لم يكن اختيار بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر الجزائر لتكون أولى محطاته في القارة الإفريقية، التي يعيش في بلدانها نحو 20 بالمئة من كاثوليك العالم، محض صدفة. فالجزائر، حيث لا يتجاوز عدد الكاثوليك بضعة آلاف، لم تستضف من قبل أي زيارة بابوية، ما يضفي على هذه المحطة بعدا رمزيا خاصا.
ففي ديسمبر/كانون الأول الماضي وعقب انتهاء زيارته إلى تركيا و لبنان ، التي شكلت جولته الخارجية الأولى منذ توليه السدة البابوية في أيار/مايو 2025، أبدى البابا ليو الرابع عشر رغبته في زيارة الجزائر بهدف رؤية الأماكن التي عاش فيها القديس أوغسطينوس.
وفي هذا السياق، قال ميشال غيو، أسقف "أبرشية قسنطينة–هيبّون"، إن البابا ليو الرابع عشر وصف نفسه عند انتخابه في مايو/أيار 2025 بأنه "ابن للقديس أوغسطينوس ".
وفي مقابلة مع DW عربية، أضاف "لقد خلق هذا الارتباط الروحي شعورا بالألفة بين الجزائريين والأب الأقدس إلى جانب احترام عميق لهؤلاء البابوات الذين تحظى كلماتهم وأعمالهم الداعمة للسلام والعدالة بتقدير كبير لدى الشعب الجزائري، لما لها من فائدة تعود على الجميع، وليس فقط على العالم الكاثوليكي ".
ويُعد القديس أوغسطين أحد كبار مفكري المسيحية ، وهو منحدر من منطقة سوق أهراس في الجزائر الحالية.
وفي هذا الإطار، قال ماسيمو فاجيولي، أستاذ علم اللاهوت والدراسات الكنسية في كلية ترينيتي دبلن في أيرلندا، إنه "من المنتظر أن يُولي البابا اهتماما خاصا للقديس أوغسطين خلال زيارته إلى الجزائر".
وفي مقابلة مع DW عربية، أضاف فاجيولي الذي يتابع شؤون الفاتيكان، أن أوغسطين"عاش بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط، في شمال إفريقيا وإيطاليا، وكان همزة وصل بين عالمين مختلفين".
وُلد القديس أوغسطين عام 354 في المدينة القديمة طاغست، التي تُعرف اليوم بسوق أهراس، على بُعد نحو 100 كيلومتر جنوب عنابة. وأصبح عام 395 أسقفا لهيبّون (عنابة حاليا)، حيث كتب كتابه "الاعترافات" وتوفي هناك عام 430.
ينتمي البابا ليو الرابع عشر، واسمه روبرت فرانسيس بريفوست، إلى الرهبنة الأوغسطينية التي تأسست في القرن الثالث عشر وتقوم على مُثل الحياة الجماعية والمشاركة.
وفي هذا السياق، قال فاجيولي "سنرى كيف سيتحدث البابا عن أوغسطين في الجزائر. كان أوغسطين يحاول فهم ما يجب فعله كمسيحي في زمن انهيار إمبراطورية وهو وضع يشبه إلى حد ما وضعنا اليوم".
وخلال زيارة تستمر عشرة أيام، من 13 إلى 23 أبريل/نيسان، يقطع البابا ليو نحو 18 ألف كيلومتر لزيارة 11 مدينة وبلدة في الجزائر والكاميرون وأنغولا وغينيا الاستوائية، ضمن برنامج مكثف يشمل 18 رحلة جوية.
وفي الجزائر، سيتوجه البابا ليو إلى مدينة عنابة على الساحل الشمالي الشرقي، لزيارة أطلال مدينة هيبون القديمة، حيث كان القديس أوغسطينوس (354–430) أسقفا لها.
ومن المقرر أن تكون أول كلمة علنية للبابا في مقام الشهيد بأعالي العاصمة، قبل أن يلتقي كبار مسؤولي الدولة في مركز المؤتمرات بجامع الجزائر الكبير.
وقال رئيس أساقفة الجزائر، الكاردينال جان بول فيسكو، في تصريح لوكالة فرانس برس، إن البابا ليو الرابع عشر "يأتي إلى الجزائر لمواصلة بناء الجسور بين العالم المسيحي والعالم الإسلامي"، بحسب تعبيره.
ويُشار إلى أن البابا أكد مرارا رغبته في مواصلة بناء جسور التواصل بين العالمين المسيحي و الإسلامي .
من جانبه، قال ميشال غيو، أسقف "أبرشية قسنطينة–هيبّون"، إن اختيار منطقة البحر الأبيض المتوسط كمحطة في رحلة البابا ليو الرابع عشر ليس "بسبب قربها الجغرافي من روما، بل لأن هذه المنطقة، التي ترسخ فيها الإيمان المسيحي لأول مرة، تُعد نقطة التقاء بين الشمال والجنوب وبين العوالم اليهودية والمسيحية والإسلامية، وكذلك بين المسيحيين الكاثوليك و الأرثوذكس ".
وأضاف في مقابلته مع DW عربية أن "أوغسطينوس أصبح جسرا للعلاقات الإسلامية‑المسيحية في الجزائر، تماما كما تمثّل مريم، أم يسوع، جسرا مشابها في مختلف أنحاء العالم الإسلامي".
وتابع: "لقد أولى أوغسطينوس تفكيرا عميقا لسبل بناء السلام في العالم المضطرب خلال القرنين الرابع والخامس، ولا يزال حتى اليوم قادرا على إلهام البشر".
قال ميشال غيو، أسقف "أبرشية قسنطينة–هيبّون"، إن "أوغسطينوس أصبح جسرا للعلاقات الإسلامية-المسيحية في الجزائر".صورة من: Diocèse de Constantine et Hipponeوقال الكاردينال مايكل تشيرني، أحد كبار مسؤولي الفاتيكان والمستشار المقرب من البابا، لوكالة رويترز، إن الزيارة تهدف إلى "توجيه انتباه العالم نحو إفريقيا".
وأضاف تشيرني أنه "من خلال التوجّه إلى إفريقيا في هذه المرحلة المبكرة من حبريته، يُظهر البابا أن إفريقيا مهمة… ويريد ليو التأكد من أن إفريقيا لا تُنسى من قبل الدول والشعوب المنشغلة بشؤونها الخاصة".
وفي هذا السياق، قال ماسيمو فاجيولي، أستاذ علم اللاهوت والدراسات الكنسية، إن الجزائر "تكتسب أهمية خاصة اليوم لأنها تمثّل نموذجا لبلد تعيش فيه جماعة كاثوليكية صغيرة كأقلية وسط أغلبية كبيرة من غير المسيحيين".
وخلال زيارته التاريخية إلى الجزائر، سيصلي البابا على انفراد في كنيسة "شهداء الجزائر" التسعة عشر، وهم كهنة وراهبات قُتلوا خلال حقبة الحرب الأهلية المعروفة بــ "العشرية السوداء" (1992–2002)، ومن بينهم رهبان تيبحيرين، الذين لا يزال الغموض يكتنف ملابسات خطفهم وقتلهم عام 1996.
وقال فاجيولي إن الجزائر "عرفت خلال السنوات الماضية حربا أهلية سقط خلالها ضحايا من الكاثوليك والمسلمين معًا، وقبل ذلك خاضت حرب تحرير ضد الاستعمار الفرنسي. ولذلك تعكس الجزائر صورة الكاثوليكية وهي تحاول أن تعيش وتؤدي دورها في عالم ما بعد الاستعمار و العولمة".
تحرير: يوسف بوفيجلين
المصدر:
DW