مقامر محترف غيّر قواعد البريميرليغ.. السر وراء تحول برايتون إلى منجم للمواهب والملايين
في يناير/كانون الثاني 2021، أنفق نادي برايتون الإنجليزي نحو 5.9 ملايين دولار أمريكي لضم لاعب الوسط الإكوادوري مويسيس كايسيدو، البالغ من العمر 19 عاماً، من صفوف إنديبندينتي ديل فالي، وهي صفقة مرّت يومها دون اهتمام يُذكر خارج قارة أمريكا الجنوبية.
بعد عامين ونصف العام، باع برايتون اللاعب نفسه إلى تشيلسي مقابل 152 مليون دولار أمريكي، شاملة الإضافات المحتملة، في واحدة من أغلى صفقات تاريخ كرة القدم الإنجليزية.
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 بعد لمسة زيدان.. أجمل مهارات المدربين على خط التماس (فيديو)
* list 2 of 2 بن عطية يقترب من منصب مهم مع أحد عمالقة أوروبا end of list
ولم يكن نجاح النادي في اختيار كايسيدو وتطويره حالة استثنائية، فقد تعاقد مع الكاميروني كارلوس باليبا صيف عام 2023 مقابل نحو 30.4 مليون دولار أمريكي، ليحل محل كايسيدو في خط الوسط، ثم باعه إلى مانشستر يونايتد في أغسطس/آب 2026 مقابل 85.9 مليون دولار أمريكي، إضافة إلى 5 ملايين أخرى مرتبطة بشروط إضافية.
وتكررت هذه العمليات مع لاعبين في مراكز مختلفة، حتى أصبح برايتون وجهة للمواهب الشابة التي تبحث عن فرصة لإثبات قدراتها في الدوري الإنجليزي الممتاز، ومحطة تراقبها الأندية الكبرى بحثا عن نجومها المقبلين.
وراء هذه المنظومة يقف رجل الأعمال البريطاني توني بلوم، الذي صنع ثروته من المراهنات الرياضية، بعدما أتقن استخدام الرياضيات والإحصاء لتقدير احتمالات نتائج المباريات، واكتشاف الأخطاء في الأسعار التي تعرضها شركات المراهنات.
ونقل بلوم المنطق نفسه إلى كرة القدم، فبدلا من البحث عن مباراة يرى أن شركات المراهنات أخطأت في تقدير فرص أحد طرفيها، أصبح يبحث عن لاعب يعتقد أن مستواه الحقيقي وإمكاناته المستقبلية تفوق قيمته الحالية في سوق الانتقالات.
لكن تحويل هذه الفكرة إلى مشروع ناجح تطلب أكثر من مجرد برنامج لتحليل البيانات، إذ استثمر بلوم مئات الملايين في برايتون، وأنشأ منظومة تجمع بين اكتشاف المواهب وتطويرها وإعارتها وبيعها، حتى تحول النادي الذي كان يصارع في الدرجات الدنيا إلى منافس على المراكز الأوروبية في الدوري الإنجليزي.
توني بلوم.. من صالات المراهنات إلى نادي الطفولة
وُلد توني بلوم عام 1970 في مدينة برايتون الساحلية جنوبي إنجلترا، وبدأ اهتمامه بألعاب الحظ في سن الثامنة أو التاسعة، قبل أن يتجه إلى المراهنات الرياضية خلال دراسته الرياضيات في جامعة مانشستر.
وعمل لاحقا لدى شركة المحاسبة "إرنست آند يونغ"، ثم في تداول الخيارات المالية، لكنه ترك العمل في الأسواق بعد نحو 6 أشهر لاحتراف المراهنات الرياضية.
وأقر بلوم، في حديث مع لاعب الكريكيت الإنجليزي السابق مايكل أثيرتون، بأنه كان مقامرا سيئا في بداياته، يعتمد على التخمين رغم اعتقاده امتلاك إستراتيجية واضحة، قبل أن تدفعه خسائره إلى الاستعانة بالرياضيات والإحصاء لتقدير احتمالات نتائج المباريات.
وخلال التسعينيات، التحق بشركة المراهنات البريطانية "فيكتور تشاندلر"، وساهم في توسعها بالأسواق الآسيوية، حيث تعرف إلى أنظمة أكثر تعقيدا، أبرزها "الهانديكاب الآسيوي"، الذي يمنح أحد الفريقين أفضلية أو عائقا افتراضيا في عدد الأهداف لتعديل احتمالات الرهان.
مصدر الصورة
وبحسب تحقيق لموقع "بيزنس إنسايدر" (Business Insider)، كانت إحدى أبرز محطاته في نهائي مونديال 1998، عندما رأى أن فرص فوز فرنسا على البرازيل أكبر مما تعكسه أسعار المراهنات، وأقنع شركته بالمراهنة على المنتخب الفرنسي، الذي فاز بثلاثية نظيفة. ولم يتسن للتحقيق التحقق من قيمة الرهان أو أرباحه.
وأسس بلوم عام 2002 شركة "بريمير بت" للمراهنات الإلكترونية، وباعها عام 2005 مقابل نحو مليون جنيه إسترليني، قبل أن يؤسس عام 2006 شركة "ستارليزارد" (Starlizard)، المتخصصة في تحليل البيانات الرياضية وتقدير احتمالات نتائج المباريات.
وتعتمد الشركة على جمع بيانات أداء الفرق واللاعبين والإصابات والظروف المحيطة بالمباريات، وتحويلها إلى نماذج إحصائية، ثم مقارنة تقديراتها بالأسعار المعروضة في أسواق المراهنات بحثا عن فرص تحقق عوائد على المدى الطويل.
فعلى سبيل المثال، إذا كانت أسعار المراهنات تعكس احتمالا بنسبة 50% لفوز فريق، بينما تشير حسابات الشركة إلى أن فرصته تبلغ 55%، فإن هذا الفارق قد يمثل فرصة مربحة إحصائيا، حتى إن خسارة الرهان تظل ممكنة.
وعندما تولى بلوم ملكية برايتون، وجد في سوق انتقالات اللاعبين مجالا لتطبيق المنطق نفسه، بالبحث عن مواهب يرى أن إمكاناتها المستقبلية تتجاوز قيمتها السوقية، ثم تطويرها والاستفادة منها رياضيا وماليا.
كيف أنقذ برايتون من الدرجات الدنيا؟
ارتبط بلوم ببرايتون قبل سنوات طويلة من دخوله عالم الأعمال، فقد كان جده هاري بلوم نائبا لرئيس النادي في سبعينيات القرن الماضي، واعتاد توني حضور المباريات برفقة والده وجده في ملعب "غولدستون غراوند".
وخلال التسعينيات، عانى النادي من أزمات مالية وإدارية كادت تعصف بمستقبله، واضطر إلى مغادرة ملعبه التاريخي عام 1997، وخوض مبارياته خارج المدينة، قبل العودة إلى ملعب "ويذدين"، الذي كان مخصصا أساسا لألعاب القوى.
وعندما تولى بلوم رئاسة النادي في مايو/أيار 2009، كان برايتون يلعب في الدرجة الثالثة الإنجليزية، بعدما نجا بصعوبة من الهبوط إلى الدرجة الرابعة.
وقدم المالك الجديد قرضا دون فوائد بقيمة 104 مليون دولار أمريكي للمساهمة في تمويل بناء ملعب جديد، في مشروع قدرت تكلفته آنذاك بنحو 121 مليون دولار أمريكي، وافتتح عام 2011 باسم "أميكس".
ثم موّل إنشاء مركز حديث للتدريب وتطوير اللاعبين في لانسينغ، افتتح عام 2014، ليؤسس قاعدة تساعد النادي على تطوير المواهب وجذبها والاحتفاظ بها.
وبالتوازي مع تطوير المنشآت، تقدم برايتون في درجات الكرة الإنجليزية، حتى صعد إلى الدوري الممتاز عام 2017، بعد غياب استمر 34 عاما عن دوري الأضواء.
ولم يتوقف طموحه عند البقاء، إذ احتل المركز السادس في موسم 2022-2023، وتأهل للمشاركة الأوروبية للمرة الأولى في تاريخه.
وبينما كانت الأندية الكبرى تعتمد على قدراتها المالية في شراء النجوم الجاهزين، عمل برايتون على تطوير طريقة مختلفة لاختيار لاعبيه، تقوم على محاولة اكتشافهم قبل ارتفاع أسعارهم، ثم توفير الظروف التي تساعدهم على بلوغ مستويات أعلى.
كيف يكتشف برايتون المواهب التي لا يراها الآخرون؟
تعتمد عملية اكتشاف اللاعبين في برايتون على خدمات شركة "جيمستاون أناليتكس" (Jamestown Analytics)، التي انبثقت من الخبرات التحليلية المرتبطة بـ "ستارليزارد"، وتستخدم البيانات لتقييم اللاعبين والمدربين في عدد كبير من الدوريات حول العالم.
وتتيح هذه المنظومة للنادي متابعة اللاعبين في مسابقات تختلف في مستوياتها الفنية والاقتصادية، وإنتاج تقديرات تساعد على مقارنة أدائهم وإمكاناتهم المستقبلية، دون الاكتفاء بأرقامهم الخام أو شهرتهم أو القيمة السوقية المتداولة لهم.
فقد يسجل مهاجم عددا كبيرا من الأهداف في بطولة متواضعة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنه قادر على تكرار إنتاجه التهديفي في الدوري الإنجليزي. وبالمثل، قد يحقق لاعب آخر أرقاما متوسطة في بطولة قوية، بينما تشير خصائص أدائه إلى امتلاكه إمكانات لم تظهر كاملة بعد.
وتحاول أدوات التحليل مراعاة هذه الفوارق، من خلال دراسة مستوى المنافسين وطبيعة البطولة والدور الذي يؤديه اللاعب، إضافة إلى تقدير فرص تطوره مع مرور الوقت.
ولا يكشف برايتون التفاصيل التقنية للنماذج التي يعتمد عليها، حفاظا على ميزته التنافسية في سوق الانتقالات.
مصدر الصورة
وفي مقابلة مع صحيفة "أوبزرفر" (Observer) البريطانية في أغسطس/آب 2025، تحدث بلوم عن أهمية هذه الأدوات، مؤكدا أن امتلاك النادي قدرة واسعة على تقييم اللاعبين في مختلف الدوريات يمنحه أفضلية كبيرة، لكنه أقر بأن الأندية المنافسة تطور بدورها أنظمة تحليل متقدمة، ما يفرض على برايتون تحسين أدواته باستمرار.
وفي تقرير نشرته هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" اليوم الخميس، شرح المدير الرياضي للنادي مايك كايف كيفية توظيف هذه المنظومة، موضحا أن البيانات تساعد على اكتشاف المواهب حول العالم بكفاءة، وتتيح للإدارة التحرك بسرعة في سوق شديدة التنافس.
لكن كايف شدد على أن الأرقام لا تمثل سوى بداية لعملية طويلة تنتهي باختيار لاعب يستطيع النجاح داخل الفريق.
وقال إن برايتون لا يبحث عن خاصية واحدة أو مؤشر إحصائي بعينه، وإنما يحاول تقييم أداء اللاعب وإمكاناته المستقبلية على امتداد فترة زمنية، مع مراعاة تعقيد اللعبة واختلاف الظروف التي يمارسها اللاعبون حول العالم.
وتأتي بعد ذلك مرحلة تقييم لا تقل أهمية، تتعلق بشخصية اللاعب وخلفيته وقدرته على التكيف مع الحياة داخل النادي وخارجه.
وأوضح كيف أن برايتون يستثمر وقتا كبيرا في جمع معلومات عن شخصية اللاعب وأسرته ومدى ملاءمته لبيئة الفريق، لأن النجاح الرياضي يتأثر أيضا بقدرته على الاستقرار في بلد جديد والتعامل مع متطلبات الدوري الإنجليزي.
وبذلك يجمع النادي بين التحليل الإحصائي والتقييم البشري، قبل أن يقرر التعاقد مع اللاعب ووضع المسار المناسب لتطويره.
الإعارات.. كيف يحول برايتون المواهب الخام إلى نجوم؟
لا تنتهي عملية الاستثمار في اللاعبين بمجرد التعاقد معهم، فقد يقضي بعضهم سنوات خارج برايتون قبل أن يحصلوا على فرصة المشاركة مع الفريق الأول.
وتقوم هذه السياسة على اختيار أندية تمنح اللاعبين دقائق لعب منتظمة، وتوفر لهم بيئة تنافسية مناسبة لتطوير المهارات التي يحتاجون إليها قبل الانتقال إلى مستوى أعلى.
وبحسب "بي بي سي"، أبرم برايتون أكثر من 20 صفقة إعارة في كل موسم منذ 2018-2019، وبلغ عددها 27 إعارة خلال موسم 2025-2026، بينما أعار 16 لاعبا في سوق الانتقالات الصيفية الأخيرة.
ولا يتعامل النادي مع الإعارة باعتبارها وسيلة للتخلص مؤقتا من اللاعبين غير المطلوبين، وإنما يحدد وجهاتهم وفقا لمستوى المنافسة وأسلوب المدرب وفرص المشاركة والتطور.
وتبرز تجربة الأرجنتيني بوصفها أحد أبرز الأمثلة على نجاح هذه السياسة.
مصدر الصورة
ففي يناير/كانون الثاني 2019، دفع برايتون نحو8.9 ملايين دولار أمريكي للتعاقد معه من أرجنتينوس جونيورز، عندما كان يبلغ من العمر 20 عاما، لكنه أعاره مباشرة إلى ناديه السابق، ثم إلى بوكا جونيورز، قبل أن يلتحق بالفريق الإنجليزي صيف عام 2020.
وخلال السنوات التالية، تطور ماك أليستر تدريجيا حتى أصبح لاعبا أساسيا في برايتون، ثم شارك مع منتخب الأرجنتين في الفوز بكأس العالم 2022، قبل أن ينتقل إلى ليفربول عام 2023 مقابل 46 مليون دولار أمريكي، مع إمكانية ارتفاع الصفقة إلى 55 مليونا وفقا للبنود الإضافية.
وتكررت التجربة مع المدافع الهولندي يان بول فان هيكه، الذي تعاقد معه برايتون من ناك بريدا عام 2020، عندما كان يبلغ 20 عاما. وأمضى اللاعب موسمين معارا إلى هيرنفين الهولندي وبلاكبيرن روفرز الإنجليزي، قبل أن يعود إلى برايتون ويصبح أحد أعمدة دفاعه، ويصل إلى منتخب هولندا.
وفي يونيو/حزيران 2026، باعه النادي إلى توتنهام مقابل68.7 مليون دولار أميركي، بعدما قضى 6 سنوات في منظومة التطوير، مع احتفاظ برايتون بنسبة من قيمة أي انتقال مستقبلي.
وتواصلت هذه السياسة مع مجموعة جديدة من اللاعبين، من بينهم المالي ماليك يالكوييه، الذي استقدمه برايتون من غوتنبرغ السويدي مقابل نحو 6 ملايين جنيه، ثم أعاره إلى شتورم غراتس النمساوي وسوانزي سيتي الإنجليزي، قبل أن يعود إلى الفريق الأول ويسجل هدفين في أول 5 مشاركات له بالدوري الممتاز هذا الموسم.
كما تعاقد النادي مع الجناح الغاني إبراهيم عثمان مقابل نحو 21.6 مليون دولار أمريكي من نوردشيلاند الدنماركي، وأعاره تباعا إلى فينورد الهولندي وأوكسير الفرنسي وبرمنغهام سيتي الإنجليزي، قبل انضمامه إلى الفريق الأول خلال الموسم الحالي.
أما الكولومبي ماتياس أوروزكو، البالغ 18 عاما، فقد انضم إلى برايتون مقابل نحو 4.9 ملاين دولار أميركي من ديبورتيفو كالي، وانتقل مباشرة على سبيل الإعارة إلى كاستيون في الدرجة الثانية الإسبانية، قبل أن يحصل على فرصته الأولى مع منتخب بلاده الأول خلال فترة التوقف الدولي الحالية.
وتوضح هذه الحالات أن برايتون لا يكتفي بالبحث عن اللاعبين الذين يمتلكون موهبة استثنائية، بل يحاول تحديد الخطوات التي تتيح لهم تطوير قدراتهم قبل مطالبتهم بمواجهة متطلبات الدوري الإنجليزي الممتاز.
62 صفقة شراء.. برايتون يربح وتشيلسي يدفع
تنعكس نتائج هذه السياسة بوضوح في سوق الانتقالات، حيث أصبح برايتون يبيع لاعبيه بمبالغ تفوق كثيرا تكلفة شرائهم.
ففي عام 2021، باع المدافع الإنجليزي بن وايت إلى أرسنال مقابل 66 مليون دولار أمريكي، بعدما طوره عبر تجارب إعارة متدرجة، أبرزها مع ليدز يونايتد.
وانضم المهاجم البرازيلي جواو بيدرو إلى قائمة الصفقات المربحة، بعدما تعاقد معه برايتون من واتفورد عام 2023 مقابل نحو 38 مليون دولار أمريكي، ثم باعه إلى تشيلسي صيف عام 2025 في صفقة وصلت قيمتها إلى 79.3 مليون دولار.
مصدر الصورة
لكن اللافت أن برايتون لا يحقق هذه العوائد عبر الاكتفاء بعدد محدود من الصفقات، إذ يعد من أكثر الأندية نشاطا في شراء اللاعبين.
فوفقا لتحليل "بي بي سي"، أبرم النادي 62 صفقة شراء نهائية خلال المواسم الخمسة الأخيرة، وهو ثاني أعلى عدد بين الأندية التي شاركت في الدوري الإنجليزي طوال تلك الفترة، خلف تشيلسي الذي أبرم 72 صفقة.
ورغم تقارب عدد التعاقدات، فإن النتائج المالية لعمليات البيع والشراء تختلف بدرجة كبيرة.
فقد حقق برايتون فائضا في صافي رسوم الانتقالات بلغ نحو 13.2 مليون دولار خلال تلك المواسم، بينما سجل تشيلسي صافي إنفاق بلغ 953 مليون دولار.
وتبرز هذه المقارنة الفارق بين ناديين ينشطان في السوق نفسها، لكنهما يتبنيان طريقتين مختلفتين لبناء الفرق، إذ يركز تشيلسي على استقدام عدد كبير من اللاعبين باستثمارات ضخمة، بينما يحاول برايتون الموازنة بين تكلفة التعاقدات وإيرادات بيع اللاعبين.
ولا يعني ذلك أن برايتون يتعاقد مع كل موهبة بهدف بيعها في أقرب فرصة، فقد أكد مديره الرياضي مايك كايف أن الإدارة لا تبدأ عملية التعاقد بالتفكير في موعد بيع اللاعب أو المبلغ الذي ستحصل عليه.
وأوضح أن الأولوية تتمثل في تطوير اللاعب والاستفادة منه داخل الفريق، لكن عندما يحين وقت رحيله، يسعى النادي إلى تحقيق أكبر عائد ممكن، وإعادة استثماره في تحسين التشكيلة.
وهذه السياسة تمنح برايتون فرصة الاحتفاظ بقدرته التنافسية رغم رحيل نجومه، لكنها تضعه أمام تحد دائم، يتمثل في ضرورة اكتشاف البديل المناسب قبل أن يخسر أحد لاعبيه الأساسيين.
من كايسيدو إلى باليبا.. كيف يصنع برايتون البدائل؟
توضح تحركات برايتون في مركز الوسط الدفاعي الطريقة التي يتعامل بها مع رحيل نجومه.
فقد تعاقد عام 2018 مع المالي إيف بيسوما مقابل نحو 19.8 مليون دولار أمريكي، ثم باعه إلى توتنهام عام 2022 في صفقة قدرت بنحو 46.3 مليونا.
وخلال تلك الفترة، كان النادي قد تعاقد مع كايسيدو، الذي تحول لاحقا إلى أحد أبرز لاعبي الوسط في الدوري الإنجليزي، قبل أن ينتقل إلى تشيلسي مقابل 152.1 مليون دولار.
ولم ينتظر برايتون طويلا بعد رحيل كايسيدو، إذ ضم باليبا من ليل الفرنسي، ليصبح تدريجيا أحد أبرز لاعبيه، ثم ينتقل بدوره إلى مانشستر يونايتد مقابل 92.6 مليونا، شاملة الإضافات، في أغسطس/آب الماضي.
وبعد رحيل باليبا، تعاقد النادي مع الإسباني تشيما أندريس، البالغ 21 عاما، من شتوتغارت الألماني مقابل نحو 23.8 مليون دولار، بعدما تدرج في الفئات السنية لريال مدريد وخاض موسما في الدوري الألماني.
وكرر برايتون العملية في الدفاع، إذ استثمر عائد رحيل فان هيكه إلى توتنهام في التعاقد مع الكرواتي لوكا فوشكوفيتش، البالغ 19 عاما، من النادي اللندني نفسه، في صفقة قدرت بنحو 66.1 مليون دولار شاملة الإضافات، وهي الأغلى في تاريخ مشتريات برايتون.
ويعكس ارتفاع قيمة هذه التعاقدات تطور النموذج المالي للنادي، فلم يعد يقتصر على شراء اللاعبين بأسعار منخفضة، بل أصبح مستعدا لدفع عشرات الملايين مقابل مواهب يرى أنها قادرة على التطور والمساهمة في نجاح الفريق لسنوات.
وبذلك تتحول إيرادات البيع إلى مصدر لتمويل صفقات جديدة، بينما يحاول النادي الحفاظ على التوازن بين تطوير اللاعبين وتحقيق النتائج الرياضية.
هل يربح برايتون دائما؟
رغم الأرقام الكبيرة التي حققها برايتون من بيع اللاعبين، فإن نجاحه في سوق الانتقالات لا يعني بالضرورة تحقيق أرباح مالية في كل موسم.
فقد أعلن النادي تسجيل صافي ربح بعد الضرائب بلغ 162.4 مليون دولار في السنة المالية 2022-2023، مستفيدا من إيرادات بيع ماك أليستر وكوكوريلا وبيسوما، إلى جانب التعويضات التي حصل عليها مقابل رحيل المدرب غراهام بوتر إلى تشيلسي.
وفي موسم 2023-2024، سجل ربحا تشغيليا قبل الفوائد والضرائب بلغ 97 مليون دولار، بعدما استفاد من صفقة بيع كايسيدو، وحقق إيرادات قياسية بلغت 294.2 مليون دولار.
لكن حسابات موسم 2024-2025 أظهرت خسارة تشغيلية قبل الفوائد والضرائب بلغت 72 مليون دولار، نتيجة عوامل عدة، من بينها ارتفاع تكلفة التعاقدات وإطفاء قيم عقود اللاعبين محاسبيا، بعدما أنفق النادي نحو 277.8 مليون دولار لتعزيز تشكيلته.
وأوضح برايتون أن تلك الحسابات لم تشمل إيرادات الصفقات التي أبرمها بعد 30 يونيو/حزيران 2025، ومن بينها بيع جواو بيدرو وسيمون أدينغرا وخوليو إنسيسو وبيرفيس إستوبينيان.
كما لا يزال المشروع يعتمد بدرجة كبيرة على التمويل الذي يقدمه بلوم، إذ ذكرت صحيفة "الغارديان" (The Guardian) أنه قدم قرضا إضافيا بقيمة 141.5 مليون دولار في يناير/كانون الثاني 2026، ليرتفع إجمالي قروضه للنادي إلى نحو 529.1 مليون دولار.
وتوضح هذه الأرقام أن نموذج برايتون لا يقوم على تحويل كل صفقة بيع إلى ربح صاف، وإنما يعتمد على إعادة الاستثمار والتخطيط طويل الأجل، في ظل ارتفاع تكاليف المنافسة في الدوري الإنجليزي.
كما أن بلوم لم يترك نشاط المراهنات بعد دخوله عالم كرة القدم، إذ تتيح له ترتيبات تنظيمية وضعها الاتحاد الإنجليزي عام 2014 الاستمرار في المراهنة على مسابقات لا يشارك فيها برايتون، وفق ضوابط محددة.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، نفى بلوم اتهامات نشرتها صحيفة "الغارديان" البريطانية بشأن المراهنة على مباريات فرق يملك حصصا فيها، مؤكدا أنه لم يراهن على مباريات برايتون منذ توليه ملكية النادي عام 2009، وأن نشاطه يخضع لمراجعة سنوية للتحقق من الامتثال لشروط الاتحاد الإنجليزي.
هل يستطيع برايتون تحويل نجاحه المالي إلى بطولات؟
لم يعد التحدي أمام برايتون مقتصرا على اكتشاف اللاعبين وتطويرهم وبيعهم، بعدما أصبح نجاحه في سوق الانتقالات معروفا لدى الأندية الكبرى، التي باتت تراقب الصفقات التي يبرمها وتنافسه على المواهب الشابة.
كما أن زيادة اعتماد الأندية على التحليل الإحصائي تجعل اكتشاف اللاعبين الذين تقل قيمتهم السوقية عن إمكاناتهم الحقيقية أكثر صعوبة، وهو ما أقر به بلوم في مقابلات سابقة، عندما أكد ضرورة تطوير أدوات برايتون باستمرار للحفاظ على تفوقه.
ويتمثل التحدي الآخر في قدرة النادي على الاحتفاظ بلاعبيه مدة كافية لبناء فريق ينافس على الألقاب، بدلا من الاضطرار إلى إعادة تشكيل خطوطه الرئيسية كلما تلقى عرضا ماليا كبيرا.
مصدر الصورة
ومع ذلك، يدخل برايتون فترة التوقف الدولي الحالية وهو يحتل المركز الثالث في الدوري الإنجليزي الممتاز، بعدما حقق فوزا لافتا على أرسنال حامل اللقب بثلاثية نظيفة، كما يستعد للمشاركة في دوري المؤتمر الأوروبي، وسط آمال بالتتويج بأول لقب كبير في تاريخه الممتد إلى 125 عاما.
وكان بلوم قد أعلن رغبته في رؤية برايتون يفوز ببطولة، مؤكدا أن التأهل المستمر إلى المنافسات الأوروبية أصبح أحد أهداف النادي، رغم صعوبة منافسة الأندية الأكثر ثراء على الألقاب المحلية.
وبعد 17 عاما من توليه رئاسة برايتون، نجح الرجل الذي اعتاد البحث عن الأخطاء في تقدير احتمالات نتائج المباريات في بناء منظومة تبحث عن الأخطاء في تقييم المواهب.
فقد اشترى النادي لاعبين بملايين قليلة، ثم باع بعضهم بعشرات الملايين، واستثمر العوائد في استقدام مواهب جديدة وتطويرها، حتى أصبح قادرا على المنافسة في الدوري الإنجليزي دون الحاجة إلى مجاراة كبار أنديته في صافي الإنفاق على الانتقالات.
لكن الاختبار الأصعب أمام بلوم لم يعد يتعلق بقدرته على اكتشاف نجم جديد أو تحقيق صفقة مربحة، وإنما بما إذا كان برايتون يستطيع الاحتفاظ بما يكفي من نجومه لتحويل نجاحه في صناعة اللاعبين وبيعهم إلى بطولات على أرض الملعب.