سرايا - من وادي الأردن، نبض الزراعة المحلية، تبدأ رحلة يومية شاقة لا يراها المستهلك، وهو يضع حبات البندورة في سلة تسوقه. رحلة محفوفة بمخاطر مالية، يقودها مزارعون يصفون أنفسهم بأنهم "الحلقة الأضعف" في سلسلة توريد منتجاتهم، تبدأ بقطرة عرق وتنتهي بفوارق سعرية صادمة، تبتلعها حلقات مفقودة ووسطاء يتحكمون بالسوق.
وبعد تتبع أسعار الخضراوات، ومنها – على سبيل المثال- البندورة التي تصل حاجة السوق اليومية منها إلى نحو 500 طن، فهي تتربع على موائد الأردنيين على نحو يومي. في اليومين الماضيين، شهد السوق المركزي بيع صندوق البندورة سعة 10 كغم بسعر يتراوح بين 4.5 و5 دنانير للصندوق، أي بواقع 45 قرشا للكلغم، بينما يباع الكلغم في محال الخضراوات وعلى البسطات بنحو 1.25 دينار، ما يؤشر إلى فجوة سعرية كبيرة بين تسعيرته من عند المزارع مرورا بحلقات وصوله إلى السوق.
تمر أسعار الخضراوات بحلقات عديدة، قبل وصولها إلى المستهلك، فرحلة السعر تبدأ من أرض المزرعة (المزارع) ثم تنتقل إلى السوق المركزي، يلي ذلك تاجر التجزئة، لكن المشكلة الأكبر والتي تسهم برفع الأسعار، يكمن في أن حلقات البيع تتكرر داخل السوق المركزي، بدءا من تجار (الكمسيون أو الوسطاء) الذين يحصلون على نسبة 6 % من أي عملية بيع للمنتج الزراعي، يليها بيع البضاعة لأكثر من مرة ولعدة تجار في السوق وخارجه، ما يؤدي إلى تكرار عملية بيع المنتج من تاجر إلى آخر، وصولا في النهاية إلى تاجر التجزئة.
عمليا، إذا كان سعر كلغم البندورة على أرض المزرعة بـ45 قرشا، وفي آخر حلقة بيع بعدها (تاجر التجزئة) يباع بـ1.25 دينار، فإنه وبعد نيل الوسيط نسبة الـ6 % من عملية البيع في حلقته، فهذا يعني بأن المنتج خضع لسلسلة بيوعات من الوسطاء، بالإضافة إلى دخول التجار على خط البيع، بعيدا عن نسبة الـ6 %.
يضاف إلى كل ذلك، عوامل أخرى تؤثر على الأسعار على نحو عام، فبالإضافة إلى تعدد حلقات البيع السابقة، فإنه ينضاف لعوامل ارتفاع السعر، كلف النقل والعمال وأجور المحال والمحروقات، ومستلزمات الإنتاج كأسعار السماد، والمياه، و"البكسة"، وتعبئة ونقل المنتج، وطبيعة الموسم وتأثيرها على حجم كميات الإنتاج ففترات الجفاف أو شح مياه الري تؤثر سلبا على السعر، يقابل ذلك فترات المطر وتوافر المياه، التي ينخفض فيها السعر، وترتفع كمية الإنتاج.
كل هذا وسواه من عوامل، يقود إلى نتيجة تفيد بأن المستهلك، يخضع إلى معادلة سعرية تصبح عبئا عليه، وهنا يستوجب التساؤل حول: من هو المسؤول عن السقوف السعرية للمنتج الزراعي؟ وكيف يجري وضعها؟ ومن هي الجهة التي عليها ضبط المعادلة السعرية هنا؟ وماهية تقييم سعر المنتج في أرض المزرعة وصولا إلى المواطن؟ وكيف ولماذا لا يجري تطبيق الإجابة على هذه الأسئلة على كل مراحل البيع؟ وما هو دور الرقابة بضبط السعر، خصوصا في مثل هذه الظروف الاستثنائية، حتى لا يحدث ما يسمى بـ"الصدمة السعرية".
مزارعون: هامش ربح الوسطاء يرفع السعر
المزارع عاهد الشوبكي قال "قليلة هي المرات التي يعيش فيها المزارع أوضاعا جيدة، فمن بين كل خمسة أو ستة مواسم، يأتي موسم جيد، يلتقط فيه أنفاسه المقطوعة"، مضيفا "لقد عانينا طويلا منذ العام 2011 نتيجة الخسائر المتلاحقة في أعمالنا، فأكلت الأخضر واليابس، ودفعت عددا كبيرا ممن أفنوا حياتهم في الفلاحة والزراعة للانسحاب من العمل في الزراعة وتركه بلا رجعة، لأنهم عجزوا عن الاستمرار في عمل يكبدهم الخسائر باستمرار".
وأكد الشوبكي، هناك أفراد يشترون المنتجات الزراعية من الوكلاء، ثم يعيدون بيعها في ساحة السوق المركزي أكثر من مرة، ما يضيف هامش ربح لهم في كل "نقلة" دون قيمة مضافة حقيقية. مضيفا إنه "عند خروج الخضراوات من السوق المركزي، تمر بعدة حلقات كي تصل إلى بائعي التجزئة الذين يضطرون إلى الشراء من وسطاء، لعدم قدرتهم على شراء كميات كبيرة مباشرة، ثم تضاف كلف النقل والعمال وأجور محال التجزئة، وغيرها من الكلف التي يجري تحميلها للمنتج، لتصل بسعر مرتفع للمواطن".
وبين أن عملية زراعة محصول البندورة، تمرت بمراحل عديدة قبل وصولها للمستهلك. في حين أن بداية الموسم الحالي مأساوية، لأن أسعار بيع المحصول متدنية ولا تغطي الكلف، مؤكدا أن المزارع يعاني من الارتفاع الجنوني لمستلزمات الإنتاج وأجور العمالة، فثمن طن السماد ارتفع الفترة الماضية بمعدل 300 دينار، أما ثمن الصندوق الفارغ "البكسة"، فارتفع بمعدل 4 قروش للصندوق الواحد.
وأكد المزارع محمد البلاونة أن المزارع يتحمل كلفا باهظة لإنتاج الخضراوات وإرسالها إلى الأسواق المركزية، إذ إن كلف التسويق لوحده يقارب الـ1.25 دينار للصندوق، تتوزع على الأجور وثمن "البكسة" وأجرة النقل ورسوم البلدية وأجرة الكمسيون وضريبة المبيعات، في حين أن كلف ما قبل القطاف تزيد على 800 دينار لكل بيت بلاستيكي.
الخدام: أسعار المستلزمات جنونية
ورأى رئيس اتحاد مزارعي وادي الأردن عدنان الخدام، بأن الفوضى السعرية في سوق المنتجات الزراعية، يعود إلى عدة عوامل، تبرز منها الفروقات الكبيرة التي تحدث خلال سلاسل التوريد الغذائي، ومراحلها المتتالية، بدءا من أرض المزرعة حتى وصولها إلى المستهلك، مبينا أن هذه السلسلة تتأثر بارتفاع أسعار المحروقات كالديزل المستخدم بنقل المنتج من لمزرعة إلى السوق المركزي، موضحا بأن حلقات البيع المتكررة في السوق بدءا من تجار (الكمسيون) الذين يحصلون على 6 % من البيع، ثم بيع البضاعة أكثر من مرة ولأكثر من تاجر في السوق وخارجه، يؤدي لتكرار بيع المنتج من شخص لآخر وصولا إلى تاجر التجزئة.
الغد
المصدر:
سرايا