يرسم الكاتب الإسرائيلي جدعون ليفي لوحة دامية لما جرى في جنوب قطاع غزة، مستخدما صورة صادمة لسقوط حصان في موقع قصف إسرائيلي بمنطقة المواصي كنقطة انطلاق لنقد الحرب برمّتها.
ففي مقاله الأخير، لا يتعامل ليفي مع الحصان بوصفه تفصيلا عابرا، بل يحوله إلى رمز لمعاناة تتجاوز البشر لتطال كل أشكال الحياة في غزة، حيث يؤكد أن الحيوانات، كما البشر، تدفع ثمن الجوع والحصار والعمل القسري، وتموت تحت القصف بلا ذنب.
ينتقل المقال إلى مشاهد أكثر فظاعة من قلب القطاع، حيث يصف صورا اعتاد العالم رؤيتها لكن من دون أن تفقد قدرتها على إحداث الصدمة.. أجساد ممزقة، أطفال مشوهون تجرى لهم محاولات إنعاش يائسة، نساء يصرخن فوق جثث أحبتهن، وأشلاء ملقاة على الأرض وسط صمت دولي ثقيل. ويشير ليفي إلى أن هذه المشاهد وقعت رغم تداول الحديث عن "وقف إطلاق نار"، معتبرا أن سكان غزة خدعوا مرتين، حين صدقوا الهدنة، وحين أُبلغوا أنهم في "مناطق آمنة".
ويخصص الكاتب حيزا لانتقاد الرواية الرسمية الإسرائيلية، ساخرا من توصيف ضحايا القصف، وبينهم أطفال ونساء، بأنهم "بنى تحتية إرهابية". ويشدد على أن يوم القصف الذي يصفه يعد من أكثر الأيام دموية منذ سريان وقف إطلاق النار، مستشهدا بأرقام وزارة الصحة في غزة حول أعداد القتلى، والتي باتت حتى المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تأخذها على محمل الجد، ومع ذلك "لا يبدو أنهم اكتفوا بحمام الدم".
ويرفض ليفي تبرير الغارات باعتبارها ردا على خرق من جانب حركة حماس، معتبرا أن من الوقاحة التحدث عن خرق وقف النار بعد مقتل مئات الفلسطينيين، وأن قتل المزيد من المدنيين لا يمكن أن يقدم كفعل مشروع تحت أي ذريعة. كما يلفت إلى التزامن اللافت بين موجة القصف الدامي وبين الاستعدادات لفتح معبر رفح، الذي كان من المفترض أن يشكل بداية مرحلة جديدة، ليطرح تساؤلا ساخرا: أي "بداية جديدة" تصنع على أنقاض الجثث؟.
ويذهب المقال أبعد من توصيف الميدان، ليقدم قراءة سياسية حادة، إذ يرى ليفي أن إسرائيل لا تسعى فقط للانتقام أو لإشباع "نزعة الدم" التي تفجرت بعد 7 أكتوبر، بل تعمل أيضا على إفشال أي مسار سياسي، بما في ذلك الخطة التي يروج لها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وينقل عن تحليلات داخلية إسرائيلية أن الحكومة تراهن على فشل هذه الخطة، على أمل الحصول لاحقا على ضوء أخضر أمريكي للعودة إلى احتلال القطاع بالكامل.
ويعتبر ليفي أن الحرب التي كان من المفترض أن تنتهي مع استعادة آخر الأسرى تحولت إلى أطول وأفشل الحروب في تاريخ إسرائيل، حرب لم تحقق سوى إعادة الأسرى وإشباع نزعة العقاب، بينما راكمت خسائر أخلاقية وسياسية واستراتيجية هائلة. ويؤكد أن إسرائيل اليوم، داخليا ودوليا، في وضع أسوأ بكثير مما كانت عليه قبل الحرب، ومع ذلك فإن شريحة واسعة من المجتمع الإسرائيلي لا تبدو معترضة على "جولة جديدة" من القتل، في مشهد يصفه الكاتب بمرارة شديدة.
ويختم ليفي مقاله بصورة رمزية لافتة، خبر عاجل عن القتل في غزة يتجاور، في وكالة أنباء دولية، مع إعلان تجاري إسرائيلي فاخر عن "جاكوزي وبرك استجمام"، في مفارقة تختزل صورة إسرائيل عام 2026 وهي دولة تمارس حربا بلا نهاية، وتواصل حياتها الاستهلاكية كأن شيئا لم يكن.
المصدر: هآرتس
المصدر:
روسيا اليوم
مصدر الصورة