مرّ إقرار مجلس النواب التمديد لولايته سنتين إضافيتين بهدوء لافت، خلافًا للانطباع الذي ساد منذ نهاية العام الماضي، حين بدأ الحديث يتصاعد عن مساعٍ لتأجيل الانتخابات. يومها، بدا واضحًا أنّ معظم القوى السياسية كانت تدعو علنًا إلى إجراء الاستحقاق، لكنها تعمل ضمنًا على إسقاطه، وهو ما عكسته لعبة تقاذف المسؤوليات بين الأطراف، بحيث حاول كلّ فريق أن يظهر بمظهر الحريص على الانتخابات، ملقيًا التعطيل على الآخرين.
لكنّ هذا المشهد تبدّل فجأة. اختفت الهواجس المعلنة، وتوقّف تبادل الاتهامات، واتّفق المتخاصمون تحت ضغط الحرب وغطاء "القوة
القاهرة " على التمديد للمجلس لسنتين كاملتين، أي نصف ولاية نيابية إضافية. وقد استندت الغالبية النيابية إلى النزوح الواسع وغياب الاستقرار، خصوصًا في الجنوب، لتبرير القرار باعتباره حماية لشمولية التمثيل الوطني، من دون أن تربطه حتى بسقف زمني واضح أو بموعد تقريبي لانتهاء الحرب، ما جعله مفتوحًا على كلّ الاحتمالات.
صحيح أنّ أحدًا لا يستطيع التقليل من ثقل الواقع الأمني، في ظلّ الحرب المفتوحة وما خلّفته من نزوح واسع واضطرابات، فضلًا عن الشكوك الجدّية حول القدرة على تنظيم الاستحقاق. لكنّ الصحيح أيضًا أنّ العامل الأمني، على أهميته، لا يكفي وحده لتفسير ما جرى. فهل فرضت الحرب فعلًا هذا الخيار بوصفه مخرجًا وحيدًا، أم أنّها وفّرت الغطاء المناسب لقرار كانت قوى كثيرة تحتاج إليه أصلًا؟ وهل تحوّل الخطر الأمني إلى فرصة لإعادة تثبيت التوازنات نفسها وتمديد عمر مجلس تآكلت شرعيته السياسية والشعبية؟
الحرب كغطاء دستوري وسياسي
في الأصل، لم يكن قرار التمديد مفاجئًا بالكامل. فهو كان حاضرًا في الكواليس منذ أشهر، حتى عندما كان الرؤساء الثلاثة يجزمون بأنّ الانتخابات ستُجرى في موعدها، وكان
النقاش العام يدور حول كيفية إنجاز الاستحقاق لا حول دفنه. لذلك، أعاد ما حصل فتح النقاش حول حدود "الضرورة" التي تبيح المحظورات الدستورية، وحول ما إذا كانت القوى السياسية قد استسلمت فعلًا لواقع أمني قاهر، أم أنّها استثمرت فيه لتجنّب اختبار صناديق الاقتراع.
على الورق، تبدو حجّة "القوة القاهرة" قابلة للتسويق. فالبلد يعيش حربًا فعلية، والحدود الجنوبية ليست وحدها المشتعلة، فيما يجعل النزوح الواسع والتوتّر الأمني والانقسام الداخلي من أي استحقاق انتخابي مهمّة شديدة التعقيد. وبالنسبة إلى قوى تواجه تراجعًا في شعبيتها أو ضغوطًا سياسية واجتماعية متزايدة، بدا هذا الواقع مخرجًا قانونيًا وسياسيًا مناسبًا لتأجيل المواجهة مع الناخبين، ولا سيما مع صعوبة تأمين مراكز اقتراع آمنة في مناطق واسعة.
غير أنّ هذا التبرير يصطدم بواقع سياسي آخر. فالتمديد لم يأتِ في نهاية مسار استُنفدت فيه البدائل كلها، ولم يكن ثمرة نقاش جدّي في حلول استثنائية تضمن حقّ الناس في الاقتراع على رغم الظروف القاهرة. على العكس، توحي الوقائع التي سبقته بأنّ جزءًا كبيرًا من الطبقة السياسية لم يكن متحمّسًا أصلًا لخوض الانتخابات، حتى قبل أن تبلغ الحرب هذا المستوى من التصعيد. ومن هنا، يصبح السؤال مشروعًا: هل كان الأمن سببًا حقيقيًا وحيدًا للتأجيل، أم أنّه تحوّل إلى مظلّة مناسبة لهروبٍ سياسي إلى الأمام؟
هروب من اختبار الصناديق
من هذه الزاوية، يصعب اختزال قرار التمديد في كونه استجابة اضطرارية لحرب تضغط على البلاد. فهو بدا أيضًا إعلانًا سياسيًا واضحًا بأنّ السلطة، عندما توضع تحت الضغط، تلجأ إلى الوسيلة التي خبرتها مرارًا: التأجيل بدل المواجهة. بذلك، لم يعد التمديد مجرّد تعبير عن عجز الدولة، بل صار خيارًا واعيًا لتأجيل لحظة المحاسبة الشعبية.
هنا تكمن المفارقة الأخطر. فبدلًا من أن تكون الانتخابات وسيلة لإعادة تكوين السلطة على قاعدة الوقائع الجديدة التي فرضتها الحرب والأزمة الاقتصادية والانهيار الاجتماعي، تحوّلت هذه الوقائع نفسها إلى أداة لحماية السلطة القائمة. وبذلك، نجحت القوى الممسكة بالنظام في تحويل التهديد الأمني من عامل ضغط عليها إلى فرصة لتثبيت بقائها، مستفيدة من الانشغال الإقليمي والدولي بملفات الحرب الكبرى، ومن تراجع القدرة الداخلية على فرض نقاش جدّي حول البدائل الدستورية والسياسية.
قد يكون من المبكر الحديث عن رابحين وخاسرين بالمعنى الانتخابي المباشر، لكنّ الصورة السياسية تبدو واضحة بما يكفي. فالرهان لم يكن على إصلاح النظام أو تطويره، بل على حماية التوازن القائم ومنع أي تبدّل محتمل في الخريطة النيابية. وقد منح التمديد القوى التقليدية وقتًا إضافيًا ثمينًا، وأعفاها من اختبار شعبي كان يمكن أن يكون قاسيًا في لحظة تتداخل فيها تداعيات الحرب مع الانهيار الاقتصادي والاحتقان الاجتماعي وفقدان الثقة بالسلطة.
حين تتحوّل الضرورة إلى أداة لحماية السلطة
في هذا المعنى، اختار النظام السياسي ما يراه "أهون الشرّين": تعليق الاستحقاق بدل المخاطرة بإجرائه في ظروف مضطربة. لكنّ هذا الخيار، مهما بدا عمليًا من وجهة نظر السلطة، يطرح مشكلة أعمق تتعلّق بطبيعة النظام نفسه. فالدول تُختبر في قدرتها على صون قواعدها الدستورية في الأزمات، لا في سرعة تعليقها عند أول منعطف كبير. وعندما يصبح الاستثناء قاعدة، وتتحوّل "الضرورة" إلى آلية ثابتة لإدارة المأزق، يغدو الخلل سياسيًا وبنيويًا، لا تقنيًا أو ظرفيًا فقط.
لهذا، تبدو خطورة التمديد أبعد من مجرد تأجيل انتخابات. فهو يكرّس منطق إدارة الأزمة بدلًا من معالجتها، ويؤكد أنّ السلطة لا تزال تلجأ إلى حماية نفسها قبل حماية المسار
الديمقراطي . وهي التي لطالما تحدّثت عن الانتظام الدستوري والاستقرار المؤسساتي، قدّمت في لحظة الاختبار نموذجًا معاكسًا تمامًا: لم تبحث عن حلول مبتكرة تتيح للناس ممارسة حقّهم في الاقتراع ضمن ظروف استثنائية، بل ذهبت إلى الخيار الأسهل سياسيًا والأثقل ديمقراطيًا.
في المحصّلة، قد تكون الحرب فرضت وقائع قاسية فعلًا، وقد يكون إجراء الانتخابات في موعدها شبه مستحيل من الناحية العملية، لكنّ ذلك لا يلغي حقيقة أساسية، وهي أن السلطة لم تتعامل مع الحرب بوصفها أزمة ينبغي الحدّ من آثارها على الحياة الدستورية، بل بوصفها فرصة لتعليق الاستحقاق وحماية التوازنات القائمة.
ومن هنا، لا يعود السؤال محصورًا بشرعية التمديد في ذاته، بل يمتدّ إلى قدرة هذه السلطة "الممدَّدة" على معالجة الأزمات الكبرى بعيدًا عن منطق المحاصصة، وإلى ما إذا كانت السنتان المقبلتان ستنتجان حلولًا حقيقية، أم ستكونان مجرّد وقت مستقطع في انتظار تسويات إقليمية ترسم ملامح المرحلة المقبلة في لبنان .