لم يعد التوأم الرقمي (Digital Twin) مجرد نموذج ثلاثي الأبعاد لجهاز أو مصنع كما قد يتصور البعض، بل أصبح تقنية متقدمة قادرة على إنشاء تمثيل رقمي لكيان أو نظام حقيقي، ثم ربط هذا التمثيل بالبيانات القادمة من العالم الفعلي بهدف مراقبة حالته وتحليل سلوكه والتنبؤ بما قد يحدث له مستقبلاً.
ويشير تقرير للمعهد الوطني الأميركي للمعايير والتكنولوجيا NIST إلى أن التوأم الرقمي يمكن أن يمثل كيانات مادية، مثل الآلات والمباني والمعدات، أو حتى كيانات وعمليات غير مادية، ويتيح متابعة حالتها وتغيراتها رقمياً.
كما تعتمد القيمة الأساسية للتقنية على قدرتها على المحاكاة والمراقبة والتنبؤ والتحسين.
أحد أهم الأمور التي لا يعرفها كثيرون هو أن التوأم الرقمي يختلف عن نموذج المحاكاة التقليدي. فالمحاكاة يمكن أن تمثل كيفية عمل نظام ما في ظروف محددة، بينما يعتمد التوأم الرقمي على ارتباط مستمر أو دوري بالكيان الحقيقي وبياناته.
وهذا يسمح، على سبيل المثال، بإنشاء نسخة رقمية لآلة في مصنع تستقبل بيانات من أجهزة الاستشعار، ثم تستخدم هذه البيانات لمعرفة حالتها الحالية واكتشاف أي تغيرات غير طبيعية والتنبؤ باحتمال حدوث عطل.
ووفق "NIST"، يمكن للتوائم الرقمية في التصنيع مراقبة صحة الآلات، واكتشاف الحالات غير الطبيعية، والتنبؤ بالسلوك المستقبلي، بل والمساعدة في تحديد عمليات الصيانة والجدولة واختبار التغييرات قبل تنفيذها على المعدات الحقيقية.
القيمة الحقيقية للتوأم الرقمي تظهر عندما يصبح بالإمكان استخدامه لاختبار سيناريوهات مختلفة دون المخاطرة بالنظام الحقيقي.
فالمهندسون يستطيعون، على سبيل المثال، تجربة تغيير في تصميم آلة أو طريقة تشغيل مصنع داخل البيئة الرقمية أولاً، ثم دراسة النتائج قبل تطبيق التغيير فعلياً.
وهذا قد يقلل الحاجة إلى تجارب مكلفة أو عالية المخاطر على المعدات الحقيقية.
رغم ارتباط التقنية تاريخياً بالتصنيع والهندسة، فإن نطاقها أصبح أوسع بكثير.
ويمكن استخدامها في المباني والبنية التحتية والطاقة والنقل والمدن الذكية والرعاية الصحية وغيرها من المجالات.
كما يمكن بناء توائم رقمية لمكونات منفردة، أو أنظمة كاملة، أو عمليات مترابطة، وهو ما يفتح الباب أمام إنشاء منظومات ضخمة من التوائم الرقمية تعمل معاً.
وهنا تظهر واحدة من أصعب مشكلات التقنية: التوافق بين الأنظمة. فقد تعتمد المؤسسة الواحدة على برامج وأجهزة من شركات مختلفة، ما يجعل ربط التوائم الرقمية ببعضها وبالأنظمة الحقيقية عملية معقدة ومكلفة.
ولهذا تعمل الجهات المعنية على تطوير معايير مشتركة تسهل تبادل البيانات والتكامل بين هذه الأنظمة.
لكن امتلاك نسخة رقمية غنية بالتفاصيل عن نظام حقيقي يخلق أيضاً مخاطر جديدة.
فإذا كان التوأم الرقمي يحتوي على معلومات تفصيلية عن مصنع أو شبكة أو مبنى أو نظام حساس، فإن اختراقه قد يمنح المهاجمين معلومات يمكن استخدامها لفهم النظام الحقيقي أو استهدافه.
وحذر "NIST" من أن تقنية التوأم الرقمي تفرض تحديات غير تقليدية وجديدة في الأمن السيبراني والثقة، خصوصاً مع اعتمادها على أجهزة الاستشعار والاتصال والبيانات والمراقبة والتحكم.
وتشير أبحاث حديثة أيضاً إلى أن زيادة ترابط التوائم الرقمية مع أنظمة متعددة يمكن أن توسع سطح الهجوم، بينما تثير البيانات المستخدمة في بناء هذه النماذج أسئلة تتعلق بالخصوصية والحوكمة.
أهم ما يميز التقنية في النهاية ليس قدرتها على إنشاء نسخة رقمية من الأشياء، وإنما تحويل هذه النسخة إلى أداة للتنبؤ واتخاذ القرار.
ومع تطور الذكاء الاصطناعي وأجهزة الاستشعار والحوسبة السحابية، يمكن أن تصبح التوائم الرقمية أكثر قدرة على تحليل كميات هائلة من البيانات واكتشاف الأنماط والتنبؤ بالمشكلات قبل ظهورها في العالم الحقيقي.
لكن نجاح هذه التقنية لن يعتمد على الذكاء الاصطناعي وحده؛ فدقة البيانات، وأمن الاتصال، والتوافق بين الأنظمة، ومعايير الخصوصية، وقدرة المؤسسات على إدارة هذه المنظومات، كلها عوامل تحدد ما إذا كان التوأم الرقمي سيصبح أداة عملية واسعة الانتشار أم مجرد نموذج رقمي آخر.
ولهذا فإن "التوأم الرقمي" ليس نسخة إلكترونية من الواقع فحسب، بل يمثل اتجاهاً نحو بناء نسخة قابلة للمراقبة والتحليل والتنبؤ من العالم الحقيقي، بحيث يمكن تجربة بعض القرارات رقمياً قبل أن يدفع العالم الحقيقي ثمن الخطأ.
المصدر:
العربيّة