نجح تلسكوب "جيمس ويب" الفضائي في كشف الأصل الحقيقي للجرم العملاق "29 بي الدجاجة"، مرجحا أنه ولد ككوكب تشكل تدريجيا من تراكم الغبار والصخور داخل قرص كوكبي، لا كجرم نجمي نشأ من انهيار مباشر لسحابة غازية.
وجاء هذا الاستنتاج استنادا إلى مؤشرين بارزين: غلاف جوي غني بالعناصر الثقيلة، ومدار منسجم مع دوران نجمه الأم، وهما علامتان تفتحان نافذة جديدة على كيفية تشكل أضخم الكواكب في مجرتنا.
"29 بي الدجاجة" ليس مجرد كوكب ضخم، بل حالة استثنائية تعيد طرح سؤال قديم الموضع الذي ينتهي عنده عالم الكواكب ويبدأ عالم النجوم، فهو يقف في منطقة وسطى ملتبسة، على الحد الفاصل بين الاثنين، ما يجعله مفتاحا مهما لفهم الطريقة التي تولد بها العوالم العملاقة.
وباستخدام تلسكوب "جيمس ويب" التابع لوكالة ناسا، بالتعاون مع وكالتي الفضاء الأوروبية والكندية، نجح فريق دولي من الفلكيين في التقاط صورة مباشرة لهذا العملاق. ولم يكن الرقم المرتبط بكتلته مجرد معلومة، بل مفتاحا لحل جدل علمي طويل حول ما إذا كانت هذه الأجسام الضخمة كواكب أم "نجوم فاشلة".
لفهم أهمية هذا الاكتشاف، يشير العلماء إلى وجود حد فيزيائي مهم عند نحو 13 ضعف كتلة المشتري؛ حيث يمكن للجرم عندها أن يبدأ اندماج "الديوتيريوم" في قلبه، فيتحول إلى ما يُعرف بـ"القزم البني".
ويطلق على القزم البني لقب "النجم الفاشل"، لأنه يتكوّن من الهيدروجين والهيليوم مثل النجوم، لكنه لا يمتلك الكتلة الكافية لبدء اندماج الهيدروجين الكامل. أما كوكب المشتري، فرغم امتلاكه خصائص قريبة من النجوم، فإنه لم يصل إلى الكتلة المطلوبة ليصبح قزما بنيا، ولذلك بقي كوكبا غازيا.
وهنا تكمن المفارقة؛ إذ إن "29 بي الدجاجة" يمتلك كتلة كافية ليكون قزما بنيا، لكنه أثبت أنه تشكّل ككوكب.
استخدم فريق البحث كاميرا "الأشعة تحت الحمراء القريبة- نيركام" (NIRCam) المزودة بتقنية حجب ضوء النجم، ما أتاح تحليل الضوء المنبعث من الغلاف الجوي للكوكب. وكشف التحليل عن وفرة كبيرة في العناصر الثقيلة مثل الكربون والأكسجين، حيث تعادل كمية هذه العناصر نحو 150 ضعف كتلة الأرض.
وتعد هذه "المعدنية العالية" دليلا حاسما على طريقة التكوّن؛ إذ تشير إلى أن الكوكب نشأ عبر عملية "التراكم اللبي"، حيث تتجمع الصخور والجليد تدريجيا لتشكّل نواة صلبة، ثم تجذب الغازات. وعلى العكس، تتكوّن النجوم والأقزام البنية عبر انهيار سحب غازية مباشرة.
ولم تتوقف الأدلة عند التركيب الكيميائي، بل امتدت إلى سلوك المدار. فقد أظهرت القياسات أن مدار الكوكب يتوافق مع محور دوران نجمه الأم، وهي سمة مميزة للأجرام التي تتشكل داخل الأقراص الكوكبية. ويعزز هذا التناغم فرضية نشأة الكوكب داخل قرص كوكبي حول نجمه.
ورغم بُعد الكوكب عن نجمه مسافة تقارب 2.4 مليار كيلومتر، فإن حرارته مرتفعة، إذ تتراوح بين 530 و1000 درجة مئوية، ويُعزى ذلك إلى احتفاظه بحرارة تكوّنه، إذ لا يزال شابا فتيا ويحمل الطاقة الناتجة عن اصطدام المواد أثناء نشأته.
يمثل هذا الاكتشاف تحديا للنماذج النظرية التي كانت تشكك في إمكانية تكوّن كواكب بهذا الحجم عبر التراكم في المناطق البعيدة عن النجوم، حيث تقل كثافة المواد، لكن "29 بي الدجاجة" أثبت أن الطبيعة قادرة على بناء عوالم أضخم مما كان متوقعا.
كما يفتح الباب أمام تساؤلات جديدة حول الحدود الحقيقية بين الكواكب والنجوم، ودور العمليات المختلفة في تشكيل الأجرام السماوية الضخمة.
ولا يمثل هذا البحث نهاية الطريق، بل بداية مرحلة جديدة؛ إذ يندرج هذا الكوكب ضمن برنامج أوسع يدرس أجراما تتراوح كتلها بين 1 و15 ضعف كتلة المشتري، بهدف فهم التنوع الكوكبي في مجرتنا، وكيف يمكن للغبار والغاز أن يتحولا إلى عوالم عملاقة تتحدى التصنيفات التقليدية.
وبينما نراقب السماء، يذكرنا تلسكوب ويب أن الكون ليس مجرد مساحات فارغة، بل هو مختبر فيزيائي عملاق تُطبخ فيه العوالم بآليات معقدة، وما كوكب المشتري في نظامنا إلا نسخة مصغرة من عمالقة أكثر جموحا تنتظر من يكتشفها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة