طهران- على إيقاع التحشيد العسكري الغربي في الشرق الأوسط، وتصاعد التهديدات الأمريكية بشن هجوم محتمل على إيران، عادت طهران إلى التلويح بورقة مضيق هرمز الإستراتيجية، مطلقة هذه المرة وصفا جديدا لقدرتها على التحكم فيه، بمُسمى "السيطرة الذكية".
هذا التصعيد يفتح باب التساؤلات بشأن مدى قدرة إيران الفعلية على تنفيذ تهديداتها المتكررة، وحدود خياراتها العملية في التعامل مع أحد أهم شرايين الطاقة في العالم.
وفي هذا السياق، قال المساعد السياسي لقائد القوة البحرية في الحرس الثوري اللواء محمد أكبر زادة إن بلاده باتت تمتلك "سيطرة ذكية وكاملة" على مضيق هرمز، مؤكدا في كلمة ألقاها بمدينة ساري شمالي البلاد أن إيران لم تعد بحاجة إلى تفخيخ المضيق بالطرق التقليدية، في إشارة إلى تطور أدواتها العسكرية والتقنية خلال العقود الماضية.
ورغم حساسية التوقيت، فإن هذا الخطاب ليس جديدا، إذ سبق أن تحدث القائد العام الأسبق للحرس الثوري اللواء محمد علي جعفري عن أن إستراتيجية إيران تقوم على السيطرة الذكية على مضيق هرمز.
في تفسيره لهذا المفهوم، يرى العقيد المتقاعد في القوة البحرية التابعة للحرس الثوري محمد رضا محمدي أن طهران تمتلك القدرة والأدوات اللازمة لإغلاق المضيق إذا صدر القرار السياسي بذلك.
ويشرح محمدي، في حديث للجزيرة نت، أن أمام الحرس الثوري خيارين رئيسيين للتحكم بالمضيق، أولهما يتمثل في الإغلاق المادي المباشر، عبر الحضور العسكري أو نشر التسليحات التي تسمح بالتحكم في الممر الملاحي أو استهداف السفن غير الممتثلة للأوامر.
أما الخيار الثاني، وهو ما تصفه طهران بـ"السيطرة الذكية"، فيقوم على إدارة المرور البحري استنادا إلى القوانين الإيرانية والمواثيق الدولية، من خلال توقيف السفن بدعوى ارتكاب مخالفات -غالبا ما تكون متاحة قانونيا- واقتيادها إلى السواحل الإيرانية للتحقيق ومحاكمتها.
ويرى محمدي أن تصريحات القيادات العسكرية الإيرانية تعكس جاهزية كاملة للتحكم في الممر الحيوي، سواء بإجراءات قانونية مثل مذكرات التوقيف، أو بزعزعة أمنه واستهداف القطع البحرية التي قد ترفض الامتثال.
ويؤكد المتحدث أن إيران طورت خلال السنوات الماضية منظومة تسليحية واسعة لهذا الغرض، سبق اختبار بعضها خلال الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، حين أدى التلويح بإغلاق المضيق إلى تراجع قوى غربية عن استهداف منشآت إيرانية حيوية.
وتشمل هذه الترسانة -وفق محمدي-:
من جانبه، يرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة طهران محمد صادق كوشكي أن الحديث عن مضيق هرمز يتجاوز البعد الجغرافي الضيق، ليشمل -في الرؤية الإيرانية- نطاقا أوسع يمتد إلى الخليج وبحر عُمان وشمال المحيط الهندي وصولا إلى بحر العرب وخليج عدن.
وفي حديثه للجزيرة نت، يقول كوشكي إن إيران تمتلك الإرادة والقدرة على شل الملاحة البحرية واستهداف القطع المعادية متى رأت أن أمنها القومي مهدَّد، واصفا مضيق هرمز بأنه "ورقة رابحة" وأداة ردع مشروعة في حسابات طهران الإستراتيجية.
ويستدرك الأكاديمي الإيراني بأن إغلاق المضيق ليس خيارا حتميا في كل مواجهة، مشيرا إلى أن بلاده لم تقدِم على هذه الخطوة خلال حرب الـ12 يوما، لكنه يبقى واردا إذا رأت القيادة الإيرانية فيه جدوى لردع الخصم والضغط عليه، مشيرا إلى أن تطورات التوتر هي العامل الحاسم في هذا القرار.
في المقابل، تحذر أصوات إيرانية أخرى من مغبة الإقدام على مثل هذه الخطوة، وترى أن إغلاق مضيق هرمز سيكون قنبلة تتجاوز تداعياتها الشرق والغرب، لكنها ستصيب إيران أولا.
وفي هذا الإطار، يدعو الدبلوماسي الإيراني السابق فريدون مجلسي إلى قراءة متأنية للقانون الدولي، محذرا من أن أي إغلاق لمضيق يخضع لنظام المرور الدولي سيُعَد خرقا صريحا للمواثيق الدولية، وسيستدعي ردا سريعا وحاسما.
ويتوقع مجلسي، في حديثه للجزيرة نت، أن تتعرض إيران لضربات عسكرية خلال ساعات من إغلاق المضيق، حتى قبل صدور قرار من مجلس الأمن، مشيرا إلى أن حلفاء طهران التقليديين ودولا مجاورة قد لا يعارضون مثل هذا الرد، نظرا لحجم الأخطار التي يفرضها الإغلاق على مصالحهم الحيوية.
كما يحذر من صدمة نفطية عالمية غير مسبوقة، تتمثل في ارتفاع حاد وغير متوقع للأسعار، وشلل في الطاقة الاحتياطية التي يعتمد عليها استقرار سوق الطاقة العالمي.
ويخلص الدبلوماسي الإيراني السابق إلى أن أهمية مضيق هرمز لأمن الطاقة الدولي تجعل الرد العسكري خيارا مرجَّحا، مؤكدا أن المجتمع الدولي سيسعى لإعادة فتح الممر بأسرع وقت ممكن.
ورغم امتلاك طهران قدرات حقيقية لتعطيل الملاحة، فإن حساب الكلفة والعواقب -بحسب مجلسي- يجعل من إغلاق المضيق "سلاحا انتحاريا" قد يفضي إلى عزلة دولية واسعة، ويحوّل إيران إلى هدف مشروع لتدخل عسكري كبير.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة