آخر الأخبار

التجويع خطة حرب.. أدلة جديدة على إستراتيجية الدعم السريع في دارفور

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

انتهجت قوات الدعم السريع في السودان إستراتيجية للتجويع طويلة الأمد من أجل الوصول لأهدافها في الحرب المشتعلة في ولايات دارفور الخمس منذ 2003 وقتلت وشردت مئات الآلاف من قراهم ومناطقهم.

ورد ذلك في تقرير نشرته صحيفة غارديان البريطانية وأعده كامل أحمد، وهو صحفي بريطاني يعمل مراسلا في قسم التنمية العالمية بصحيفة غارديان، وأليكس كلارك، وهو صحفي يعمل بالصحيفة نفسها ويختص بالصحافة التفاعلية وتحليل البيانات والرسوم البيانية.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 بيروت نازحة وغزة جائعة ثمن آخر لحرب إيران
* list 2 of 2 حرب إيران تربك أمريكا.. انقسامات في الكونغرس ومعسكر ترمب والشارع end of list

أورد التقرير تأكيدات من خبراء بأن بيانات أجهزة الاستشعار والأقمار الصناعية تكشف أن الهجمات الموجهة على المجتمعات الزراعية من قبل قوات الدعم السريع كانت تهدف إلى منع القرى من إنتاج الغذاء.

أحرقوا كل شيء

واستشهد التقرير بما حل بقرية "عمار جديد"، في دارفور بالسودان. فالحقول المحيطة بها كانت في السابق تُطعم منطقة كاملة، ثم جاء المسلحون وأحرقوا كل شيء.

بين مارس/آذار ويونيو/حزيران 2024، يقول التقرير إن قوات الدعم السريع هاجمت القرية 7 مرات. وتشير أدلة جديدة إلى أن هذه الهجمات كانت محسوبة لتدمير النظام الغذائي في المنطقة، مما دفع خبراء إلى المطالبة باعتبارها "جريمة حرب" تهدف إلى تجويع المدنيين، مع التحذير من إمكانية تكرارها مرة أخرى.

وكانت عائلات "عمار جديد" تعيش من مزارعها، حيث تزرع محاصيل أساسية مثل الذرة والدخن التي كانت تُطعمهم وتطعم مدينة الفاشر التي تبعد حوالي 32 كيلومترا.

لكن منذ العقد الأول من الألفية، وفقا للتقرير، واجهت تلك العائلات عنفا من الجنجويد، وهي مليشيا من "مجتمعات رعاة عربية" تنافس المجتمعات الزراعية غير العربية على الأراضي، وقتلت نحو 300 ألف شخص في هجمات مدعومة من الحكومة.

وجهت أنظارها إلى الفاشر

ويذكر التقرير أن العنف لم يتوقف قط ومع ذلك بقي المجتمع واستمر في الحصاد.

ودعم الصحفيان التقرير بصور لـ"عمار جديد" بحلول صيف 2024. فالأرض التي كانت تقوم عليها منازل السكان أصبحت سوداء ومحروقة ومليئة بآثار النيران، أما الأراضي الزراعية فقد جفّت بعد أن هُجرت.

إعلان

في ذلك الصيف كانت قوات الدعم السريع تسيطر على معظم دارفور ووجهت أنظارها إلى الفاشر.

وحدد باحثون في "مختبر الأبحاث الإنسانية" بجامعة ييل 41 مجتمعا زراعيا في المنطقة تعرضت للهجوم بين مارس/آذار ويونيو/حزيران 202 كخطة، حسب رأي الخبراء، لتدمير سلسلة الإمداد الغذائي المحلية قبل حصار مدينة الفاشر القريبة، الذي بدأ في نهاية أبريل/نيسان 2024 وانتهى بعد 18 شهرا في أكتوبر/تشرين الأول 2025. وقد نجحت هذه الإستراتيجية.

تخلى السكان عن قراهم التي صمدت رغم عقود من التوتر مع المجتمعات الرعوية، وتوقف النشاط الزراعي.

توقف النشاط الزراعي

بحلول سبتمبر/أيلول 2024، تم تخلي السكان عن قراهم التي صمدت رغم عقود من التوتر مع المجتمعات الرعوية، وتوقف النشاط الزراعي. وتُظهر صور الأقمار الصناعية أن النباتات الخضراء نمت بشكل عشوائي فوق المنازل والأراضي الزراعية المهجورة.

وبحسب رأي الخبراء الذين تحدثوا إلى صحيفة غارديان، فإن التكتيكات المستخدمة هنا ضد المزارعين تشير إلى أن قوات الدعم السريع ارتكبت جريمة حرب: إذ استخدمت التجويع كوسيلة من وسائل الحرب ضد سكان كان الجوع يتزايد بينهم بالفعل، وكان سيُعلن بعد فترة قصيرة أنهم يعانون من مجاعة.

مصدر الصورة مخيم زمزم أكبر مخيمات النازحين بالسودان (مواقع التواصل)

جريمة حرب

ويجادل خبراء قانونيون في تحليل جديد نُشر أمس الثلاثاء 10 مارس/آذار بأن هناك أدلة قوية على أن قوات الدعم السريع ارتكبت جريمة حرب من خلال حرمان سكان شمال دارفور من وسائل إنتاج الغذاء، داعين إلى استخدام ما كشفه "مختبر الأبحاث الإنسانية" كأدلة أمام المحاكم الدولية.

ونقلت غارديان عن توم داننباوم، أستاذ في كلية الحقوق بجامعة ستانفورد وخبير بارز في استخدام التجويع في الحروب، القول إن تدمير القرى والمعدات الزراعية والبنية التحتية كلها توفر أدلة قوية على وجود "إستراتيجية تجويع" ضد سكان كانوا يعانون أصلا من انعدام الأمن الغذائي بسبب الحرب.

ويضيف داننباوم، الذي شارك في كتابة التحليل إلى جانب أونا هاثاواي، أستاذة القانون في كلية الحقوق بجامعة ييل: "كان الناس على حافة المجاعة، وكانت الأشياء الضرورية لبقائهم تُدمَّر".

ويقول داننباوم إن الأمر لم يكن مجرد مهاجمة القرى، بل إن التدمير المتعمد لحظائر الماشية، إلى جانب التهجير القسري للمزارعين، هو ما أدى إلى انخفاض النشاط الزراعي، وهو ما يشير إلى محاولة متعمدة لمنع القرى من القدرة على إنتاج الغذاء.

داننباوم وهاثاواي يريان أن أبحاث "مختبر الأبحاث الإنسانية" تمثل اختراقا في محاولات إثبات فرض إستراتيجية التجويع، بسبب الطريقة التي تستخدم بها تقنيات الاستشعار عن بعد

اختراق

ويرى داننباوم وهاثاواي أن أبحاث "مختبر الأبحاث الإنسانية" تمثل اختراقا في محاولات إثبات فرض إستراتيجية التجويع، بسبب الطريقة التي تُستخدم بها تقنيات الاستشعار عن بعد. كما يعتقدان أن هناك إمكانية لاستخدام التقنيات نفسها للتحقيق في جرائم حرب في أماكن مثل غزة وإثيوبيا.

وتقول هاثاواي: إنه "دليل على قسوة استثنائية وعلى الأهوال الحقيقية التي كان الناس يواجهونها". وتضيف: "يقدم التقرير مستوى فريدا من التحليل الدقيق عبر الزمن يوثق بالضبط ما الذي تم استهدافه، متجاوزا بكثير معرفتنا العامة بالقتال.. وهو بمستوى يمكن تقديمه إلى المحكمة من أجل الملاحقة الجنائية".

وكانت المحكمة الجنائية الدولية تحقق في جرائم إبادة جماعية في دارفور منذ العقد الأول من الألفية، وقد دعت إلى تقديم أدلة تتعلق بالعنف الأخير، بما في ذلك السيطرة على الجنينة في غرب دارفور في يونيو/حزيران 2023، عندما فرض مقاتلو قوات الدعم السريع حصارا استمر عدة أشهر وأسفر عن مقتل عشرات الآلاف وتهجير مئات الآلاف من أبناء مجتمع المساليت.

إعلان

إبادة جماعية

كما يوثق مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة انتهاكات الحقوق طوال فترة الحرب، وقد نشر الشهر الماضي تقريرا قال فيه إن هجوم قوات الدعم السريع على الفاشر العام الماضي يحمل "سمات الإبادة الجماعية"، بما في ذلك حصار فرض ظروفا صُممت لتدمير المجتمعات غير العربية، بما في ذلك الزغاوة والفور.

كما جرت أيضا تحقيقات بشأن "الهجوم الإبادي" على مخيم زمزم في أبريل/نيسان 2025، والذي كان في ذلك الوقت أكبر مخيم للنازحين في السودان، إذ كان يؤوي نحو 700 ألف شخص جنوب مدينة الفاشر مباشرة.

واستخدم باحثو مختبر الأبحاث الإنسانية أجهزة استشعار يمكنها رصد وجود الحرائق عن بُعد، إلى جانب صور الأقمار الصناعية لمراقبة مواقع الهجمات على هذه القرى الـ41، حيث وجدوا أن عدد الحرائق ارتفع بنسبة تتراوح بين 20% و40% خلال الفترة التي تمت دراستها.

شهادة أحد المدرسين

وتعرض رُبع هذه القرى للهجوم أكثر من مرة، وبعد الهجمات لا تظهر على 68% منها أي علامات على عودة الحياة الطبيعية. كما وجد الباحثون أن مركبات تتوافق مع تلك التي تستخدمها قوات الدعم السريع يمكن رصدها بالقرب من مواقع أعمال العنف.

وكان ياسر عبد اللطيف، وهو معلم من قرية جغمار التي تبعد 3 كيلومترات جنوب "عمار جديد"، من بين أولئك الذين لم يتمكنوا من العودة إلى ديارهم.

فقبل الحرب كان يدّرس في الفاشر، لكنه عاد إلى قريته لمساعدة عائلته في الزراعة وانتظار انتهاء القتال.

وكان رجال على ظهور الجمال يأتون كثيرا لمهاجمة القرية، ولم يكونوا بعيدين عن رجال مسلحين على شاحنات كانوا موجودين دائما لترهيب أي شخص يفكر في المقاومة.

ثم في أحد أيام مارس/آذار 2024 تصاعد الوضع. حيث رأى عبد اللطيف الدخان يتصاعد من القرى المجاورة، ووصلت تقارير تفيد بأن سكان عمار جديد قد فروا. وبحلول بعد الظهر وصل مقاتلو الدعم السريع إلى جغمار.

ويضيف عبد اللطيف: "سمعنا طلقات نارية وبدأ الجميع يركضون، ولم يفهم أحد ما الذي كان يحدث".

ورأى عبد اللطيف المقاتلين يقتلون شخصين، أحدهما حاول الدفاع عن منزله، والآخر كان يركض بحثا عن عائلته. واستمرت الغارة حتى غروب الشمس عندما انتقل المهاجمون إلى القرية التالية.

لكنهم عادوا لاحقا في تلك الليلة بينما كان القرويون يدفنون قتلاهم، وأجبروهم على الفرار إلى قرية غولو، حيث كان النازحون من عمار جديد ومجتمعات قريبة أخرى يتجمعون بالفعل.

ويقول عبد اللطيف: "في اليوم التالي بدؤوا بحرق عمار جديد وجغمار والعديد من القرى".

تخطيط متعمد

بدأت الهجمات على القرى قبل أشهر فقط من حصار الفاشر. ويعتقد باحثو مختبر الأبحاث الإنسانية أن ذلك كان جزءا من خطة لقطع المدينة عن المناطق التي كانت تزودها بالغذاء.

ونقل التقرير عن ناثانييل ريموند، المدير التنفيذي للمختبر، قوله "لقد اقتلعوا سلة غذاء الفاشر كإستراتيجية متعمدة لتجويع المدينة".

وخلال الحصار الذي استمر 18 شهرا على الفاشر، منعت قوات الدعم السريع دخول الغذاء والمياه والأدوية إلى المدينة، كما أنشأت سدا ترابيا بطول لا يقل عن 31 كيلومترا لمنع المدنيين جسديا من مغادرتها.

وخلال الحرب فرضت قوات الدعم السريع حصارات طويلة على مدن تضم مجتمعات غير عربية كبيرة مثل الجنينة والفاشر، قبل السيطرة عليها عسكريا.

استمرار أساليب الحصار

وتسيطر قوات الدعم السريع الآن على جميع المدن الرئيسية في دارفور، لكن استخدامها لأساليب الحصار استمر أيضا في قتالها ضد الجيش السوداني في مناطق أخرى، وقد تركزت المعارك مؤخرا في إقليم كردفان المجاور.

وكما هو الحال في دارفور، فإن كردفان غنية بالموارد، إذ تضم إمدادات من الذهب والنفط والصمغ العربي، وهو مكوّن رئيسي في مستحضرات التجميل والمشروبات الغازية، حيث يوفر السودان 80% من الإمدادات العالمية منه. كما تقع فيها مدينة كادوقلي التي أُعلن، إلى جانب الفاشر، أنها تعاني من المجاعة، حيث ارتفعت أسعار الأغذية الأساسية مثل الذرة الرفيعة بنسبة 1000% مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب.

كردفان والنيل الأزرق

وفي فبراير/شباط الماضي، أعلن الجيش السوداني أنه فك الحصار عن كادوقلي الذي كان يمنع وصول شاحنات المساعدات، لكن العنف استمر، ولا تزال هناك مخاوف من أن تحاول قوات الدعم السريع إعادة فرض ظروف الحصار.

إعلان

ففي 20 فبراير/شباط، تعرضت قافلة من شاحنات المساعدات كانت تنتظر لأسابيع للوصول إلى المدينة لضربة بطائرة مسيّرة، مما أسفر عن مقتل 4 أشخاص.

كما يتزايد الجوع في ولاية النيل الأزرق جنوب شرق السودان، حيث لم يتمكن المزارعون من الوصول إلى أراضيهم بسبب هجمات قوات الدعم السريع، مما ترك المحاصيل دون حصاد، بحسب مجموعة الحملة "آفاز"، التي أفادت بأن سعر الدقيق ارتفع بنسبة 43% في يناير/كانون الثاني.

يمكن أن يحدث في أماكن أخرى

ويقول ريموند إن عمل مختبر الأبحاث الإنسانية يُعد دليلا على أن قوات الدعم السريع تستخدم التجويع كوسيلة من وسائل الحرب، وأنه ما لم يتم التحقيق معها ومحاسبتها، فإن مجتمعات أخرى ستواجه المصير نفسه.

ويضيف: "هذا التقرير دليل كمي على نية قوات الدعم السريع بمنع من تعتبرهم أعداء من القدرة على إطعام أنفسهم. وما يعنيه هذا بالنسبة للسودان واضح: ما حدث هنا يمكن أن يحدث مرة أخرى".

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا