آخر الأخبار

تحول غربيين للهوية الصينية.. بحثا عن التوازن أم مجرد استعراض؟

شارك

في مطبخ صغير بفرانكفورت، تضع شابّة ثمرات تمر في ماء ساخن، تُتبعها بأوراق ورد وحبّات من توت الجوجي وشريحة ليمون. ترفع الكوب إلى عدسة هاتفها، وتبتسم ابتسامة من تعرف أن خوارزمية " تيك توك" ستمنحها ما تستحق من مشاهدات. "هذا روتيني الصباحي منذ أن صرتُ صينية"، تقول بجدّية، وتتمنّى لمتابعيها أن "يصيروا صينيين" أيضا.

يبدأ هذا المشهد في واحدة من المدن الغربية التي نشأ فيها صنّاع المحتوى هؤلاء، لا في بكين ولا في شنغهاي، وعناصر هذا المشهد المربك كالتالي: مرق العظام عوضا عن القهوة الصباحية، عصيدة الأرز المعروفة باسم "كونجي" بدل حبوب الإفطار، شاي التفاح "الضروري للهضم" عند المساء، وكوب ماء دافئ بمجرد الاستيقاظ. كلها عناصر مستلّة من معجم الطب الصيني التقليدي، تُقدَّم في آن بوصفها وصفة صحية وبيانا ثقافيا.

حين يصير الغربي "صينيا"

للموجة اسم رائج هذه الأيام: "تشايناماكسينغ" ، بمعنى الانغماس الكامل في الهوية الصينية. لاحقة "ماكسينغ" مستعارة من ألعاب الفيديو، حيث يرفع اللاعب قدرات شخصيته إلى أقصاها. أما نقطة انطلاق النهج، بحسب المتتبّعين، فكانت منشورا انتشر على نطاق واسع: "التقيتَ بي في لحظة صينية جدا من حياتي"، جملة مستلهمة من عبارة شهيرة في فيلم "نادي القتال" لدايفيد فينشر. هكذا إذن: تأتي الهوية من لعبة إلكترونية، ويأتي الإعلان عنها من سينما تسعينيات أمريكية. الموجة، بأعصابها وتركيبها، موجة شديدة الغربية.

لكنها تُشير إلى شيء ما في اللحظة الغربية ذاتها. يرى أولريش كولر، متتبّع الاتجاهات في مؤسسة "فيلونيوس" الاستشارية، أن كثيرا ممن يصوّرون هذه المقاطع يُعانون ضيقا من إيقاع الحياة الغربية، التي يصفونها بالصاخبة والسريعة وفاقدة التوازن، فيمدّون أيديهم نحو ما يبدو نقيضا لها. الصين، في هذا التصور، ليست دولة بعينها، بل استعارة لحياة أبطأ وأوعى، ترتّبها حكمة قديمة لا جدول مزدحم.

مصدر الصورة الموجة، بأعصابها وتركيبها، موجةٌ شديدة الغربية (وكالة الأنباء الألمانية)

صفعة أطلسية

ثم جاءت السياسة. في ولايته الأولى، حاول الرئيس الأمريكي دونالد ترمب حظر "تيك توك" داخل الولايات المتحدة، فاندفع آلاف من صنّاع المحتوى الأمريكيين إلى "شياوهونغشو" (الكتاب الأحمر الصغير)، النسخة الصينية من إنستغرام. لم تَطُل لحظة العبور تلك، لكنها كانت دالّة؛ اكتشف الشباب الأمريكي أن على الضفة الأخرى من الخوارزمية مستخدمين صينيين لا يختلفون عنهم بالضرورة، يضحكون للنكات نفسها، ويبحثون عن الوصفات ذاتها.

إعلان

وفي يناير/كانون الثاني 2026، بعد عام من ولاية ترامب الثانية، انتقلت أعمال "تيك توك" الأمريكية رسميا إلى شركة مشتركة أُنشئت تنفيذا لقانون 2024 الذي ألزم شركة "بايت دانس" الصينية إما ببيع عمليات التطبيق أو إيقافه نهائيا. في هذه الأثناء كانت زيارة اليوتيوبر الأمريكي دارين واتكينز جونيور، المعروف بـ"آي شو سبيد"، إلى الصين لمدة أسبوعين، قد قدّمت لملايين المشاهدين صورة غير مألوفة لهم عن المدن الصينية؛ نظيفة، متطورة، مضاءة بالنيون، وبمأكولات تستحق مقطعا طويلا. رأى كثيرون في الزيارة انتصارا جديدا للقوة الناعمة الصينية، أكثر إقناعا من أي حملة رسمية استعرضتها بكين.

مصدر الصورة تقرأ بكين هذه الموجة بابتهاج غير مُخفى (وكالة الأنباء الألمانية)

قراءتان للوصفة

تقرأ بكين هذه الموجة بابتهاج غير مُخفى. تقول وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا)، الناطقة باسم الحزب الشيوعي، إن اتجاه "التحوّل إلى الصين" يعكس "تحوّلا أعمق من مجرد تقليد نمط حياة إلى التكيّف مع القيم". عبارة فضفاضة، لكنها تكشف رغبة رسمية في استثمار ظاهرة لم تصنعها الدولة، وإن كانت تستفيد منها.

أما في أوروبا، فالقراءة مختلطة. سياسة "أمريكا أولا" التي انتهجها ترامب تركت جرحا في علاقة ضفتي الأطلسي، وبحسب استطلاع أجرته مؤسسة "يو جوف" لصالح وكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ)، يعتبر نحو نصف الألمان اليوم الولايات المتحدة خصما لا شريكا. تُحذّر بروكسل وبرلين من مخاطر الاعتماد على التكنولوجيا الصينية، لكنّ الشابّة التي تنقع التمر في مطبخها ليست معنيّة بتحذيرات الوزارات. هي تعرف، على الأرجح، أن ما تفعله لا يعدو كونه استعارة لحياة أخرى يُفترض أنها موجودة في مكان ما.

ذلك أن معضلة كل موجة من هذا النوع ظاهرة؛ المسكون بالرغبة في "التحوّل إلى شيء آخر" يُمضي وقته في التصوير لا في التحوّل. مرق العظام لا يشفي من رتابة الخوارزمية، وأوراق الورد لا تُلغي عقد الإيجار. لكنّ أن تختار شابّة ألمانية الإشارة إلى الصين بدلا من الإشارة إلى الهند أو اليابان كما كان الحال قبل عقدين، هو تحوّل لا يخصّها وحدها، فخلف كوبها ثمّة خريطة عالم تتغيّر.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار