طهران- إثر الهجوم الجوي الذي أصاب مقر إقامتنا بالعاصمة طهران عشية اليوم التاسع من الهجوم الأميركي الإسرائيلي المشترك على إيران، اضررنا إلى النزوح مؤقتا إلى محافظة خوزستان بجنوب غربي البلاد، في رحلة برية استغرقت 12 ساعة كشفت عن صورة متناقضة بين حياة تتشبث بالاستمرار، وحرب لا تريد التوقف.
وبعد أن قضينا أكثر من ثلاث ساعات في طابور طويل للتزود بالوقود، إثر القصف الذي أصاب أربعة من خزانات الوقود في مدينتي طهران وكرج، انطلقنا صبيحة اليوم العاشر من الحرب باتجاه أقصى الجنوب الغربي للبلاد، فكان هذا اليوم الطويل شاهد عيان على سلام ظاهري على الطرق، وحرب تختبئ في التفاصيل.
ومنذ اللحظات الأولى للخروج من طهران حيث تلامس درجة الحرارة الصفر المئوي، يلفت الانتباه مشهدان متعارضان:
وبينما تظهر أحيانا حُفر أو أطلال مبانٍ مدمّرة شواهد صامتة على استمرار القصف الجوي، فإن تدفق الحياة على طول الطريق الممتد من شمال البلاد إلى جنوبها يحاول طمس هذه العلامات.
وفي بداية طريق طهران وقم السريع، كانت إحدى عربات دائرة الطرق منهمكة في تجديد خطوط المرور، وكأنها تؤكد للمغادرين أن قواعد البلد لا تتوقف حتى في زمن الحرب. يتكرر المشهد ذاته في نهاية الطريق حيث يستقبل فريق من شركة الكهرباء ب مدينة قم الزائرين باستبدال المصابيح التالفة وتحسين إضاءة الطريق.
وهذه المشاهد قد تكون اعتيادية في أي يوم لاسيما عشية عيد النيروز، لكنها تكتسب دلالة خاصة عندما يكون الهدف منها التأكيد على استمرارية الحياة تحت القصف وإعادة الشعور بالأمان للنازحين. إذ يقول أحد المارة "الناس تحتاج إلى النور، حتى في زمن الحرب. الظلام عدو آخر".
وعلى وقع دوي الانفجارات الناجمة عن القصف الأمريكي والإسرائيلي وهدير الصواريخ والمسيرات التي تطلقها إيران نحو إسرائيل، وكذلك "القواعد الأمريكية في الدول الجوار"، يطغى مشهد بصري آخر على طول الطريق؛ حيث عُلِّقت لافتات ضخمة على الجسور والمباني لتروي حكاية أخرى.
في مشهد يبدو فيه تناقض صارخ بين أجواء الحداد والتهنئة، تبرز لافتات سوداء تعزي بـ"استشهاد المرشد السابق آية الله علي خامنئي" خلال اليوم الأول من الهجوم، وأخرى ملونة تهنئ بـ"اختيار آية الله مجتبى خامنئي مرشدا ثالثا للجمهورية الإسلامية".
وفي الأجواء التي تجمع بين الحزن والاحتفال، وبين الموت والحياة، يقول الشاب "بارسا" (26 عاما) مازحا إن "الحرب لا توقف الدعاية، بل تجعلها أكثر إلحاحا"، وبعده يشير شيخ سبعيني بيده إلى صورة المرشد الجديد قائلا "أراد العدو طمس اسم خامنئي فإذا به يتربع على العرش شابا".
وبعد أن أخذنا استراحة قصيرة في مدينة قم، نواصل الرحلة إلى مدينة أراك الصناعية المشهورة بمفاعلها النووي للمياه الثقيلة، فتشخص أمامنا نقاط التفتيش الأمنية حيث تقف إلى جانب رجال الشرطة النظاميين عناصر أمنية ترتدي أقنعة سوداء، تمعن النظر في السيارات والركاب.
وعلى أنغام الأغنية الحماسية "اضرب، فأنت مُجيد الضرب.. تصرع الأسد بصولتك.. لا تخف من اصطفات مدمرات العدو.. فإنها -تجاه الأسد الجائع- بقرة مُقبلة"، وخلف حواجز إسمنتية، يُطلب من بعض السائقين إشهار أوراقهم الثبوتية، في حين ترافق القوات الأمنية بعض السيارات إلى حافة الطريق للتفتيش الدقيق. ويقول أحد الضباط مبررا "الوضع حساس.. نبحث عن مخربين.. نرجو تفهّم الظروف الحربية".
في المقابل، كانت نقاط تحصيل الرسوم على الطرق السريعة أكثر هدوءا من أي وقت مضى لكنها تواصل عملها بشكل اعتيادي، الأمر الذي يتسبب في امتعاض العديد من النازحين الذين يرون في مواصلة عمل أكشاشها استغلالا للظروف التي تمر بها البلاد، واستنزافا لأموالهم.
في منتصف الطريق، وبالقرب من مدينة خرم آباد، تظهر بقايا عدة صوامع كبيرة تعرضت للقصف، ولوحة على الأنقاض تشير إلى أن المكان تابع لوزارة الجهاد الزراعي يستخدم "لتخزين الحبوب وتوزيع المنتجات الزراعية".
توقفت عدة سيارات على جانب الطريق فتأمّل ركابها المشهد، وهزّ رجل رأسه أسى وقال بصوت منخفض إن "الحرب وصلت إلى مرحلة استهداف البنى التحتية والخدمات. ضرب مخازن الحبوب هنا، وتفجير خزانات الوقود هناك. هذا يعني أن العدو يضرب أمننا على الصعيد الغذائي والطاقة".
ولدى مرور عدد من الشاحنات التي كانت تنقل سيارات "سايبا" (الإيرانية الصنع) إلى المحافظات الجنوبية والغربية إذ لا يصعب معرفة وجهتها من لوحات ترخيصها، يقول أحد السائقين إنه على الرغم من هذه الظروف، فإن عجلة الاقتصاد لا تتوقف، فيرد عليه آخر بل إن المصانع تخشى استهداف منتجاتها فتسارع إلى إيصال البضائع إلى الزبائن قبل أن يصيبها القصف.
وعلى بعد أمتار، يعرض باعة متجولون محاصيلهم على جوانب الطريق، ويبدو سائقو شاحنات يحتسون الشاي، فتقول امرأة خمسينية "الحرب لا توقف الجوع"، ثم تبتسم وتضيف "الزبائن أقل مما كانوا، لكنهم لا يزالون يأتون".
وفي محطات الوقود، كان المشهد مختلفا عما شهدناه في طهران، سيارات قليلة تتزود بالوقود، وكأنه لا أحد يريد المجازفة بالتوقف طويلا بعد إصابة مجمع مماثل على طريق زنجان وقزوين بقصف قبل أيام، لكن على الطريق ذاته كانت مئات صهاريج الوقود تتجه من الجنوب نحو طهران لتعويض النقص.
وعقب انتشار صور لصهاريج قُصفت قبل أيام، أصبح من الواضح أن السائقين يتعاملون بحذر شديد مع هذه الشاحنات العملاقة؛ إذ يتجاوزونها بسرعة أو يبقون خلفها بمسافة آمنة، متجنبين الاقتراب منها قدر الإمكان في مشهد يدل على أن الخطر أصبح ملموسا حتى خارج المدن.
المجمعات التجارية والمطاعم الممتدة على الطريق تقاوم آثار الحرب وتعمل بصورة شبه اعتيادية (الجزيرة)ورغم انتشار مثل هذه الأنباء، فإن المجمعات التجارية والمطاعم الممتدة على الطريق كانت مفتوحة، ومزدحمة أحيانا: عائلات تتناول طعامها، وأخرى تتوقف من أجل إقامة الصلاة، وأطفال يلعبون هنا وهناك وأمهات يراقبنهم بقلق، في بلد يعيش حربا لكنه يرفض أن يوقف نبضه.
وبعد ساعات طويلة، وصلنا إلى ضواحي مدينة الأهواز، إلى قرية نائية تبتعد عن الثكنات وكل أشكال القواعد والمقرات العسكرية والأمنية، فتبدو الحياة فيها هادئة. في حين يظل سؤال يلح على الذهن: إلى متى يمكن لهذا البلد أن يواصل حياته وكأن شيئا لم يحدث، بينما صواريخ عدوه لا تزال تبحث عن أهداف جديدة؟
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة