الوكيل الإخباري- بعد مرور نحو عام على بدء تطبيق التعديلات المتعلقة بحبس المدين في قانون التنفيذ، عاد الجدل مجددا حول قدرة المنظومة الجديدة على تحقيق التوازن بين حماية المدين من الحبس وضمان حق الدائن في تحصيل أمواله، في وقت يرى فيه قانونيون أن التجربة العملية كشفت عن تحديات تتعلق بالبدائل المتاحة لتحصيل الدين، خصوصا في الحالات التي لا يمتلك فيها المدين أموالا ظاهرة يمكن الحجز عليها.
وبينما حققت التعديلات أحد أهدافها المتمثل في الحد من اللجوء إلى الحبس في قضايا الديون، بما ينسجم مع المادة (11) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، فإن قانونيين يرون أن المشكلة انتقلت في جانب منها إلى الدائن، الذي قد يحصل على حكم قضائي يثبت حقه، لكنه يواجه لاحقا صعوبة في تنفيذه فعليا واستيفاء أمواله، وفق ما أوردته يومية الغد.
وأعاد ذلك طرح تساؤلات حول مدى كفاية وسائل التنفيذ المتاحة حاليا، والحاجة إلى إيجاد أدوات أخرى تضمن حقوق الدائن، وفي الوقت ذاته تكون قادرة على التمييز بين المدين المعسر فعليا، الذي لا يمتلك القدرة على الوفاء بالتزاماته، والمدين القادر على السداد لكنه يمتنع عن ذلك أو يتهرب منه.
وكانت التعديلات المتعلقة بحبس المدين قد دخلت حيز التطبيق في 25 حزيران (يونيو) 2025، بعد انتهاء الفترة الانتقالية التي منحها القانون، وجاءت في إطار الحد من استخدام الحبس كوسيلة لتحصيل الديون، والتوسع في الاعتماد على بدائل أخرى، من بينها الحجز على الأموال المنقولة وغير المنقولة، والمنع من السفر، والتسويات المالية.
وجاء هذا التوجه منسجما مع الاعتبارات الحقوقية والالتزامات الدولية التي تؤكد عدم جواز سجن الإنسان لمجرد عجزه عن الوفاء بالتزام تعاقدي، إلا أن قانونيين يرون أن حماية المدين من الحبس كان يجب أن تترافق، في المقابل، مع إيجاد منظومة أكثر فاعلية لحماية حقوق الدائن، بحيث لا يؤدي تقييد الحبس إلى إضعاف إمكانية تنفيذ الأحكام القضائية، أو منح المدين القادر على السداد مساحة للتهرب من الوفاء بالتزاماته.
خيارات محدودة
وبحسب القاضي ومستشار ديوان الرأي والتشريع سابقا، محمود العبابنة، فإن التطبيق العملي للتعديلات أضعف، في بعض الحالات، قدرة الدائن على تحصيل أمواله، خصوصا مع اتساع نطاق الحالات التي لا يجوز فيها حبس المدين، وعدم وجود وسائل ضغط بديلة يراها كافية لدفع المدين القادر على السداد إلى الوفاء بالتزاماته.
ولفت العبابنة إلى أن الغالبية العظمى من الديون في الأردن تقل قيمتها عن خمسة آلاف دينار، ما يعني أن شريحة واسعة من الدائنين تأثرت بصورة مباشرة بالتغييرات التي طرأت على حبس المدين، وأصبحت أمام خيارات محدودة إذا لم تكن هناك أموال للمدين يمكن التنفيذ عليها.
ويرى أن الدائن يكون، قبل وصوله إلى مرحلة التنفيذ، قد مر بمراحل طويلة لإثبات حقه، بدءا من اللجوء إلى القضاء وتحمل الرسوم وأتعاب المحاماة، وصولا إلى الحصول على حكم قضائي يثبت الدين، ومن ثم الانتقال إلى دوائر التنفيذ ودفع رسوم جديدة من أجل تنفيذ هذا الحكم.
ومن هنا، يعتبر العبابنة أن المسألة لا تتعلق بحق المدين في الحرية وحده، وإنما تمتد أيضا إلى حق الدائن في تنفيذ الحكم الذي حصل عليه، باعتبار أن الحكم القضائي يمثل عنوانا لسيادة الدولة، وأن عدم القدرة على تنفيذه فعليا قد ينعكس على الثقة بالمنظومة القانونية وبالمعاملات المالية.
وفيما يتعلق بالاستناد إلى المادة (11) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي يستند إليها المدافعون عن الحد من حبس المدين، وتنص على عدم جواز سجن أي إنسان لمجرد عجزه عن الوفاء بالتزام تعاقدي، يرى العبابنة أن تطبيق هذا النص لا ينبغي أن يؤخذ بصورة مطلقة، وإنما يجب النظر إلى الشروط التي تحكم إعماله.
وأوضح أن ذلك يرتبط، بحسب رأيه، بشرطين أساسيين، هما أن يكون مصدر الالتزام تعاقديا، وأن يثبت إعسار المدين، وبالتالي فإن التعامل مع جميع حالات الدين بالطريقة ذاتها قد لا يراعي الاختلاف بين شخص غير قادر فعليا على الوفاء بالتزاماته وآخر يمتلك القدرة المالية لكنه يمتنع عن السداد.
وأكد العبابنة أن إلغاء أو تقييد حبس المدين انطلاقا من حماية الحق في الحرية والكرامة يجب ألا يؤدي، في المقابل، إلى إهدار حقوق الدائنين، أو الإضرار بالمعاملات التجارية والاستثمارية، أو فتح المجال أمام بعض الأشخاص للتهرب من تنفيذ العقود والالتزامات.
وحذر من أن ضعف وسائل تحصيل الديون يمكن أن ينعكس بصورة مباشرة على الثقة في التعاملات المالية، وعلى البيع الآجل ومنح الائتمان، إذ يصبح الأفراد والتجار أكثر حذرا في منح الآخرين آجالا للسداد إذا لم تكن هناك ضمانات كافية تمكنهم من استرداد أموالهم. ويرى أن آثار القانون في هذه الحالة لا تتوقف عند العلاقة بين الدائن والمدين، وإنما تمتد إلى النشاط التجاري بصورة أوسع، نتيجة ارتفاع درجة الحذر في التعاملات المالية، وتراجع الاستعداد لمنح الائتمان أو البيع بالأجل، خشية تعثر عملية التحصيل لاحقا.
الاستفادة من التجارب
وأشار العبابنة إلى أن الاستفادة من تجارب الدول التي لا تعتمد حبس المدين في الديون المدنية يجب ألا تقتصر على أخذ مبدأ إلغاء الحبس وحده، وإنما ينبغي النظر إلى البيئة الاقتصادية والاجتماعية والتشريعية المتكاملة التي تعمل ضمنها هذه التجارب.
وأوضح أن دولا مثل بريطانيا وفرنسا تمتلك منظومات أوسع للتعامل مع حالات التعثر المالي، تشمل أنظمة للضمان والمساعدات الاجتماعية، ومؤسسات حكومية وخاصة وخيرية ونقابات وجهات مختلفة يمكن أن تسهم في التعامل مع حالات الإعسار، إلى جانب وجود أدوات مالية وائتمانية ورقابية تحد من التهرب من السداد، وتحفز على الوفاء بالالتزامات.
وأشار إلى أن اختلاف هذه المنظومات يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار عند مقارنة التجربة الأردنية بتجارب دول أخرى، معتبرا أنه لا يمكن تطبيق جانب واحد من تجربة معينة دون توفير بقية الأدوات التي تضمن استمرار حماية الحقوق المالية.
وبحسب العبابنة، فإن تقليص الحبس كان يجب أن يترافق مع إيجاد وسائل ضغط مدنية أخرى يمكن استخدامها مع المدين القادر على السداد والممتنع عنه، مقترحا في هذا السياق تطبيق ما وصفه بـ"إرهاق المدين" (Debtor’s Fatigue)، من خلال فرض مجموعة من القيود المدنية والمالية عليه.
ومن بين هذه الإجراءات، بحسب اقتراحه، تقييد قدرة المدين على فتح حسابات مصرفية جديدة أو الحصول على دفاتر شيكات، وفرض قيود مرتبطة برخص القيادة والسفر، إلى جانب تقييد قدرته على تسجيل الشركات أو المشاركة فيها، بحيث تتعدد وسائل الضغط التي يمكن استخدامها لدفعه إلى تسوية الدين بدلا من الاعتماد على الحبس.
كما دعا إلى دراسة تطبيق نظام للنقاط الائتمانية (Credit Score)، بحيث يكون لكل شخص سجل ائتماني يعكس مدى التزامه بسداد ديونه والتزاماته المالية، وتتأثر نقاطه في حالات عدم سداد الدين، أو إصدار شيكات دون رصيد، أو وجود أحكام ذات طبيعة مالية بحقه.
وبحسب تصوره، فإن هذه المعلومات يمكن أن توثق لدى جهة محددة، بحيث يستطيع المقرض أو المؤجر أو أي شخص يرغب في التعاقد مع آخر الاطلاع على وضعه الائتماني وتقييم المخاطر قبل اتخاذ قرار بإقراضه أو الدخول معه في علاقة مالية.
وفي الوقت ذاته، يمكن لهذا النظام أن يمنح الأشخاص الذين يحافظون على سجل ائتماني جيد مزايا تتعلق بالإقراض والتعاقد والحصول على تسهيلات أخرى، بحيث تصبح درجة الالتزام المالي عاملا مؤثرا في قدرة الشخص على الحصول على الائتمان مستقبلا.
تحصيل الحقوق
من جانبه، اعتبر نقيب المحامين الأسبق، مازن إرشيدات، أن التعديلات الأخيرة سهلت على بعض المدينين التهرب من دفع ديونهم، وأدت إلى وجود عدد من الدائنين الذين يواجهون صعوبات حقيقية في استيفاء حقوقهم.
ويرى إرشيدات أن التطبيق العملي أظهر سلوكيات لدى بعض المدينين تقوم على التهرب من السداد بعد تراجع إمكانية استخدام الحبس كوسيلة ضغط، معتبرا أن معالجة قضية حبس المدين لا يمكن أن تقتصر على تقليل أعداد المحبوسين دون توفير أدوات تنفيذية فعالة تضمن للدائن استيفاء حقه.
وأشار إلى أن الحد من الحبس أسهم في تقليل أعداد النزلاء داخل مراكز الإصلاح والتأهيل، إلا أن هذا الأثر الإيجابي، بحسب رأيه، رافقته تداعيات أخرى تتعلق بتحصيل الحقوق وسلوك بعض المدينين بعد تطبيق التعديلات.
كما يرى إرشيدات أن الإشكالية لا تتعلق بطريقة التطبيق وحدها، وإنما تمتد إلى بنية النص القانوني نفسه، معتبرا أن المادة (22) أوجدت تمييزا بين المدينين تبعا لطبيعة الدين وقيمته، والحالات التي يجيز فيها القانون الحبس أو يمنعه.
واعتبر إرشيدات أن قانون التنفيذ من أكثر القوانين تأثيرا على الحياة الاقتصادية والاجتماعية للأردنيين، لأن آثاره لا تتوقف عند العلاقة المباشرة بين الدائن والمدين، وإنما تمتد إلى حركة التجارة والائتمان والثقة في المعاملات المالية بين الأفراد.
تحمل المسؤولية
بدوره، قال عضو نقابة المحامين، وليد العدوان، إن التعديلات الجديدة أضرت بحقوق عدد من الدائنين، معتبرا أن الأصل في عملية التنفيذ هو ضمان وصول صاحب الحق إلى أمواله بعد حصوله على حكم قضائي يثبت هذا الحق.
وأشار العدوان بصورة خاصة إلى أوضاع الدائنين الذين نشأت ديونهم قبل بدء تطبيق الأحكام الجديدة، إذ إن هؤلاء، بحسب رأيه، دخلوا في علاقاتهم المالية وأقرضوا أموالهم في ظل منظومة قانونية كانت تتيح وسائل تنفيذ تختلف عن تلك التي أصبحت متاحة بعد نفاذ التعديلات. ودعا إلى معالجة أوضاع هذه الفئة، معتبرا أن على الحكومة تحمل مسؤوليتها تجاه الدائنين الذين ترتبت ديونهم قبل تطبيق التعديلات وتعرضوا لخسائر نتيجة تغير آليات التنفيذ المتاحة أمامهم، خصوصا أنهم أجروا معاملاتهم المالية قبل دخول الأحكام الجديدة حيز النفاذ.
تحولات جذرية
وكانت التعديلات على قانون التنفيذ قد أحدثت تحولا في طريقة التعامل مع حبس المدين، بعد انتهاء الفترة الانتقالية التي منحها القانون قبل بدء نفاذ الأحكام الجديدة في 25 حزيران (يونيو) 2025.
ونص قانون التنفيذ الجديد لعام 2022، في مادته الـ22، على أنه "يحق للدائن حبس مدينه في حال لم يسدد الدين، أو لم يعرض عليه تسوية تتناسب مع قدرته المادية، وذلك خلال مدة إخطاره، بشرط ألا تقل الدفعة الأولى من الوفاء بموجب التسوية عن 15 % من المبلغ المحكوم به"، و"ينبغي ألا تتجاوز مدة الحبس 60 يوما في السنة الواحدة عن دين واحد، و120 يوما في حال تعددت الديون".
كما جاء في المادة 23 من القانون نفسه أنه من غير الجائز حبس موظفي الدولة، إضافة إلى من لا يكون مسؤولا بشخصه عن الدين، وكل من المدين الذي لم يبلغ بعد سن الـ18 عاما، والمدين المفلس، والمجنون، والمرأة الحامل لحين انقضاء ثلاثة أشهر بعد وضعها، وأم المولود إلى أن يبلغ العامين من عمره.
ووفقا للقانون، فإنه يُطلب حبس المدين مع إثبات مقدرته على دفع الدين في حالات عدة، كما يتوجب على الدائن أن يخطر المدين بتسديد الدين أو قبول تسوية مالية تتناسب مع قدرته المالية، شرط ألا تقل الدفعة الأولى عن 15 % من قيمة المبلغ المحكوم به. فإذا لم يسدد المدين ديونه، أو لم يقبل تقديم تسوية مالية تتناسب مع قدرته المالية خلال فترة الإخطار، عندها يحق للدائن طلب حبس المدين.
وبحسب القانون، فإنه لا يُحبس المدين إذا قل المبلغ المحكوم به عن 5 آلاف دينار، أو كان المدين مفلسا أثناء معاملات الإفلاس، أو كان المدين معسرا، أو محجورا عليه للسفه أو الغفلة، أو كان قد وثق دينه بتأمين عيني، أو إذا ترتبت على حبس المدين آثار اجتماعية سلبية وضرر بأفراد عائلته، وذلك بعدم حبس الزوجين معا، أو إذا كان زوج المدين متوفى، أو نزيل أحد مراكز الإصلاح والتأهيل، إذا كان لهما ابن يقل عمره عن 15 عاما أو من ذوي الإعاقة، إضافة إلى المدين المريض، أو إذا كان المحكوم به دينا بين الأزواج أو الأصول أو الفروع أو الإخوة، ما لم يكن "نفقة"، أو إذا كان الدين موثقا بتأمين.
المصدر:
الوكيل