آخر الأخبار

في عصر السيلفي.. لماذا ابتلعتنا صورُنا؟

شارك

في عام 2014 وحده، التقط البشر نحو 93 مليار صورة سيلفي. الرقم يتجاوز كونه تفصيلا تقنيا عابرا، فكيف صرنا ننظر إلى ذواتنا، وكيف نعرضها على الآخرين كمنتج ينتظر التقييم.

من هذه الفجوة بين الفرد والمرآة، يأتي كتاب "ثقافة السيلفي: كيف أصبحنا مهووسين بأنفسنا إلى هذا الحد؟" للصحفي والروائي البريطاني ويل ستور، الصادرة ترجمته العربية حديثا عن دار "صفحة سبعة" (2025)، بترجمة الدكتورة هناء خليف غني.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 ثرفانتس و"دون كيشوت".. هل كان مؤسس الرواية الأوروبية من أصل موريسكي؟
* list 2 of 2 الاستقصائي الإيطالي بياكيسي: هذه فكرة "صلاة مدنية للمقاومة – رحلة لأماكن المناضلين" end of list

يقرأ ستور السيلفي بوصفه عرضا ظاهرا لمرض ثقافي أعمق، يسمّيه "عصر الكمالية": تلك البيئة النفسية السامّة التي تدفع الفرد ليصبح نسخة مثالية من نفسه، نسخة مستحيلة، تحت ضغط منصّات التواصل وأيديولوجيا النجاح الفردي البطولي.

يمتدّ الكتاب على رحلة استقصائية تعبر 2500 عام من تاريخ الفكر، ويجمع بين علم الأعصاب والاقتصاد وعلم النفس وتاريخ الفلسفة. خلاصته الجوهرية -التي يعود إليها مرارا- أنّ "الذات" التي نعرفها اليوم قصّة صاغتها الثقافة، وقد آن أوان تفكيكها.

مصدر الصورة مشجع فريق تينيسي تايتنز (على اليمين)، يلتقط صورة سيلفي مع ابنه كودي تيرنر (أسوشيتد برس)

كيف صار الفرد فردا؟

أوّل ما يفعله ستور هو نزع صفة "الكونية" عن فكرة الفرد. الفرد الذي نعرفه اليوم بناء ثقافي متراكم، تشكّل عبر قرون. ولفهم كيف وُلِد، يعود الكاتب إلى اليونان القديمة. هناك، أنتجت طبيعة صخرية ساحلية نمطا من البقاء يقوم على المبادرة الفردية والمراوغة، فصار الإنسان الإغريقي أقرب إلى "المكافح الانتهازي" الذي يملك ذاته وحدها أداة للنجاة.

وقد منح أرسطو لاحقا هذا التصوّر غطاء فلسفيا، حين ربط الموهبة الاستثنائية والجمال الجسدي بصلاح الجوهر الداخلي. هكذا تسرّبت إلى الإرث الغربي فكرة ستلازمه: الذات كيان مستقلّ، ذو قيمة لا نهائية، مهيّأ للتميّز.

مصدر الصورة تمثال أرسطو (شترستوك)

ثمّ جاءت العصور الوسطى المسيحية، فقلبت المعادلة. مع لاهوت جون كالفن، تحوّلت الذات من مشروع تميّز إلى "ساحة معركة" دائمة. صارت الروح مجالا للمراقبة والارتياب بعد أن كانت موضع احتفاء. وصار الكمال حربا متواصلة ضدّ الخطيئة والرغبات والأفكار.

إعلان

ويلخّص ستور هذا التحوّل في عبارة واحدة: من يطلب الكمال، عليه أن يخوض حربا لا تهدأ مع روحه. هكذا ترسّخت ثقافة كره الذات والتدقيق في النوايا، التي ستبقى -في صيغ متبدّلة- إلى يومنا.

في القرن التاسع عشر، عُلمنت هذه المعركة. تحوّلت من حرب ضدّ الخطيئة إلى مشروع انضباط وتعليم. صار الإنسان كائنا يمكن "تحسينه تقنيا"، وها هي صناعة تطوير الذات تستعدّ للولادة. ثمّ بلغت السرديّة ذروتها في كاليفورنيا الثمانينيات، مع صعود "حركة تقدير الذات" بقيادة السياسي جون فاسكونسيلوس. هنا يكشف ستور بأدوات الصحفي كيف وُظِّف النفوذ السياسي لتمويل لجنة رسمية تزعم أنّ رفع تقدير الذات قادر على حلّ الجريمة والمخدّرات.

الادّعاء كان مبنيا على أكذوبة علمية، لكنّه تزاوج بسلاسة مع موجة النيوليبرالية التي ركبها رونالد ريغان ومارغريت تاتشر، والمُلهَمة بأفكار آين راند التي مجّدت الأنانية.

من هذا التقاطع وُلدت أكذوبة يسمّيها ستور "اللوح الفارغ": نولد جميعا بقدرات متساوية، وبإمكاننا أن نصير أيّ شيء نريده "إن حلمنا به بقدر كاف من القوّة". يصف الكاتب هذه الفكرة بأنّها الكذبة المظلمة في قلب عصر الكمال.

لماذا ينهار من يملك كلّ شيء؟

ينتقل ستور بعد ذلك من تاريخ الأفكار إلى نفسيّاتنا اليوم، طارحا سؤالا صادما في بساطته: لماذا يدمّر بعض البشر أنفسهم رغم توفّر كلّ شروط العيش الكريم؟ جوابه أنّ السبب يكمن فيما يسمّيه "النزعة الكمالية الاجتماعية".

الفرد، وفق هذا التحليل، ينهار حين يعجز عن بلوغ ما يتخيّل أنّ الآخرين ينتظرونه منه. النجاح ينقلب من تحقيق للذات إلى استرضاء دائم لعيون الآخرين. يصير المعنى الضمنيّ للنجاح: "يجب أن أعمل أكثر لأرضي من حولي".

يسند ستور تحليله النظريّ بقصّة إنسانية تلخّصه: قصّة ديبي هامبتون، امرأة في منتصف العمر انهارت تحت ثقل العجز عن تجسيد صورة "الأمّ والزوجة المثالية" كما تمليها الثقافة السائدة. ما حدث لها، يسمّيه ستور "الهروب من الذات"؛ تلك اللحظة التي يصير فيها الوعي بـ"الأنا الفاشلة" غير محتمل، فيختار العقل الفرار.

لماذا نخاف هكذا من نظرة الآخرين؟ يعود ستور إلى جذورنا القبلية. تطوّر العقل البشريّ في جماعات صغيرة، تتحدّد المكانة فيها بشبكة النميمة، وما يُقال عنّا في غيابنا. لذلك صار الخوف من النبذ أعمق ما فينا. يدعم ستور هذا بمعطى عصبيّ مدهش: الألم الاجتماعيّ يُعالَج في الدماغ بالطريقة نفسها التي يُعالَج بها الألم الجسديّ. حين يتجاهلك أصدقاؤك، يتألّم دماغك كأنّك انكسرت.

ثمّ يذهب الكاتب أبعد، ليهدم وهما أخيرا: وهم "الذات الواحدة الأصلية". الدماغ، بحسب علم الأعصاب الحديث، يعمل كـ"مترجم بارع" ينسج السرديّات ليبرّر سلوكنا التلقائيّ، أكثر من كونه مرآة صادقة لأنفسنا. عبارته الحاسمة هنا: الدماغ قاصّ، وهو صانع أبطال، والبطل الذي يصنعه هو أنت. نحن مجموعة ذوات متصارعة تظهر وتختفي بحسب السياق، أكثر من كوننا ذاتا واحدة متماسكة. هذه التعدّدية آلية حماية، والإصرار على اختزال أنفسنا في "ذات واحدة مثالية" هو ما يقود إلى الانهيار حين تنهار القصّة التي رويناها لأنفسنا عن أنفسنا.

حين يصير الإنسان بيدقا

في الفصول الأخيرة، وتحديدا في "الذات الرقمية"، يصل ستور إلى لحظة نعرفها جميعا. وسائل التواصل الاجتماعي، بحسبه، منتج نيوليبرالي خالص. تتجاوز عرض الذات إلى تحويل الهوية إلى لعبة بقواعد قابلة للقياس: عدد الإعجابات، عدد المتابعين، عدد التعليقات. قيمتك تصير رقما يتحدّث عنك في غيابك.

إعلان

في هذه اللعبة، يُفرَض نموذج بعينه يسمّيه ستور "الذات النيوليبرالية": مطلوب منك أن تكون في آن واحد منفتحا، نحيفا، جميلا، فردانيا، متفائلا، مجتهدا، وتمتلك دهاء ريادة الأعمال. الوجود الإنساني نفسه يصير مشروعا تسويقيا متواصلا.

يدعم الكاتب تحليله بحالة دالّة: شابّة يسميها CJ تملك "تيرابايت" من صور السيلفي، وتقضي ساعات حتى الفجر تنقّح صورها قبل نشرها على إنستغرام. ما تفعله CJ، وفق ستور، يعكس سلوك ضحية في بيئة نفسية جديدة تدرّب الدماغ على سؤال واحد لا ينقطع: "كيف أبدو الآن؟". السيلفي، بهذه القراءة، صار محاولة قلقة للسيطرة على نظرة الآخر. ثمنها مرتفع: تركيز مرضي على المظهر، وتراجع في الأداء المعرفي، وارتفاع في اضطرابات الأكل والاكتئاب.

ولا ينسى ستور أن يمدّ التحليل إلى "غرف الصدى" الرقمية، حيث يحاصر الأفراد أنفسهم بأصوات متشابهة، فيتعمّق الاستقطاب ويتغذّى العداء. داخل هذا الفضاء، يُعاد توظيف "التشهير" أداة قبلية معاصرة لمعاقبة من يخرج عن المعايير. عبارته الأخيرة هنا تستحقّ التوقّف: نحن نعيش في عصر الكمالية، والكمال هو الفكرة التي تقتل.

ماذا نفعل إذن؟

في الفصل الختامي، "كيف تظلّ حيّا في عصر الكمالية"، يقدّم ستور ما يشبه "بيانا" صريحا ضدّ عبادة الذات الحديثة. يتخلّى عن أيّ لغة تلطيفية، ليذكّر بحقيقة يفضّل الجميع تجاهلها: نحن "كتل بيولوجية" محكومة بقدرات وراثية وشروط حياة لم نخترها. محاولة إعادة تشكيلنا لتتطابق مع قوالب النيوليبرالية معركة خاسرة سلفا. أنت محدود، غير كامل، ولا شيء بإمكانك فعله حيال ذلك.

غير أنّ هذا الاعتراف ينتهي إلى وصفة راديكالية: لا تغيّر نفسك، غيّر بيئتك. ضع الهاتف جانبا، انسحب من الضوضاء الرقمية، وابنِ علاقات مع أشخاص يقبلونك كما أنت. ابحث عن "مشاريع ذات جدوى" تملك فيها قدرة حقيقية -ولو محدودة- على الفعل والتأثير، بدل الارتهان لطموحات خيالية تغذّيها ثقافة المقارنة الدائمة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار