تخيل أن كلمة "ماء" تُلفظ بثماني طرق مختلفة في بقعة جغرافية واحدة! من قلب جبال الحجر التي تربط الإمارات بسلطنة عُمان، تشرّح الباحثة لولوة المنصوري في كتابها "ماء الحجر" ظاهرة لسانية فريدة؛ حيث لم يكتفِ الإنسان الجبلي بتطويع الصخر لبناء "بيوت القفل"، بل طوّع لغته لتصبح "خزاناً" يفيض بمفردات الارتواء والسقي، في دراسة سيميائية تثبت أن روح الماء هي التي صاغت روح لغة الجبل."
تفتح دراسة المنصوري ، بعنوان "ماء الحَجَر: مفردات الماء ودلالاتها في جبال الحجر"، أبعادا لسانية وسيميائية على لهجة أهالي جبال الحجر المحكية المتميزة بتنوعها الدلالي والصوتي والبنائي. وهو التميز الذي يرجع لتعدد القبائل الموزعة بين رؤوس الجبال والجبال الساحلية والداخلية، حيث تشترك اللهجات في الكثرة الغالبة من الكلمات ومعانيها.
تتميز اللهجة الكمزارية بتركيب لغوي مزجي وعر وبالغ الصعوبة، حيث تتوقف الدراسة عند بعض المفردات الحجرية، وتركز على المفردات المشتركة في ظواهرها اللغوية بين أفراد القبائل الجبلية، ولغة الخطاب الشائعة عند بعض قبائل الساحل الشرقي، وهي مفردات تيسر اتصال أفراد هذه البيئة وما يدور بينهم من حديث وخطاب وتعامل.
لهجة أهل جبال الحجر، متداولة بين أبنائها وأجيالها بكل حماسة وفخر، ومكتنزة بالتنوع والحضور المميز، وتحاول "المنصوري" سبر أسرار اللغة العربية الفصحى، باعتبار اللهجة المحلية امتدادا أصيلا للهجات العربية القديمة المتجذرة في ربوع الجزيرة العربية.
يضم التنوع البيئي المعقد والغامض والمجهول لإقليم الحجر ورؤوس الجبال الواقعة وفق الامتداد الجغرافي، جبال دولة الإمارات وسلطنة عُمان، مما عكس ثراء وخصوبة جعل من تلك المناطق أنموذجا حيا لدراسة المفردات، وبخاصة تلك الدالة على الماء عند أهل جبال الحجر، باعتبار أن الماء رمز الحياة والتكوين والنشأة والتطور البشري على الأرض بشكل عام.
انعكست روح الماء على روح اللغة، وبرزت في الإقليم ظاهرة لفظية مائية تستحق البحث والتوثيق والدراسة والنبش في أصلها القديم قدم الإنسان
يُعد إقليم جبال الحجر مركزا أحفوريا مهما على الأرض، متجددا وحيويا بالماء في الإمارات وعمان وخزانا طبيعيا عميقا وقديما للمياه، لتشكل هذه الثروة المائية الطبيعية عبر الزمن خزانا لغويا مائيا مستمدا من الخصوبة والزرع والثراء. حيث انتقل هذا الإرث والنسيج اللغوي من جيل إلى جيل، الأمر الذي أوجد "امتدادا لغويا عربيا جبليا حجريا اتصف بالتنوّع والخصوبة والثراء والتجذر على مدار قرون مضت".
الغموض الذي اكتنف مجتمع جبال الحجر لسنوات طويلة، برزت انعكاساته على الإرث اللغوي، فبقيت الدراسات والبحوث بمنأى عن السبر والتوثيق الميداني للكنوز المادية واللامادية، لنجد أنفسنا أمام قدر قليل من الكتابات التي تتناول هذا الموضوع.
وتلفت لولوة المنصوري في دراستها، إلى أن السنوات الأخيرة شهدت إنجاز أبحاث ودراسات رصدت بشكل عام الألفاظ العامية المتعارف عليها في لهجة الإمارات من دون تخصيص للهجة بعينها، وبخاصة لهجة جبال الحجر، حيث أفادت تلك الأبحاث والدراسات في معرفة اللهجة والخصائص الصوتية لأهالي الإمارات بشكل عام، ومكنت من الاطلاع على ثقافة التخوم الاجتماعية لسكان جبال الحجر وطبيعة لهجتهم وحياة الناطقين بها. وأكدت أن تلك المناطق يعوزها الكثير من الدراسات العلمية والنشاط البحثي والنبش في الملهم من اللغة والتراث والكنوز.
ولما كانت غالبية الأمكنة والمواقع والقرى ذات الصلة الوثيقة بمعاني الماء والارتواء والسقي والأمطار سواء بدلالة مباشرة أو ضمنية، لم تنل حظها في الكشف عن الأصل اللغوي والدلالي، كان معجم أهل جبال الحجر موضوعا للدراسة، بالتركيز على المفردات الخاصة بالركيزة الأساسية لنمو حياة المجتمعات وتطورها، وهي مفردات (الماء).
وقد استقت المنصوري مادة دراستها من خلال البحث الميداني من مجموعة من الرواة في القرى المتفرقة في إقليم جبال الحجر وفي ولايات ومناطق عدة من شمال الشرقية في سلطنة عُمان.
ومن استنتاجات تلك الدراسة، أن الماء تُلفظ "مُويه" أو "مَا" عند الحضر، وتُلفظ عند أغلب القبائل الساكنة في رؤوس الجبال والمفاوز الداخلية "موو" ومنهم من ينطقها "مووي". وتُلفظ "مووء" عند قبيلة الحبوس، وعند أهالي وادي شعم وغليلة، وبعضهم في وادي عليلة يتلفظها "مَايْ"، وتُلفظ "مَيْ" عند بعض القبائل في جبال الحجر في الإمارات وسلطنة عُمان، وعند أغلبهم تُلفظ "ماي".
وتؤكد الدراسة عروبة لهجة أهل جبال الحجر، فهي ذات جذور لغوية متأصلة بمفرداتها ومعانيها في المعاجم العربية.
ونتعرّف من الدراسة على جغرافية منطقة الحجر أو "الحَيَر"، وتُلفظ أيضاً "الحَيْر" في دولة الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عُمان، وهي جزء من إقليم جغرافي جاف يُعرف بـ (جبال الحَجَر)، يتكون من سلسلة جبال تبلغ مساحتها نحو 35000 كيلومتر مربع، من الجنوب الشرقي لشبه الجزيرة العربية، وتمتد مرتفعات الحجر من المنحدرات الصخرية الشاهقة لمضيق هرمز في الشمال الشرقي إلى رأس الحدّ جنوب شرق سلطنة عُمان.
كما طوّعت العمارة الخاصة ببيوت سكان الحجر المعطيات الجغرافية وظروف الحياة الصعبة بقوتها وقدرتها على الانسجام مع المتغيرات.
وكان بيت "القفل" من أهم أشكال البيوت الشتوية في رؤوس الجبال، الذي يتوخى به الجبلي حماية أهله وتوفير الدفء المقاوم لبرد الشتاء وأمطاره. أما في الصيف فقد كان بيت "الصَّفْ" شكلاً لإراحة النفس وحمايتها من لهيب الصيف وحرارته القاسية، صف إنسان الحجر الصخري على طبقات، وصنع فيها فتحات جانبية على الأطراف ليعبر إلى البيت الهواء البارد، وصنع سقفه من جذوع السدر والطين والخوص تتخللها فتحات الهواء، فاستظلت واستراحت أسفله العائلة. وأما اليوم، فعائلات الفلاحين الحجريين تعيش في بيوت مبنية بالخرسانة والنظم الحديثة التي تتوافق وطبيعة تلك المناطق بمساعدات من الحكومة في كل من الإمارات وسلطنة عُمان.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة