في مدينة تغيرت خريطتها السياسية مرات عديدة، وظلت ذاكرتها معلقة بين الشرق والغرب، تواصل مدرسة غازي خسرو بك أداء رسالتها التعليمية منذ قرابة خمسة قرون.
في هذه المدرسة، التي تقع في قلب سراييفو التاريخية، لا يقتصر دورها على تدريس المواد فحسب، بل يتعداه إلى صيانة الزمن ذاته؛ إذ تحتفي هذا الشهر بالذكرى السنوية الـ489 لتأسيسها، دون انقطاع في مسيرة التعليم ليومٍ واحد.
تأسست المدرسة في الثامن من يناير/كانون الثاني عام 1537 على يد القائد العثماني غازي خسرو بك، حفيد السلطان بايزيد الثاني، (من جهة الأم) لتصبح سريعا إحدى الركائز الأساسية للعمران والمعرفة في البوسنة والهرسك.
وتتمركز المدرسة في منطقة باشجارشي العتيقة، ضمن مجمع أسهم في صياغة ملامح المدينة، وحولها من بلدة متواضعة إلى مركز حضري وتجاري وثقافي بارز في البلقان.
وعلى الرغم من توالي الحروب والأزمات، بدءا من الحكم العثماني وصولا إلى الحقبة اليوغوسلافية الشيوعية، ثم حرب البوسنة (1992–1995) وحصار سراييفو، لم تتوقف المدرسة عن أداء رسالتها التعليمية.
وإبان سنوات الحصار، تحولت المدرسة إلى رمز راسخ لصمود المعرفة في مدينةٍ كانت ترزح تحت وطأة القصف اليومي.
ويعزز حضورها الثقافي كون مبانيها شُيدت بأيادٍ خبيرة من حجاري مدينة دوبروفنيك (مدينة كرواتية تعرف تاريخياً باسم راغوزة)، مما يعكس تداخلاً حضارياً مبكراً لا يزال تأثيره ملموساً حتى اليوم.
وتعتمد المدرسة نظاماً للقبول الانتقائي، فلا تقبل إلا الطلبة المتفوقين بعد إكمال تسع سنوات من التعليم الأساسي في البوسنة والهرسك.
وتدمج مناهجها بين العلوم الدينية والمواد العلمية الحديثة، إلى جانب تدريس لغات عدة، في مقاربة تجعلها أقرب إلى ثانوية نخبوية ذات جذور تقليدية عميقة.
ويوضح أن مستوى التعليم الديني بالمدرسة، بدءا من الفقه وصولا إلى قراءات القرآن والتجويد، قد بلغ درجة عالية من الإتقان، بالإضافة إلى دراسته مواد علمية كان لها أثرٌ مباشرٌ في مساره الأكاديمي.
ويستطرد يلدرم قائلا "أن تقول إنك تدرس في مدرسة أسسها أجدادنا، لهو مصدر فخرٍ حقيقيٍ لي".
أما أحمد زاهد يامان، وهو أيضاً أحد خريجي المدرسة ويدرس الهندسة الميكانيكية ضمن البرنامج المزدوج ذاته، فيؤكد أن المدرسة زودته بقاعدة معرفية متوازنة، دينية وعلمية واجتماعية.
ويوضح يامان أن المدرسة لا تكتفي بتنظيم نشاطات طلابية ورحلاتٍ تعليميةٍ تشمل دولاً أوروبية، بل توفر أيضا بيئة داخلية (السكن والأنشطة) تسهم في المحافظة على وعي تاريخي حي لدى الطلبة.
وعلى مر القرون، رفدت المدرسة المجتمع البوسني بشخصيات بارزة في مختلف جوانب الحياة الدينية والسياسية والاجتماعية البوسنية.
المدرسة، التي تُعرف محلياً باسم "قورشونية" – قورشون يعني الرصاص بالتركية – نظرا لسقفها المغطى بالرصاص، تحمل عند مدخلها نقشاً يوجز فلسفتها، مفاده "هذا البناء شيد لمن يطلبون العلم ومحبة الله: غازي خسرو بك فخر العدل ومصدر النية الحسنة".
وتكشف وثائق وقف المدرسة أنها أُنشئت إحياءً لذكرى سلجوق خاتون، والدة غازي خسرو بك، وأنها بقيت مركزا جاذبا للعائلات البوسنية التي تبحث عن تعليم جيد ومتعدد اللغات (البوسنية، الإنجليزية، العربية، والتركية).
وبينما ينسب لقب "مؤسس سراييفو" إلى الوالي إسحاق أوغلو عيسى بك، تجمع المصادر على أن غازي خسرو بك هو من أرسى دعائم المدينة كعاصمة للعلم والتجارة في البلقان.
ورغم مرور 489 عاما، لا تزال مدرسة غازي خسرو بك شاهدة على التاريخ، لا بوصفها أثرا فحسب، بل كمؤسسة حية تثبت أن التعليم، متى صين، قادرٌ على الصمود في وجه الزمن وحمل شعاع العلم عبر الأجيال.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة