آخر الأخبار

رميش: سكان بلدة لبنانية جنوبية يرفضون إخلاءها رغم ذكرياتهم الأليمة من حرب 2006

شارك
مصدر الصورة

بعد أكثر من أسبوعين على حصار بلدة رميش الحدودية في جنوب لبنان، جرّاء القصف والقتال المتبادل بين إسرائيل وحزب الله، دخلت أخيراً، يوم الأحد، مساعدات غذائية ومياه للشرب وبعض الأدوية الأساسية.

وكان أهالي بلدات رميش وعين إبل ودبل - وهي ثلاث بلدات لبنانية حدودية يقطنها سكان مسيحيون - قد رفضوا مغادرتها، رغم إنذارات الإخلاء التي وجّهها الجيش الإسرائيلي.

وبحسب رئيس بلدية رميش، حنا العميل، بقي في البلدة 6066 شخصاً من مختلف الفئات العمرية.

وقال، إلى جانب شخصين آخرين سألناهما، إنّ قرار البقاء رغم المخاطر يعود إلى تمسّك الأهالي بأرضهم، على الرغم من تجربة سابقة عاشتها البلدة خلال حرب يوليو/تموز 2006، حين عانت عزلةً عن محيطها وانقطاعاً في السلع الأساسية من طعام ومياه وأدوية لنحو 17 يوماً قبل نهاية الحرب.

"جنوب نهر الليطاني"

مصدر الصورة

منذ اندلاع جولة التصعيد الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله في 2 مارس/آذار 2026، لم يبقَ سوى عدد قليل جداً من سكان القرى الواقعة جنوب نهر الليطاني في منازلهم، بسبب تصاعد خطر القصف واحتمال وصول الجيش الإسرائيلي إليها برّاً.

وقد يضطر هؤلاء إلى إخلاء منازلهم والمنطقة في أي وقت. وقد أخليت القرى المحاذية للحدود اللبنانية-الإسرائيلية بالكامل، مع تقدّم القوات الإسرائيلية في عددٍ منها واندلاع اشتباكات مع حزب الله، كما دمّر عدد كبير من منازلها.

وفي هذا السياق، وسّع المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي للإعلام العربي، أفيخاي أدرعي، في الأيام الأخيرة، نطاق تحذيرات الإخلاء؛ فبعدما كانت تشمل القرى الواقعة جنوب نهر الليطاني، امتدّت أيضاً إلى المناطق الواقعة جنوب نهر الزهراني، الذي يقع إلى الشمال من الليطاني، ما يعني توسيع النطاق الجغرافي للمناطق المستهدفة.

وتقول إسرائيل إنّ معظم قدرات حزب الله وأسلحته تتمركز في مناطق جنوب نهر الليطاني.

وتعدّ معظم القرى الحدودية في الجنوب ذات غالبية شيعية، رغم أنّ بعض القرى مختلطة السكان، إذ يقطنها شيعة ومسيحيون، فيما توجد قرى قليلة محاذية للحدود ذات غالبية مسيحية، إلى جانب حضور درزي في القرى الحدودية الشرقية.

في المقابل، يصرّ سكان القرى الحدودية المسيحية، مثل رميش وعين إبل ودبل، على عدم وجود أي حضور لحزب الله داخل قراهم، وبالتالي يرفضون مغادرتها خشية فقدان أراضيهم أو تدمير منازلهم.

وبحسب المعطيات المتوفرة حول سير العملية البرية الإسرائيلية في جنوب لبنان، والتي تقول إسرائيل إنها تهدف إلى "تدمير القدرات العسكرية لحزب الله" وضمان أمن سكان شمال إسرائيل، فإنّ الجيش الإسرائيلي لا يتقدّم إلى جميع القرى تباعاً، بل يلتف حول بعضها من دون دخولها، ومنها رميش.

ويخشى كثير من اللبنانيين أن تتحوّل هذه "العملية الإسرائيلية" إلى احتلال طويل الأمد، إذ قال وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، مراراً منذ بدء جولة الحرب الأخيرة، إنّ قواته "ستبقي على السيطرة الأمنية الإسرائيلية في منطقة الليطاني بأكملها".

ما ثمن قرار البقاء؟

تعدّ رميش أكبر القرى المسيحية الحدودية وأقربها إلى الحدود، إذ لا تفصلها عنها سوى مسافة تقلّ عن كيلومتر واحد.

ويؤكد رئيس بلديتها، حنا العميل، في حديث مع بي بي سي عربي، أن قرار البقاء كان "قراراً نهائياً وحاسماً اتّخذ منذ اليوم الأول لاندلاع الحرب، كقرار جماعي".

وأوضح أنّ رميش "هي الأرض التي ولدنا فيها وورثناها عن آبائنا وأجدادنا، الذين رووها بعرق جبينهم ودفعوا الدم في مراحل مختلفة ثمناً للدفاع عنها". وأضاف: "استشهد كثير من أبناء رميش على مرّ التاريخ، خلال الأزمات والحروب التي شهدتها المنطقة عبر عقود طويلة".

وتابع: "لم يترك أهل رميش أرضهم يوماً، ولذلك لن نتركها اليوم. هذه أمانة سنسلّمها لأبنائنا، مهما كانت الأثمان والتضحيات".

من جهته، قال داني كلاكش، وهو أحد أبناء رميش، إنّ نسبة من نزحوا من البلدة لا تتجاوز 5 في المئة من إجمالي سكانها. وأضاف لبي بي سي عربي: "ربما هي لعنة الجغرافيا التي تضعنا أمام خيارات صعبة إلى هذا الحد. لا يمكننا العيش بين خيارين: أن نحيا ونموت في أرضنا، أو أن نحيا ونموت نازحين أو مشرّدين".

وأفادت وسائل إعلام محلية بأن مختار البلدة تلقّى اتصالاً هاتفياً، نشر تسجيل له، من شخص عرّف عن نفسه بأنه من الجيش الإسرائيلي. وقال إن الجيش يعتبر سكان رميش "أصدقاءً وأهلاً"، وإنه "لا يريد إجلاءهم من القرية"، مضيفاً أنه يمكنهم البقاء فيها بشرط إبعاد حزب الله عنها، وإلا سيضطر إلى شنّ غارات وإجبار السكان على الإخلاء.

كما حذّر المتصل أهالي رميش من أنهم سيتحمّلون مسؤولية أي تواصل مع النازحين من القرى المجاورة ذات الغالبية الشيعية.

وفي هذا السياق، اضطرّ نازحون شيعة من القرى المجاورة إلى الانتقال إلى مناطق أخرى شمال نهر الليطاني، بمواكبة من الجيش اللبناني، بحسب ما أوردته وسائل إعلام لبنانية.

مصدر الصورة

كان الجيش اللبناني قد انسحب من رميش وبلدتي عين إبل ودبل في 31 مارس/آذار 2026، عقب تقدّم القوات الإسرائيلية في محيطها.

وقالت قيادة الجيش اللبناني، في بيان صدر في اليوم التالي، إنه "نتيجة تصعيد العدوان الإسرائيلي على لبنان، ولا سيما في المناطق التي تشهد توغلاً معادياً في محيط البلدات الحدودية الجنوبية، بما يؤدي إلى محاصرة وحدات الجيش المنتشرة وعزلها وقطع خطوط إمدادها، نفّذ الجيش عملية إعادة تموضع وانتشار شملت عدداً من هذه الوحدات".

وكان الجيش الإسرائيلي قد شنّ غارات على جسور وطرق رئيسية تربط جنوب نهر الليطاني بشماله، ما قد يؤدي إلى فصل منطقة الجنوب عن جبل لبنان وبيروت وسائر المناطق بشكل شبه كامل.

وبذلك، أصبحت مناطق جنوب نهر الليطاني معزولة إلى حدّ كبير، فيما باتت القرى الحدودية التي تشهد عمليات عسكرية شبه معزولة تماماً عن محيطها، سواء نتيجة استهداف الطرقات أو مخاطر التنقّل منها وإليها.

ويقول العميل إنه يتفهّم خطوة الجيش اللبناني بالانسحاب من البلدة، أو "إعادة التموضع" كما وصفها. وأضاف، بنبرة تشير إلى قدر من الارتياح، أنّ "مخفر قوى الأمن الداخلي لا يزال موجوداً في البلدة، وبالتالي لا تزال الشرعية قائمة".

لكنه أوضح أنّ "إدخال السلع الغذائية والأدوية والمحروقات كان يتمّ بمواكبة الجيش اللبناني"، مضيفاً أنه بعد انسحابه: "لم يعد بإمكاننا الحصول على أي شيء".

ويؤكد أنّ "الخوف هو أن تطول الحرب وألا نعرف ماذا سيكون مصيرنا".

وكانت البلدة قد حصلت على مساعدات وحصص غذائية وأدوية من مؤسسات الدولة اللبنانية، وجمعيات غير ربحية، دينية وغير دينية، ومنظمات الأمم المتحدة، قبل حصارها لأكثر من أسبوعين. ويشير العميل إلى أنّ "المخزون الذي تمّ تأمينه لم يكن يكفي سوى لنحو 12 يوماً فقط".

ورغم دخول بعض المساعدات، يوم الأحد، عبر الصليب الأحمر الدولي والصليب الأحمر اللبناني إلى رميش وعين إبل، وإجلاء عدد من المرضى الذين كانت حالاتهم حرجة، فإنّ الخطر لا يزال قائماً في حال استمرار الحرب لفترة أطول.

"ليس هناك مستشفى"

أما الخطر الثاني، الذي لا يقلّ أهمية عن الغذاء والماء، فيكمن في غياب مستشفى داخل رميش.

ويقول العميل إنّ في البلدة مستوصفات يمكنها معالجة الحالات العادية، إلا أنّ مخزون الأدوية والمستلزمات الطبية فيها "محدود". ويؤكد أنّه في حال "أصيب أحدهم أو جرح أو تعرّض لعارض قلبي، فسيكون عرضةً لخطر الموت".

ويشير أحد سكان البلدة، داني كلاكش، إلى غياب الإمكانات اللازمة لإجراء فحوصات طبية أو تحاليل مخبرية لمتابعة الوضع الصحي للمرضى.

ويضيف أنّ من بين التحديات أيضاً تشتّت العائلات، إذ يواصل بعض أفرادها دراستهم الجامعية أو أعمالهم في بيروت، ما يحول دون عودتهم أو ترك التزاماتهم.

ويمضي كلاكش أبعد من ذلك، قائلاً إنّ "الخوف الأكبر في هذه الحرب، وهو يتجاوز الخسائر المادية، بل وحتى الخسائر في الأرواح، هو الخوف على المصير والوجود". ويضيف: "نحن لا نعلم إلى أين نتّجه".

هل التحرك مسموح؟

مصدر الصورة

في 28 مارس/آذار 2026، أفادت الوكالة الوطنية اللبنانية للإعلام بمقتل شخصين "إثر إطلاق الجيش الإسرائيلي النار بكثافة على سيارة مدنية في محلة العوينات بين رميش ودبل، يقودها مواطن يرافقه ابنه". والقتيلان هما جورج سعيد وابنه إلياس.

وبحسب ما أفاد به سكان في دبل ورميش، فإنّ الأب وابنه توجّها إلى رميش للتبضّع، لوجود متاجر أكبر فيها، قبل أن يفاجآ، في طريق العودة، بدورية إسرائيلية، "ليحدث ما حدث".

وسأل مراسل بي بي سي في القدس الجيش الإسرائيلي عن الحادثة، فردّ المتحدث باسمه بأن التحقيقات الأولية "تشير إلى أن القوات تحرّكت استجابةً لبلاغ استخباراتي دقيق حول تهديد مباشر، تضمن احتمال التخطيط لهجوم بزيّ مدنيين".

وأضاف أنه "خلال العملية، رُصدت مركبات تقلّ مشتبهين تقترب من القوات بسرعة كبيرة، ما أثار شكوكاً جدية بوجود خطر وشيك. رفعت القوات حالة التأهّب، وحاولت إبعاد المشتبه بهم، وفي الوقت نفسه بُذلت جهود لتنسيق وتنبيه سكان دبل لمنع وصول أفراد غير متورطين إلى المنطقة".

وتابع: "بعد أن واصل المشتبه بهم الاقتراب دون الاستجابة لمحاولات صدّهم، أُطلقت النيران للقضاء على التهديد وفقاً لتقييم الوضع الميداني"، مضيفاً أنّ الجيش الإسرائيلي "يجري تحقيقاً معمقاً وشاملاً في الحادث".

وفي حوادث أخرى مرتبطة بالقرى المسيحية التي فضّل سكانها عدم الرحيل، ذكرت الوكالة الوطنية اللبنانية للإعلام أنه في 12 مارس/آذار 2026 "استهدفت غارة إسرائيلية بلدة عين إبل وقتلت ثلاثة أشخاص هم جورج خريش، وإيلي عطالله، وشادي عمار، وجميعهم مدنيون من البلدة، كانوا يعملون على تركيب طبق استقبال بث القنوات الفضائية (ستالايت) على سطح أحد المنازل".

وسأل مراسل بي بي سي في القدس الجيش الإسرائيلي عن هذه الحادثة أيضاً، التي وقعت في عين إبل من جهة بلدة حانين، وجاء الرد أنّ الجيش "هاجم مشتبهين في منطقة حانين يُشتبه في أنهم يشكلون تهديداً للقوات".

وقال الجيش الإسرائيلي لبي بي سي إنه "في وقت سابق، أُطلقت نيران مضادة للدبابات على قواته من المنطقة نفسها، ولم يكن على علم بالادعاءات التي تفيد بأن هؤلاء كانوا مدنيين"، مضيفاً أنه "يأسف لأي أذى لحق بالمدنيين".

وفي 31 مارس/آذار، استنكرت بلدية دبل، في بيان، تفجير الجيش الإسرائيلي منازل في البلدة، وقالت: "إن دبل بلدة مسالمة، لا ناقة لها في هذه الحرب ولا جمل، ومع ذلك تدفع أثماناً باهظة من أمنها واستقرارها. نأسف لما نتعرض له من مآسٍ متواصلة، من استهداف أبنائنا إلى تدمير منازلنا أمام أعيننا، في مشهد يختصر حجم الألم الذي يعيشه أهلنا الصامدون".

كما نقلت الوكالة الوطنية، في 3 أبريل/نيسان، عن رئيس بلدية عين إبل، أيوب خريش، تلقيهم أمراً من الجيش الإسرائيلي بالانتقال من القسم الشمالي إلى القسم الجنوبي في البلدة حفاظاً على السلامة.

وقال بيار حبيب، وهو من سكان رميش، إنّ الطريق بين رميش ودبل مقطوع "لأسباب عسكرية-أمنية"، مضيفاً أنّ الطريق بين رميش وعين إبل لا يزال مفتوحاً، لكنه يُستخدم فقط للضرورة القصوى بسبب المخاطر.

أما الطريق بين رميش وبيروت، فهو مقطوع تماماً، لا سيما بعد انسحاب الجيش اللبناني من البلدة. ويقول حبيب إنّ الجيش كان ينظّم قوافل يواكبها ويعدّ لها مسبقاً، مع تسجيل أسماء المشاركين وأنواع السيارات وأرقامها، بل وحتى صورها، ويمنح الإذن بالتنسيق مع لجنة "الميكانيزم" للنزول إلى بيروت والعودة، وكان ذلك يتمّ نحو مرتين أسبوعياً.

و"الميكانيزم" لجنة خماسية تضم ممثلين عن لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة وفرنسا وقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل)، وتهدف إلى مراقبة تنفيذ اتفاق وقف الأعمال العدائية بين لبنان وإسرائيل.

ويشير حبيب أيضاً إلى أن نحو نصف الأراضي الزراعية في رميش بات مهملاً، لأن "المزارعين لا يستطيعون الوصول إليها، فيزرعون ما يمكن زراعته بين المنازل".

ويؤكد كلاكش ذلك، قائلاً إنّ الحركة "شبه مستحيلة"، مضيفاً أنّ التنقّل داخل البلدة بات محصوراً "بأماكن قليلة وبمساحة ضيقة جداً، إذ لا يستطيع أحد تحمّل مخاطر ما قد يحدث".

ماذا حصل في حرب 2006؟

يقول الدكتور كريم المفتي، أستاذ العلاقات الدولية والقانون الدولي في معهد الدراسات السياسية بباريس، في مقابلة سابقة مع بي بي سي عربي، إنّه خلال حرب تموز/يوليو 2006 "حاصر الجيش الإسرائيلي بلدة رميش الجنوبية، كما منع الصليب الأحمر الدولي من إدخال المساعدات، وكان أبناء البلدات المجاورة قد نزحوا إليها ظنّاً منهم أنها أكثر أماناً".

وأضاف: "فكّ الحصار بعد أيام نتيجة ضغوط دبلوماسية وإنسانية وسياسية".

ولا يوجد تعريف محدد لـ"الحصار" أو "التطويق" في القانون الدولي الإنساني، إلا أنّ اللجنة الدولية للصليب الأحمر تعرّفه بأنه "تكتيك لتطويق القوات المسلحة للعدو من أجل منع حركتها أو قطع قنوات الإمداد، ولا يجوز فرض حصار إلا إذا كان يستهدف حصراً القوات المسلحة المعادية".

وتشير اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى أنّ القانون الدولي الإنساني يوفّر حماية أساسية للمدنيين العالقين تحت الحصار، إذ "يجب السماح لهم بمغادرة المنطقة المحاصرة عندما يكون ذلك ضرورياً لتجنيبهم آثار العمليات العسكرية، أو عندما يتعذّر عليهم الحصول على السلع الأساسية اللازمة لبقائهم على قيد الحياة".

واستقبلت رميش خلال حرب يوليو/تموز 2006 أكثر من 10 آلاف شخص من البلدات المجاورة، "من بنت جبيل، ومن عيترون، ومن يارون، ومن عيتا الشعب"، بحسب ما يؤكد رئيس البلدية.

ويضيف كلاكش أنّه، نظراً للعدد الكبير من الوافدين، نفد مخزون المواد الأساسية خلال أسبوع أو أسبوعين.

ومن جهته، يوضح حبيب أنّ الفارق الأساسي بين حرب 2006 واليوم هو أنّ "حرب يوليو/تموز 2006 اندلعت فجأة، فلم يكن أحد مهيأً لحرب كبيرة أو قاسية بهذا الشكل".

ويضيف أنّه، وخلال فترة قصيرة، "نفدت المواد الغذائية والأدوية وحتى مياه الشرب".

ويتابع: "كان عدد سكان رميش نحو 6 آلاف شخص، إضافة إلى استقبالها نحو 10 آلاف آخرين في بقعة جغرافية ضيقة وغير مهيّأة لأي حالة طوارئ بهذا الحجم".

وتشير الصحف المحلية في ذلك الوقت، بحسب ما أظهرته نسخ أرشيفية اطّلعنا عليها، إلى عناوين تناولت "حصار رميش"، ومطالبات الأهالي بمياه الشرب والغذاء والأدوية.

ويرى حبيب أنّ "الناس استطاعوا تجاوز تلك المحنة عبر التضامن والتعاون فيما بينهم وتعاطفهم مع بعضهم البعض"، مضيفاً: "كان من هم في وضع ميسور نسبياً يساعدون الآخرين بما لديهم من طعام وأدوية وحتى مياه شرب".

من جهته، يرى كلاكش أنّ "الصمود في لحظات عاطفية أو انفعالية يكتب له في الأغاني والشعارات، لكنّ الصمود الفعلي يحتاج إلى مقوّمات".

مصدر الصورة

ويشير إلى أنّ البلدة انقطعت عام 2006 عن محيطها وعن بيروت، كما يحدث اليوم، ما اضطرّ السكان إلى "اعتماد أساليب تكيّف صعبة جداً على مدى نحو ثلاثة أسابيع، وهو ما أثّر بشكل كبير على السكان، ولا سيما الأطفال، جسدياً ومعنوياً وعاطفياً".

ويضيف: "ما كان قاسياً جداً أيضاً هو أنّ من كان يمرض لم يكن بإمكاننا معالجته، ومن يقتل لم يكن بإمكاننا دفنه".

وقتلت طفلتان شقيقتان، هما زينب صلاح جواد (7 أعوام) وأختها كوثر صلاح جواد (4 أعوام)، في 19 يوليو/تموز 2006، بعد أن كانت عائلتهما قد نزحت إلى منزل في رميش من بلدة عيتا الشعب.

وفي تقرير لـهيومن رايتس ووتش نشر عام 2007، أشارت المنظمة إلى أنّ "منزل عائلة سالم استقبل 26 نازحاً مدنياً، معظمهم من النساء والأطفال من عيتا الشعب، ليعيشوا في بيتها في رميش إلى جانب أفراد عائلة سالم نفسها البالغ عددهم ستة".

ويشير التقرير إلى أنه "في الساعة الواحدة صباحاً من 19 يوليو/تموز، تعرّض الحي الذي كانوا يقيمون فيه قرب مركز القرية لقصف إسرائيلي كثيف. وقد سقط أكثر من ست قذائف مدفعية عيار 155 ملم على منزل آل سالم، واخترقت أربع منها الغرفة التي كان ينام فيها أطفال النازحين"، ما أدى إلى مقتل زينب وشقيقتها كوثر.

وتنقل المنظمة عن صاحب المنزل قوله إنه "لم يكن داخل البيت أي من عناصر حزب الله، وإن الحي يقع في منطقة مسيحية لا تناصر حزب الله". وفي حين لم يلاحظ آل سالم أي إطلاق نار من المكان الذي يقطنونه في القرية، قالوا لـهيومن رايتس ووتش إنّ بعض القرويين أخبروهم أنه "أطلق شيء ما من الجوار"، إلا أنّ المنظمة لم تتمكن من التحقق من صحة هذه الرواية.

وفي 27 يوليو/تموز، وصلت أول قافلة مساعدات من اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى رميش وقرى أخرى على الشريط الحدودي، وأبلغ ناجون فرّوا من القرية مندوبي اللجنة أنّ "السكان يشربون مياهاً ملوثة من بركة تستخدم لتجميع مياه الري".

وقال هشام حسن، المتحدث باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر في بيروت آنذاك، إنّ المنظمة حصلت أخيراً على ضمانات من الجيش الإسرائيلي لتأمين مرورها الآمن إلى رميش، بعد أن منعت من ذلك ثلاث مرات سابقاً، مشيراً إلى أنّ الإمدادات التي تم تسليمها "لا تكاد تذكر" مقارنةً بحجم المأساة.

بماذا يطالب سكان القرى المعزولة؟

وكان رئيس بلدية رميش قد ناشد، في اتصال مع بي بي سي عربي قبل وصول قافلة المساعدات الأخيرة، "منظمات الأمم المتحدة والصليب الأحمر الدولي تأمين ممرات إنسانية لإيصال السلع والخدمات الأساسية لأهالي المنطقة كي يتمكنوا من العيش".

وأضاف: "نحن معزولون داخل منطقة نزاع مسلح، وبالتالي تنطبق علينا في هذه الحالة اتفاقيات جنيف الدولية، وهي جزء من القانون الدولي الإنساني الذي يوصي بحماية المدنيين وممتلكاتهم وسبل عيشهم".

وتشير اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى أنه "يجب ألا يُستغلّ الحصار لإجبار المدنيين على مغادرة منطقة معينة بشكل دائم، إذ إنّ القانون الدولي الإنساني يحظر النزوح القسري، إلا إذا اقتضى ذلك أمن المدنيين المعنيين أو لأسباب عسكرية قهرية".

وفي حال تحوّل حصار منطقة ما إلى احتلال، ويُعرّف القانون الدولي الاحتلال بأنه "السيطرة الفعلية لجيش معادٍ على إقليم معين"، فإن ذلك يفرض التزامات واضحة على الدولة المحتلة.

وتقول أستاذة العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية، ليلى نقولا، في مقابلة سابقة مع بي بي سي عربي: "بعد احتلال دولة ما لهذه الأرض، تصبح ملزمة بمعاملة السكان معاملة إنسانية. ويحظر القانون الدولي الإنساني تهجير السكان أو اقتلاعهم من أرضهم، أو القيام بعمليات قتل أو إخفاء قسري. كما يُحظر الاستيطان، وتُفرض على الدولة المحتلة مسؤولية توفير الاحتياجات الأساسية لهم".

وكان برنامج الأغذية العالمي قد أعلن إيصال قافلة مساعدات أساسية إلى بلدة عين إبل في 8 أبريل/نيسان، ثم تقاسمت بلدتا عين إبل ورميش ما لديهما من مخزون مع بلدة دبل، المحاصرة منذ فترة أطول منهما، في 9 أبريل/نيسان.

وذلك بعد أن حاولت قافلة مساعدات إنسانية نظّمتها سفارة الفاتيكان في لبنان الوصول إلى دبل في 7 أبريل/نيسان، إلا أنّ القصف والاشتباكات الدائرة في البلدات المحيطة في ذلك اليوم أجبرتها على العودة من دون الوصول إلى البلدة المحاصرة، التي كانت قد نفدت منها "أدوية أساسية مثل الأنسولين، ولا حتى مياه صالحة للشرب"، بحسب ما قاله كاهن بلدة دبل فادي فلفلي لوكالة رويترز.

بي بي سي المصدر: بي بي سي
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا