في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
بيروت- في مكان يضج بالحركة ويضيق بنحو 1000 نازح في العاصمة بيروت، تنفتح فجأة غرفة بألوان هادئة تبعث شيئا من الطمأنينة. في وسطها، لوح تعليمي ومقاعد متقاربة يجلس عليها تلاميذ بأعمار صغيرة وسط كل هذا الصخب.
داخل مبنى اللعازارية -الذي تحوّل إلى مركز إيواء- افتُتحت "مدرسة اللعازارية" كما يحب أن يسميها مدير المركز أحمد صوفان، في محاولة بسيطة لإعادة شيء من الروتين اليومي إلى حياة التلاميذ.
والمدرسة بأكملها عبارة عن صف يتيم متواضع، وُلدت بما تيسّر من إمكانات محدودة، لكنّها تحمل معنى أكبر من حجمها، إذ تستمر خارج جدرانها وفي الغرف الملاصقة لها تفاصيل النزوح الثقيلة من ازدحام وقلق ونقص في الخدمات، فيما تحاول هذه المساحة الصغيرة أن تكون استراحة مؤقتة ومتنفسا.
"افتتحنا هذه المدرسة للمرة الثانية، ففي الحرب الماضية (حرب إسرائيل على إيران في يونيو/حزيران 2025) مررنا بالفكرة نفسها وكانت فعلا مجدية، والهدف الأول والأخير منها ضمان حق الأولاد في التعليم"، يشرح صوفان الغرض من المبادرة التي ستستمر حتى عودة التلاميذ إلى بيوتهم ومدارسهم الأساسية في المناطق التي تتعرض اليوم للقصف في الضاحية الجنوبية وفي جنوبي لبنان.
ومن جهتها، تلفت المسؤولة عن المدرسة المعلمة النازحة ردينا دندش إلى أن افتتاح هذا الصف تحدٍّ كبير، قائلة "نحاول مساعدة الأولاد على التأقلم مع أوضاع النزوح عبر تعزيز روح التعاون والتضامن والمساعدة، فضلا عن أن علينا إعطاء حيز كبير للشق النفسي المتعب لدى التلاميذ، وهذا ما نأمل فعله".
غالبية التلاميذ النازحين في الصفوف الخمسة الأولى، وقد جمع القائمون على المبادرة صفوف الروضات في صف واحد، بينما ستبدأ الدراسة في الصفوف الأول والثاني والثالث بعد العيد "في برنامج منظم يضمن عدم ضياع سنة دراسية عليهم"، كما تشير المعلمة ردينة دندش.
ولاقت هذه الخطوة ترحيبا بين أهالي الأولاد النازحين أيضا، إذ تشيد فاطمة حمية النازحة من منطقة المريجة في الضاحية الجنوبية بما يحصل في المركز، وتقول للجزيرة نت: "عوض أن يبقى أولادي الثلاثة في الخيمة أو في ساحة المبنى أثناء اليوم، باتوا الآن يقضون الوقت في هذه المدرسة الصغيرة، كما أن الدوامات التي تنتظم أكثر يوما بعد يوم تجبرهم على الاستيقاظ باكرا، وتاليا عدم التأخر في السهر ليلا".
بعد أيام من اندلاع الحرب في لبنان يوم 2 مارس/ آذار الحالي، وضعت وزارة التربية والتعليم العالي خطة على مرحلة أولى تنتهي بعد الأسبوع الأول من أبريل/نيسان المقبل تزامنا مع انتهاء عطلة عيد الفصح.
وتتضمن هذه الخطة عدة قرارات ومذكرات، أبرزها قرار يقضي بترك الحرية لمديري المدارس الخاصة بالتشاور مع أهالي التلاميذ، لتقدير ما إن كانت المنطقة التي تقع فيها المدرسة آمنة، ومن ثم أخذ قرار آلية التعليم المعتمدة أكان حضوريا أو عن بعد، أما في ما يخص القطاع العام فقد أبقت الوزارة على المدارس مقفلة واعتمدت التعليم عن بعد حصرا.
وسط هذا الواقع، وجد التلاميذ والمعلمون النازحون أنفسهم أمام خيار التعلم عن بعد، وهو أمر صعب المنال خصوصا لمن يوجد داخل مراكز الإيواء، بسبب ضعف الإمكانيات اللوجستية وعدم توفرها كالإنترنت، فضلا عن أن معظم الأولاد لا يملكون الأجهزة الإلكترونية اللازمة للتعلُّم.
وهذه الحالة ولّدت جدلا واسعا في الرأي العام اللبناني، إذ يعتبر البعض أنه كان على الوزارة اعتماد آلية واحدة للتعليم بكل أنحاء لبنان لضمان مبدأ المساواة بين التلاميذ اللبنانيين، بينما يرى آخرون أن التعليم يجب أن يستمر بأحسن طريقة ممكنة للتلاميذ في المناطق البعيدة كليا عن الأماكن المعرّضة للقصف كمناطق المحافظات التالية: جبل لبنان وعكار و طرابلس.
وتستقبل العاصمة بيروت عددا كبيرا من النازحين موزعين على أكثر من 60 مركزا، ويعد مركز "اللعازارية" من أكثر المباني استقبالا للنازحين، إذ يؤوي نحو 1000 نازح.
ويعد هذا المركز أساسا منشأة تجارية تضم عشرات المتاجر ولا يزال بعضها مفتوحا، وبعضها أقفل بسبب الأزمة الاقتصادية التي تفاقمت في عام 2020، فضلا عن أنه يضم عددا من المقار الرسمية أبرزها وزارة الاقتصاد والتجارة ووزارة البيئة، وكان قد افتُتح في الحرب الماضية التي توسعت نهاية سبتمبر/أيلول 2024 ووصلت قدرته الاستيعابية آنذاك إلى نحو 2500 نازح.
وتتفاقم الأزمة الإنسانية في لبنان بشكل متسارع، إذ أعلنت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) أن نحو 700 ألف فروا قسرا من منازلهم جرّاء القصف الإسرائيلي، مشيرة إلى أن من بين النازحين نحو 200 ألف طفل ومراهق يعيشون ظروفا قاسية.
ورغم تأكيد وزيرة الشؤون الاجتماعية اللبنانية حنين السيد -في حديثها للجزيرة- أن الوزارة تعمل على توفير متطلبات الإيواء للنازحين، فإنها لم تتمكن بعدُ من الوصول إلى جميع المتضررين، بسبب الاكتظاظ على الطرقات الذي يعرقل الوصول إلى مراكز الإيواء ويزيد من صعوبة تقديم المساعدات.
وكشفت أن وزارتها نجحت حتى الآن في تلبية احتياجات نحو 70% من النازحين، لكنها أكدت أن الموقف لا يزال يتطلب جهودا مضاعفة لتغطية كافة الحالات، خاصة في ظل استمرار تدفق النازحين من المناطق الجنوبية المتضررة.
ووفقا للتقرير اليومي الصادر عن وحدة إدارة مخاطر الكوارث في القصر الحكومي في 17 مارس/آذار الجاري، فقد ارتفع عدد مراكز الإيواء المفتوحة إلى 631 مركزا، تضم أكثر من 133 ألف نازح، يمثّلون نحو 33 ألف عائلة.
كما يشير التقرير إلى تزايد الخسائر البشرية منذ استئناف القصف الإسرائيلي على لبنان مطلع الشهر الحالي، الذي خلف 912 قتيلا و2221 مصابا، بينهم عشرات الأطفال والنساء.
"مدرسة اللعازارية" من الخارج (الجزيرة)
المعلمة ردينة دندش إلى جانب أحد الأولاد التلاميذ (الجزيرة)
تلميذة نازحة في الصف (الجزيرة)
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة