطوة جاءت نتيجة تطور أساليب التهريب التي باتت تعتمد على تقنيات حديثة، مثل الطائرات المسيرة والبالونات الموجهة إلكترونيا، وهي وسائل يصعب رصدها عبر أنظمة الرادار التقليدية، ما سمح لبعضها بالتسلل إلى الداخل الأردني.
ويضيف أن هذا الواقع فرض على القيادة العسكرية تبني مقاربة جديدة تقوم على مبدأ "أفضل وسيلة للدفاع هي الهجوم"، حيث نُفذت ضربات جوية دقيقة استهدفت مصانع ومراكز إنتاج المخدرات، خصوصا في محافظة السويداء، باستخدام طائرات "إف-16" وقنابل موجهة بالليزر عالية الدقة، بقدرة إصابة تصل إلى هامش خطأ لا يتجاوز بضعة أمتار.
ويصف السرحان هذه العمليات بأنها "جراحية"، نظرا لقدرتها على إصابة الأهداف المحددة دون إحداث أضرار واسعة في محيطها.
ويؤكد السرحان أن هذه الضربات، التي نفذت ليلا وبعدد غارات تجاوز العشر، أسهمت في تحييد نسبة كبيرة من مصادر المخدرات، وقدمت حماية ملموسة للحدود، كما خففت من التهديدات القادمة عبر الجو، معتبرا أن ما تحقق يمثل خطوة متقدمة في ترسيخ معادلة الردع وحماية الأمن الوطني.
يرى المحلل السياسي حمزة العكايلة في حديث للجزيرة نت أن ظاهرة تهريب المخدرات عبر الحدود الأردنية لا يمكن فصلها عن السياق الأوسع الذي تشكل خلال سنوات حكم النظام السوري السابق، حيث تحولت هذه التجارة إلى منظومة ذات أبعاد اقتصادية وسياسية، كانت مسؤولة – وفق تقديرات دولية – عن إنتاج النسبة الأكبر من مادة الكبتاغون عالميا بعوائد ضخمة.
ويشير العكايلة، في حديث للجزيرة نت، إلى أن هذه الشبكات لم تكن عشوائية، بل ضمت مئات المجموعات المنظمة التي عملت على إنتاج وتوزيع المخدرات باتجاه الأردن ومنه إلى دول الخليج، عبر أساليب متطورة شملت الطائرات المسيرة والمقذوفات، إلى جانب وسائل تقليدية كالتسلل البري واستغلال الظروف الجوية.
ويؤكد العكايلة أن الأردن تعامل مع هذه التهديدات بوصفه خط الدفاع الأول عن المنطقة، في ظل استهداف الجزء الأكبر من هذه المواد لدول الخليج، ما يمنح الدور الأردني بعدا إقليميا يتجاوز حدوده. كما يلفت إلى أن هذه التجارة لم تكن مجرد نشاط غير مشروع، بل أداة استُخدمت في سياقات سياسية واقتصادية، مستفيدة من حالة الفوضى وضعف مؤسسات الدولة في الجنوب السوري.
ويضيف أن معالجة هذه الظاهرة تتطلب تعاونا إقليميا أوسع، وهو ما انعكس في الاتفاق على إنشاء آلية تنسيق مشتركة بين الأردن وعدد من الدول العربية لمكافحة تهريب المخدرات، مشيرا في الوقت ذاته إلى أن استمرار التوترات في الجنوب السوري لا يزال يوفر بيئة حاضنة لبعض هذه الشبكات، رغم الجهود المبذولة للحد منها.
ويرى الباحث في معهد السياسة والمجتمع حسين الصرايرة أن الضربات الأخيرة تعكس تحولا عميقا في العقيدة الأمنية الأردنية، حيث لم تعد حماية الحدود تقتصر على رد التهديدات، بل باتت قائمة على استباقها من خلال استهداف بنيتها في العمق.
ويشير الصرايرة في حديث للجزيرة نت إلى أن هذا التحول، من الاحتواء إلى المعالجة الجذرية، يعكس إدراكا بأن شبكات التهريب لم تعد حالات فردية، بل منظومات عابرة للحدود تتطلب تفكيكها من المنبع، في سياق تنسيق أمني متنامٍ مع الجانب السوري.
ويضيف أن دقة الاستهداف تؤكد اعتماد الأردن على جهد استخباري متقدم وبنك أهداف محدث، ضمن مقاربة أوسع للردع الوقائي، تضع المملكة في موقع خط الدفاع المتقدم عن أمن الإقليم في ظل بيئة إقليمية معقدة ومتداخلة.
ويأتي هذا التحول في ظل بيئة إقليمية معقدة، تتصاعد فيها التهديدات غير التقليدية، وعلى رأسها تجارة المخدرات، فيما تعكس الضربات الأردنية الأخيرة تحولا إستراتيجيا في إدارة ملف الحدود، يجمع بين التنسيق الإقليمي والردع العسكري، في محاولة لتفكيك شبكات التهريب من جذورها، قبل أن تصل إلى الداخل الأردني.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة