آخر الأخبار

150 عالما في الرياضيات يحذرون من "الهالة الكبيرة" حول الذكاء الاصطناعي

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

هل الرياضيات عبارة عن مجرد مجموعة من المسائل التي تنتظر الحل، أم أنها سباق لإنتاج إجابات أسرع وأكثر عددا؟ الإجابة: "لا هذا ولا ذاك "، فالرياضيات في جوهرها هي بناء دقيق يقوم على البرهان، والفهم، والتحقق، والتراكم البطيء للمعرفة.

لذلك، حين دخل الذكاء الاصطناعي بقوة إلى هذا المجال، كان السؤال الرئيسي عن الطريقة التي يمكن للآلة من خلالها أن تغير طبيعة الرياضيات نفسها، وهذا هو جوهر التحذير الذي يحمله " إعلان لايدن حول الذكاء الاصطناعي والرياضيات "، وهو بيان علمي أصدرته مجموعة دولية من الباحثين للتنبيه إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يضع الرياضيات أمام فرصة تقنية فقط، بل أمام اختبار أخلاقي ومعرفي يمس قيمها الأساسية.

من هذا المنطلق، فإن المشكلة لا تكمن في استخدام الحاسوب أو الخوارزميات، فقد استخدم الرياضيون الأدوات الحاسوبية لعقود، لكن الجديد هو ظهور أنظمة قادرة على توليد براهين، واقتراح أفكار، وكتابة مسودات بحثية، والمساعدة في المراجعة، أحيانا بطريقة تبدو واثقة ومقنعة، حتى حين تكون النتيجة خاطئة أو غير مفهومة بالكامل، بحسب البيان، الذي يحدد 5 أخطار للذكاء الاصطناعي في الرياضيات، يعد هذا أولها.

مصدر الصورة تجمع متخصصي الرياضيات أثناء اعلان لايدن (جامعة لايدن)

مشكلة البرهان

في الرياضيات، لا تكفي النتيجة الصحيحة وحدها، فما يمنح النتيجة قيمتها هو الطريق الذي يقود إليها، والذي يبدأ من "البرهان ".

والبرهان ليس مجرد سلسلة من الرموز، بل وسيلة تجعل العقل البشري قادرا على فهم لماذا تكون العبارة صحيحة، من هنا يأتي قلق العلماء الأول، حيث يمكن للذكاء الاصطناعي أن ينتج براهين تبدو متماسكة، لكنها تحتوي على أخطاء دقيقة يصعب التقاطها.

وهذه الأخطاء، إن دخلت الأدبيات العلمية دون فحص صارم بحسب الإعلان، فقد تتحول إلى أساس هش يبني عليه آخرون نتائج جديدة، وهي مشكلة تواجهها العلوم الأخرى مثل الفيزياء والكيمياء وغيرها، وبخاصة الطب، بسبب دخول الذكاء الاصطناعي إلى النشر البحثي، لكنها أكبر في الرياضيات، كون مجالها التجريبي شبه منعدم، فهي مختلفة في طبيعتها وأساليب إقرارها عن العلوم التجريبية.

إعلان

ولفهم الفكرة، تخيل الأمر مثل بناء برج شاهق فوق حجر صغير متصدع، فقد لا يظهر الخلل في البداية، لكن كل طابق جديد يزيد الخطر. وفي مجال مثل الرياضيات، حيث تعتمد النتائج اللاحقة على نتائج سابقة، يمكن لخطأ غير مرئي أن ينتشر عبر أبحاث متعددة، فيربك المجال بدل أن يقدمه.

مصدر الصورة الرياضيات تقوم على الاعتراف بعمل البشر (جامعة لايدن)

من الإنصاف للتبعية

الخطر الثاني يتعلق بالإنصاف والإسناد، فالرياضيات، كغيرها من العلوم، تقوم على الاعتراف بعمل البشر، وفي هذا السياق فإن كل فكرة غالبا ما تكون امتدادا لتاريخ طويل من الجهد الجماعي.

لكن نماذج الذكاء الاصطناعي تتدرب على كميات ضخمة من النصوص، وقد تعيد إنتاج أفكار أو صيغ أو أنماط برهانية مستمدة من أعمال سابقة دون إسناد واضح، هنا تظهر مشكلة، فنحن لا نعرف من صاحب الفكرة، ومن يستحق الاعتراف، وهل النتيجة التي تبدو جديدة هي فعلا جديدة، أم إعادة تركيب لعمل بشري قائم.

هذه المسألة، بحسب إعلان لايدن، تمس عدالة النظام العلمي، فالاعتراف في العلم ليس مكافأة رمزية فقط، بل هو جزء من آلية بناء الثقة.

أما الخطر الثالث فهو التبعية واللامساواة، فإذا أصبحت القدرة على إنتاج أبحاث رياضية متقدمة مرتبطة بالحصول على أقوى نماذج الذكاء الاصطناعي، وأغلى الموارد الحاسوبية، فإن المنافسة العلمية قد تتحول من منافسة في الفهم والمهارة إلى منافسة في الوصول إلى التكنولوجيا.

في هذه الحالة، يصبح الباحث الموجود في جامعة غنية أو مؤسسة مرتبطة بشركات كبرى في موقع أفضل من باحث موهوب في جامعة محدودة الموارد، وهذا يهدد الطابع العالمي للرياضيات، بوصفها مجالا يمكن أن يبدع فيه أي عقل، طالما كان موهوبا ومجتهدا. وتزداد المشكلة حين تكون الأدوات نفسها مملوكة لشركات خاصة، لا يعرف الباحثون تمامًا كيف تعمل أو على أي بيانات دربت أو ما حدودها.

المبالغة الإعلامية

الخطر الرابع هو المبالغة الإعلامية، وهو خطر يشمل كل مجال دخل إليه الذكاء الاصطناعي تقريبا، ففي السنوات الأخيرة، تحولت إنجازات الذكاء الاصطناعي إلى مادة مفضلة للعناوين الصاخبة، لكن الرياضيات لا تقاس بالعناوين, بل بالتدقيق، والمراجعة، وإعادة الفحص.

وقد يكون النظام قد ساعد فعلا في اكتشاف نمط أو اقتراح طريق، لكن تحويل ذلك إلى قصة عن "استبدال الإنسان " يظلم الحقيقة العلمية، ويطمس دور الباحثين الذين صاغوا السؤال، وفسروا النتيجة، وتحققوا منها.

هذا التضخيم لا يسيء إلى صورة الرياضيات فقط، بل قد يؤثر في تمويل البحث واتجاهاته، فإذا صدّق الجمهور أو المؤسسات أن الذكاء الاصطناعي قادر وحده على إنتاج المعرفة، فقد يقل تقدير العمل البشري البطيء والعميق، وهو العمل الذي تقوم عليه الرياضيات أصلًا.

الخطر الخامس، وربما الأعمق بحسب إعلان لايدن، هو فقدان الاستقلال، لأن الرياضيات كانت، عبر تاريخها، تختار الكثير من أسئلتها بدافع الفضول، والجمال الداخلي، والرغبة في الفهم.

لكن إذا بدأت الإمكانات التقنية أو المصالح التجارية في توجيه ما يستحق البحث، فقد تنحرف الرياضيات عن استقلالها، وهنا لا تعود الأسئلة المهمة هي الأسئلة الأعمق، بل الأسئلة التي تستطيع النماذج التعامل معها، أو التي تجذب تمويلا، أو التي تخدم شركات بعينها.

مصدر الصورة blogs – mathematics (مواقع التواصل الاجتماعي)

لا للمنع.. نعم للضبط

ومع ذلك، لا يدعو إعلان لايدن إلى رفض الذكاء الاصطناعي أو منعه، فهذه الأدوات يمكن أن تكون مفيدة بالفعل، حيث يمكن أن تساعد في استكشاف أفكار أولية، أو فحص حالات كثيرة، أو اقتراح أمثلة مضادة، أو تسريع بعض خطوات الكتابة والمراجعة.

إعلان

لكن يشدد الإعلان على أن يكون استخدامها شفافا ومسؤولا، وعلى الباحث أن يوضح ما الأداة التي استخدمها، وكيف استخدمها، وما الجزء الذي ساهمت فيه، وأن تبقى المسؤولية العلمية النهائية على الإنسان، لا على النظام.

الفكرة الأساسية هنا أن الذكاء الاصطناعي ينبغي أن يكون أداة، لا مؤلفا، ومساعدا، لا حكمًا نهائيا، فالرياضيات، مهما بلغت درجة تجريدها، تعد نشاطا إنسانيا عميقا، ولا تعني فقط معرفة ما هو صحيح، بل فهم لماذا هو صحيح، وكيف يرتبط بما نعرفه، وما الأسئلة الجديدة التي يفتحها.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار