لا يبدو أن دخول المدمرة الأميركية DELBERT D. BLACK إلى ميناء إيلات، مجرد زيارة عسكرية روتينية، رغم تأكيدات رسمية بأنها نشاط مخطط له مسبقا في إطار التعاون بين الجيش الإسرائيلي والجيش الأميركي، وفق ما أكدت مصادر عسكرية لـ”الحرة”.
المدمرة، من طراز Arleigh Burke، مزودة بنظام AEGIS للرصد والدفاع الصاروخي، وبقدرات هجومية تشمل صواريخ توماهوك، وقد وصلت إلى البحر الأحمر بعد انتشار في المتوسط وعبور قناة السويس، لتنضم إلى الأسطول الخامس الأميركي التابع لقيادة المنطقة الوسطى وفق ما ذكرت القناة 12 الاسرائيلية.
في التوقيت، يصعب فصل هذا الحضور العسكري عن سياق إقليمي مشحون بالتصعيد مع إيران، وعن مرحلة توصف في إسرائيل بأنها من أكثر اللحظات حساسية منذ سنوات. فوجود قطعة بحرية بهذا الحجم والقدرات في أقصى جنوب إسرائيل لا يمكن النظر إليه من زاوية التعاون الدفاعي وحسب، بل كجزء من معادلة ردع أوسع.
وفي واشنطن قال مسؤول رفيع في وزارة الخارجية الأميركية لـ”الحرة” إنّه رغم عدم وجود تفويض واضح من الكونغرس لتوجيه ضربة عسكرية لإيران، فإن “جميع الخيارات مطروحة”، بما في ذلك تبنّي إطار مكافحة الإرهاب لتبرير الضربة، على غرار المنطق القانوني الذي استُخدم في العملية التي استهدفت قائد فيلق القدس الإيراني السابق قاسم سليماني عام 2020.
وفي قراءة خاصة لـ”الحرة”، رأى دان ديكير، رئيس مركز القدس للشؤون الخارجية والأمن، أن دلالات وصول المدمرة لا يمكن فهمها بمعزل عن طبيعة التنسيق العميق بين إسرائيل والولايات المتحدة. وبرأيه، فإن عدم رفع مستوى الجهوزية المدنية داخل إسرائيل لا يعكس حالة اطمئنان، بل يشير إلى اعتماد المؤسسة الأمنية على تقديرات استخبارية دقيقة، في مقدمتها تفوق إسرائيل في مجال الاستخبارات البشرية المتعلقة بالملف الإيراني، وهو ما يمنح صناع القرار هامش حركة أوسع من دون اللجوء إلى خطوات علنية قد تُفسَّر كتصعيد مباشر.
في هذا السياق، جاء أيضا اللقاء الذي عُقد السبت الماضي في إسرائيل بين رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زمير وقائد القيادة المركزية الأميركية CENTCOM، الأدميرال براد كوبر. اللقاء، شمل جلسة مطولة ومشاركة كبار الضباط.
ديكير شدد على أن التعاون بين واشنطن وتل أبيب في الملف الإيراني يقوم على شراكة استخبارية عميقة، تتجاوز البعد العسكري إلى فهم آليات عمل النظام في طهران من الداخل. وقال لـ”الحرة” إن إسرائيل تمتلك “أكثر منظومة استخبارات بشرية تطورا في ما يتعلق بإيران، ليس في الشرق الأوسط فقط، بل على المستوى الدولي”، مضيفًا أن هذا التفوق الاستخباري يمنحها قدرة فريدة على قراءة السلوك الإيراني السياسي والأمني، وليس فقط تقدير قدراته العسكرية.
وأوضح ديكير أن الولايات المتحدة “تعتمد بشكل كبير على التقديرات الإسرائيلية، وعلى فهم إسرائيل العميق للثقافة السياسية الإيرانية وطريقة تفكير النظام”، معتبرا أن هذه المعطيات تشكل عنصرا مركزيا في بلورة القرار الأميركي تجاه طهران، سواء في المسار الدبلوماسي أو في الخيارات العسكرية المطروحة.
وفي هذا السياق، رأى ديكير أن عدم رفع مستوى الجهوزية المدنية داخل إسرائيل لا يعكس بالضرورة حالة هدوء، بل هو نتاج تقديرات استخبارية دقيقة. وقال: “عدم تغيير تعليمات الجبهة الداخلية لا يعني أننا أمام تهدئة، بل يشير إلى أن إسرائيل تعرف ما يجري في الطرف الآخر، وتتابع التطورات عن قرب، وقادرة على الرد في الوقت المناسب”.
وأضاف أن المنطقة تقف، وفق تقديره، “قريبًا جدًا من نقطة حسم” في مواجهة نظام إيراني “لا يشكل تهديدًا لإسرائيل وحدها، بل للشرق الأوسط وللغرب بأكمله”.
وفي المقابل، أشار إلى تصاعد الضغوط الإقليمية، ولا سيما من دول خليجية، لتفادي ضربة عسكرية واسعة، محذرًا من أن هذه الدول تخشى أن يؤدي أي تصعيد مفتوح إلى “مواجهة إقليمية شاملة يصعب السيطرة على تداعياتها”.
هذا التقدير يتوفق مع ما قاله نائب رئيس الموساد السابق، عضو لجنة الخارجية والأمن البرلمانية، النائب رام بن براك، الذي رأى أن حشد هذا المستوى من القوة الأميركية لا يمكن أن ينتهي بلا نتيجة. فإما اتفاق حقيقي بشروط صارمة، أو في حال فشل ذلك، انتقال إلى خيار عسكري.
وبرأيه، فإن احتمال العمل العسكري لم يتراجع، حتى مع وجود محاولات وساطة إقليمية تقودها دول خليجية وتركيا، تبقى مشروطة بقبول إيراني جوهري يتضمن وقف التقدم نحو القدرة النووية، وإخراج المواد المخصبة، وفرض رقابة على الصواريخ، ووقف دعم التنظيمات المسلحة في المنطقة.
وفي الوقت نفسه، بعث برسالة ردع واضحة مفادها أن أي هجوم على إسرائيل سيُقابل برد قوي وحاسم، وهو ما يجعل الحسابات الإقليمية أكثر تعقيدًا، خصوصًا لدى الدول التي تخشى أن تكون ساحة أو ممرًا لأي مواجهة محتملة.
في سياق متصل، لم تكتفِ إسرائيل بالرسائل الدبلوماسية والعسكرية غير المباشرة. فقد أعلن الجيش الإسرائيلي الجمعة عن استكمال تمرين قيادي واسع النطاق تحت اسم “شَعَت هآري”، حاكى تطور معركة معقدة في نطاق القيادة المركزية، من مستوى الفرق وصولًا إلى هيئة الأركان.
المشهد واضح، ويترك كل الاحتمالات مفتوحة في مواجهة إيران: مدمرة أميركية ترسو في إيلات، لقاءات عسكرية رفيعة المستوى، تدريبات إسرائيلية تحاكي أسوأ السيناريوهات، وتحليلات أمنية لا تستبعد أي خيار.
المصدر:
الحرة