خبرني – وجه ذوو مريض راجع مستشفى حكوميا في إحدى المحافظات وسط الأردن، رسالة إلى الحكومة حول معاناتهم أثناء مراجعة المريض، بدءا من التشخيص مرورا بوجود سرير، وانتهاء بعدم وجود اختصاصي جراحة دماغ وأعصاب في المستشفى الذي يخدم كامل المحافظة.
وفيما يلي الرسالة:
مستشفى (...)وقصة الألم المؤلم
رسالة مفتوحة إلى رئيس الوزراء ووزير الصحة:
نكتب إليكم اليوم وقلب أسرة كاملة يعتصره الألم، وعين أبنائها تراقب والدهم وهو يصارع المرض وسط شعور مرير بالعجز، ليس فقط أمام قسوة المرض، بل أمام واقع صحي يطرح أسئلة مؤلمة عن حق المواطن في العلاج والرعاية والحياة.
قبل أسبوعين تقريباً، استغاثت أم بأبنائها بعدما لاحظت أن زوجها لا يتحرك بصورة طبيعية. هرع الأبناء لنقله إلى مستشفى (...)، وهم يظنون أن المستشفى سيكون الملاذ الآمن الذي يحمي حياة والدهم.
أُجريت الفحوصات والصور الطبية، ثم قيل لهم إن الحالة مجرد نقص في السوائل، وطُلب منهم إعادة والدهم إلى المنزل وإعطاؤه العصائر والسوائل، فغادرت العائلة المستشفى مطمئنة إلى تشخيص الأطباء، ومؤمنة بأن والدها بخير.
لكن بعد ساعات قليلة فقط، تلقى الأبناء اتصالاً من المستشفى يطلب منهم إعادة والدهم فوراً، بعدما تبين أن الرجل مصاب بنزيف دماغي .
أي وجع هذا الذي يمكن أن تشعر به أسرة تسمع تشخيصين متناقضين خلال ساعات معدودة!
وأي ثقة يمكن أن تبقى لدى المواطن عندما تتحول جلطة دماغية خطيرة إلى “نقص سوائل” ثم تعود لتصبح جلطة بعد فوات ساعات ثمينة قد تكون حاسمة في إنقاذ الدماغ والحياة؟
لم تتوقف المعاناة عند هذا الحد.
أُجبرت الأسرة على نقل المريض مرة أخرى بوسائلها الخاصة، دون سيارة إسعاف مجهزة، ودون مرافقة طبية متخصصة، بينما الوقت في مثل هذه الحالات يساوي حياة إنسان كاملة.
وعندما وصلوا إلى المستشفى كانت الصدمة الجديدة بانتظارهم؛ لا يوجد سرير متاح لاستقبال مريض في حالة حرجة، إلى أن تم تأمين سرير له بعد عناء!
ثم ظهرت الحقيقة الأكثر إيلاماً: المستشفى الذي يخدم محافظة بأكملها لا يملك اختصاصي أعصاب للتعامل مع حالة جلطة دماغية بهذا المستوى من الخطورة، وكذلك معظم التخصصات الطبيه الرئيسية، ولا تتوافر فيه الإمكانات الكافية التي يحتاجها المريض، وفي الوقت ذاته لا يمكن نقله إلى مستشفيات أكثر تخصصاً لأن حالته لا تسمح بذلك.
دولة الرئيس…
معالي الوزير…
هل يُعقل أن يعيش مواطن أردني هذه الرحلة من الخوف والضياع بين التشخيص الخاطئ، وتأخر اكتشاف الحالة، ونقص الأسرة، وغياب الاختصاصات الطبية؟
هل يُعقل أن تبقى محافظة كاملة تضم مئات الآلاف من المواطنين دون منظومة متكاملة للتعامل مع أخطر الحالات العصبية والدماغية؟
هل أصبحت حياة الإنسان أقل قيمة من أن تتوافر له أبسط مقومات الرعاية الطبية المتخصصة؟
إننا لا نكتب هذه الرسالة بحثاً عن الشفقة، ولا سعياً لإثارة الجدل، بل لأن ما حدث ليس مأساة عائلة واحدة فقط، بل جرس إنذار يمس كل بيت في محافظتنا وكل مواطن قد يجد نفسه غداً في الموقف ذاته، ومن منطلق حق نطالب فيه بتأمين والدنا بالعلاج في مستشفى ذي اختصاص.
نطالب بتحقيق شفاف ومسؤول يوضح للرأي العام ما الذي حدث، وكيف حدث، ومن المسؤول عن ضياع الساعات الأولى الحرجة من عمر المرض. كما نطالب بخطة عاجلة لتعزيز مستشفى (...) بالاختصاصات الطبية الضرورية، وفي مقدمتها اختصاص الأعصاب والطوارئ المتقدمة، حتى لا يبقى المواطن رهينة للنقص والعجز الإداري والطبي.
إن كرامة الإنسان تبدأ من حقه في العلاج، والدولة التي تحمي مواطنيها هي الدولة التي تضمن لهم الرعاية الصحية عندما يكونون في أضعف لحظاتهم.
اليوم تقف أسرة كاملة أمام مشهد والدها وهو يموت ببطء أمام أعينها، عاجزة عن فعل شيء، وتتساءل: لو توفرت الإمكانات، ولو كان التشخيص أدق، ولو كانت الخدمات الصحية أكثر جاهزية، هل كان يمكن أن يكون المشهد مختلفاً؟
هذا السؤال لا يخص هذه الأسرة وحدها، بل يخص كل مواطن أردني.
والإجابة عنه مسؤولية الدولة بكامل مؤسساتها المعنية
والسلام.
المصدر:
خبرني