في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
الخرطوم- لم تعد أصوات المدافع وحدها ما يميز منطقة المقرن وسط العاصمة السودانية الخرطوم، فبين المباني التي أنهكتها الحرب، عاد صوت الطلاب يتجهون إلى قاعات الامتحانات ليشق الصمت الثقيل. في مدينة اعتادت الخراب والفراغ منذ اندلاع الحرب.
عودة جامعة النيلين إلى المقرن لم تكن مجرد استئناف لنشاط أكاديمي متوقف، بل إعلانا رمزيا عن قدرة التعليم على إعادة الحياة إلى الأماكن المنكوبة، واختبارا صعبا لإرادة الصمود في بلد لم تضع الحرب فيه أوزارها بعد، بين الجيش السوداني و قوات الدعم السريع.
ولأول مرة منذ نحو عام، تجد آلاف الطلاب في مباني الجامعة يتقدمون للامتحانات، مما أعاد الحيوية والحركة للمنطقة التي ينتشر فيها فقط رجال الشرطة، في مقار رئاسة شرطة ولاية الخرطوم.
ويقول مدير جامعة النيلين، البروفيسور الهادي آدم، للجزيرة نت، إن العودة بدأت مباشرة بعد تحرير الخرطوم في أبريل/نيسان 2025 بوصول وفد إداري من الجامعة، الذي وجد خرابا ودمارا كبيرين بمبانيها، تم توثيقه، وبعد 3 أشهر، وتحديدا في يوليو/تموز، قررت إدارة الجامعة فتح مركز الجامعة للامتحانات، التي تقدم لها 1200 طالب وطالبة من المركز.
ومنذ اندلاع الحرب قبل نحو 3 أعوام، تحولت الدراسة بالجامعة إلى إلكترونية (عن بعد)، وكانت تجري الامتحانات في 18 مركزا، 8 مراكز داخل السودان و10 أخرى خارجه، إذ كانت تضم الجامعة قبل الحرب أكثر من 105 آلاف طالب، ولهذا صنفت بأنها أكبر جامعة في السودان من حيث عدد الطلاب، حسب آدم.
وأشار إلى أن افتتاح مركز الامتحانات بمباني الجامعة بالمقرن وسط الخرطوم أحدث حراكا واسعا، حيث كانت المنطقة موقع عمليات وتضررت تضررا كبيرا، وكانت خالية تماما من أي نشاط أو حركة، وأن الجامعة أعادت الحياة للمنطقة، مما دفع المسؤولين لزيارتها، أبرزهم رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان وعدد كبير من المسؤولين.
وأكد آدم زيادة أعداد الطلاب الجالسين للامتحانات -هذه الأيام- إلى أكثر من 3 آلاف، مما دفع الجامعة لافتتاح مركزين لاستيعاب هذا العدد بكليتي التجارة والاقتصاد.
وتواجه مؤسسات التعليم العالي وسط الخرطوم -حسب آدم- تحديات كبيرة أبرزها:
كما بلغت خسائر جامعة النيلين من الحرب 200 مليون دولار تجسدت في تدمير مبني مجمع الإدارات وتدمير المعامل ونهب أسطول السيارات وتدمير 3 مستشفيات تابعة للجامعة: بشائر، وجبرة للبصريات، والمقرن.
ويؤكد البروفسيور الهادي آدم أن ما تعرضت له جامعة النيلين من دمار وتخريب فوق طاقتها وإمكاناتها، لافتا إلى مشكلة أخرى تواجه مؤسسات التعليم العالي وسط الخرطوم، وهي أن البلاد ما زالت في حالة حرب، والاستهداف لا يزال قائما، قائلا "قد تكون هناك جيوب لأفراد من المليشيا والمتعاونين معها، ونحن في تنسيق تام مع الأجهزة الأمنية لمواجهة هذا التحدي".
وأشار البروفيسور آدم إلى أن جامعة النيلين نجحت في استضافة امتحانات المعادلة لتنظيم مهنة القانون بالسودان، وتستعد الآن لاستضافة امتحانات المعادلة لمهنة المحاسبة، كما تستضيف الجامعة أيضا جامعات وكليات من المناطق المتأثرة بالحرب، مثل كلية جنوب الصحراء بمدينة الفاشر شمال دارفور، وجامعة نيالا بولاية جنوب دارفور التي تضم نحو 4 آلاف طالب.
وتابع أن "الجامعة مستعدة لاستضافة أي جهة حكومية أو خاصة لإقامة امتحانات أو معاينات، ونهدف من ذلك إلى تنشيط منطقة المقرن، لأن الحركة فيها تساهم بعودة الخدمات".
كما أوضح أن إدارة الجامعة عقدت اجتماعا مع وزير التعليم العالي لوضع المعالجات لمشكلة الكهرباء، وخرج الاجتماع بتكليف وزارتي الطاقة والمعادن بتحمل أعباء إعادة الكهرباء لمؤسسات التعليم العالي، وتوقع أن تسهم عودة مجلس الوزراء للعمل من الخرطوم في تسريع إعادة الكهرباء لمنطقة وسط الخرطوم.
وقال "بدأنا يوم 21 ديسمبر/كانون الأول الماضي دراسة حضورية لطلاب المستوى الأول بكلية الطب، ويدرس الآن نحو 70% من الطلاب المقبولين و30% يدرسون إلكترونيا، وإذا عادت الكهرباء ستعود الجامعة بجميع كلياتها للعمل، والآن نعمل بمنظومة طاقة شمسية".
وفي المقابل، لجأت جامعة الخرطوم -أعرق الجامعات السودانية- للاستفادة من مبانيها الضخمة الموزعة على مدن العاصمة السودانية، وجمعت طلاب المستوى الأول المقبولين هذا العام في جميع كلياتها الـ22 للدراسة بمباني كلية التربية ب أم درمان، بعد تضرر جميع مبانيها وسط العاصمة.
ويقول عميد السنة الأولى بجامعة الخرطوم، البروفسيور الصادق شرفي، للجزيرة نت، إن إدارة الجامعة قررت الاستفادة من الأساتذة الموجودين بالخرطوم وتجميع طلاب الكليات للدراسة معا في عام الأساس (السنة الأولى).
ويشير إلى أنه نظام كان معمولا به سابقا في الجامعة، بوجود مواد دراسية مشتركة في كليات مثل البيطرة والزراعة والإنتاج الحيواني، وكذلك الكليات الطبية مثل الطب والأسنان والصيدلة والصحة والمختبرات والهندسة بكل أقسامها.
وأوضح شرفي أن الهدف من هذه الخطوة هو توفير موارد الجامعة والاستغلال الأمثل لها، حيث تم تجهيز 21 معملا لطلاب السنة الأولى بمباني كلية التربية التي تحتوي منشآت ضخمة استوعبت أكثر من 4 آلاف طالب، هم جملة طلاب المستوى الأول في 22 كلية.
كما تم إعداد وصيانة القاعات، وبدأت الدراسة حضوريا لطلاب الدفعتين (2024/2023) مطلع يناير/كانون الثاني الجاري، وستكون الدراسة مكثفة، ولن يتجاوز العام الدراسي 7 أشهر لتعويض الطلاب عامين فقدوهما بسبب الحرب.
وقال شرفي إن أكبر تحد تواجهه الجامعة هو فقدان الأساتذة والعاملين بها لمدخراتهم المالية والظروف الاقتصادية الصعبة التي يواجهونها، مشيرا إلى أن الجامعة نجحت في توفير السكن لبعض المحاضرين لضمان استقرارهم.
وتوقع أن يعود الطلاب إلى كلياتهم وسط الخرطوم العام القادم، بعد إكمال عمليات الصيانة وإعادة التأهيل التي ستستغرق نحو 8 أشهر، حيث تعرضت الجامعة لخسائر "ضخمة جدا" وتحتاج إلى جهد كبير لاستعادتها.
وأكبر مشكلة بخلاف توفير الكهرباء -حسب شرفي- هي إعادة تأهيل شبكة الصرف الصحي بوسط الخرطوم التي دُمرت محطاتها وتحتاج إلى جهد كبير من الدولة لاستعادته.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة