آخر الأخبار

فيضانات متكررة لا تفاجئ غير المسؤولين .. والتخطيط الغائب يفاقم الخسائر

شارك

سرايا - لا تعد الهطولات المطرية الغزيرة التي تشهدها المملكة منذ أيام عدة "مفاجئة"، فالسيناريوهات المناخية التي وضعها الأردن تتحدث بشكل واضح عن تزايد نسبة الفيضانات والسيول وحتى تكرار موجات الجفاف.


ومع أن الحكومة، وعلى لسان وزير الإدارة المحلية م. وليد المصري، أكدت أن التغيرات المناخية فرضت واقعا جديدا يتمثل في هطول أمطار غزيرة ومفاجئة، لذلك فإن البنية التحتية لا تستوعبها، لكن الاستعداد المسبق للتعامل مع هذه التبعات "لم يكن حاضرا" في التعامل مع هذا التطرف المناخي.


ورغم أن رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان وجه وزارة المالية لتخصيص مبلغ 10 ملايين دينار من بند النفقات الطارئة، لرفع سوية البنية التحتية في المحافظات، وخاصة المناطق القريبة من السكان، كما خصصت البلديات 4 ملايين، والقطاع الخاص 10 ملايين لكنها من وجهة نظر خبراء تعد "غير كافية"، ولا تشكل "حلا جذريا للأزمة" رغم أهميتها "كاستجابة حكومية آنية".



فالحلول في رأيهم لا تكمن فيما أسموه بنظام "الفزعة" وإنما في تأهيل البلديات لامتلاك القدرة الفنية والمؤسسية للوصول إلى التمويل المناخي الدولي.


كما لا بد، بحسبهم، من إعداد كودة التخطيط والتصميم الحضري، وخطط طويلة وقصيرة ومتوسطة المدى لبناء قدرات العاملين، وتطوير البنية التحتية وتأهيلها.


ووفق تقرير البلاغات الوطني الرابع الصادر عن وزارة البيئة، فإنه ما بين أعوام 1980 و2020 تزايدت نسبة الفيضانات إلى نحو 37 %، إذ برزت مخاطر مناخية في الأردن، مثل الفيضانات المفاجئة، والجفاف، والانهيارات الأرضية، نتيجة لتفاقم هشاشة النظم الحضرية، والتي تعزى إلى تقادم البنية التحتية، والتوسع الحضري غير المخطط له، والضغوط متعددة الأطراف على الموارد، بالتزامن مع تغير المناخ.
ومنذ ثمانينيات القرن الماضي، شهد الأردن ثلاثة فيضانات كبرى في أعوام 1987، و1991، وآخرها في عام 2018، وتهدد الفيضانات المفاجئة المناطق الحضرية ذات الكثافة السكانية العالية، مثل عمّان، وموقع البتراء الأثري، والعقبة، وغيرها.



هشاشة البنية التحتية
وفي رأي مستشار العمارة والتصميم الحضري د. مراد الكلالدة، فإن الحالة الجوية الاستثنائية التي تعرضت لها المملكة في هذا الموسم المطري كشفت عن هشاشة البنية التحتية في المدن والقرى الأردنية، ما استدعى الحكومة للتحرك لمعالجة البؤر الساخنة، وبدعم مالي مقدم من شركتي الفوسفات والبوتاس.


ولكن الكلالدة شدد على ضرورة تريث الحكومة في إنفاق هذا المبلغ، وأن تبتعد عن حالة "الفزعة"، لأن الأضرار كشفت عن "خلل تنظيمي" يكمن في منح أحكام بناء لأراضٍ تقع خارج التنظيم.


كما كشفت الأضرار، وفق قوله، عن "خلل تنفيذي" في إنشاء الطرق في مجاري السيول، وإنشاء عبارات أنبوبية ذات أقطار ضيقة بدلا من العبارات الصندوقية.


وأضاف إن الاستعداد لمواجهة تبعات التغير المُناخي لا يشكل أمرا استثنائيا، بل يعد بمثابة الأساس والقاعدة التي يجب معها العودة إلى التخطيط المكاني كعلم يساهم في تجويد البنية التحتية لخدمة الزيادة في عدد السكان.


وبناء على ذلك، وبحسبه، لا بد من زيادة مساحة الرقعة الحضرية لتتناسب وارتفاع الجريان السطحي للمياه، مع تعاظم أخطار الانهيارات التي ترافق البناء الواقع في المناطق التي تقع خارج التنظيم.


وأكد أن تفعيل قانون تنظيم المدن والقرى لسنة 1966 وتعديلاته يعد الأساس لإعداد خرائط مكانية تفاعلية مبنية على دراسات هيدولوجية، وجيولوجية، وطوبوغرافية قبل البدء بإنفاق الأموال بنفس الطرق السابقة.


وتبين المخططات الإقليمية مجاري الأودية العابرة للمحافظات، في حين تُظهر تلك الهيكلية قطع الأراضي التي تعبر فيها هذه الأودية، تبعا له.


وأما المخططات الهيكلية التفصيلية، كما ذكر الكلالدة، فإنها تُظهر الاقتطاعات والمناطق المعرضة للانهيارات، إن وجدت، والتي تقع على بعض الأراضي.


واقترح أن تبدأ الحكومة بإعداد كودة التخطيط والتصميم الحضري التي أوصت بها لجنة ممارسة المهنة بنقابة المهندسين عام 2020 لوزارة الأشغال العامة والإسكان، حتى تكون مرجعية فنية لجميع الوزارات والهيئات، والمكاتب الهندسية عند إعداد المخططات الإقليمية والهيكلية.


تمويل غير كاف
ومن وجهة نظر رئيسة قسم التغير المناخي في الجمعية العلمية الملكية ربى عجور، فإن المبالغ المالية المرصودة "غير كافية، فعندما عملت الجمعية في وقت سابق مع برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات في بلديتي المفرق وإربد الكبرى، وضعت خلالها عدة سيناريوهات للتعامل مع التغير المناخي.


ولفتت إلى أن كافة بلديات المملكة تحتاج إلى مليارات الدنانير لتنفيذ مشروع متكامل من تطوير البنية التحتية، وبناء قدرات العاملين فيها لمواجهة تبعات المناخ، مع إنشاء نظام للإنذار المبكر وغيرها من الإجراءات، وإعداد الإستراتيجيات والسياسات في هذا الصدد.


وقالت إن الاستفادة من هذه المبالغ لا بد أن يرافقها تحديد الأولويات ومراحل التدخل، ومن ثم وضع قائمة بالمشاريع باستخدام أداة التكلفة والفائدة، مع إعداد دراسة للبؤر الساخنة تتضمن الإسقاطات المناخية على المدى الطويل.


ومن بعد تلك الخطوة، بحسبها، لا بد أن تُعَدّ خطط طويلة وقصيرة ومتوسطة المدى لبناء القدرات للعاملين، وتطوير البنية التحتية وتأهيلها، ومراجعة وإصلاح السياسات.


وشددت على أن البلديات تحتاج إلى تعزيز قدراتها بشكل كبير في كل مجالات التغير المناخي العلمية، سواء المتعلقة بالتدريب على الإسقاطات المناخية وتحديد البؤر الساخنة والخرائط وغيرها.


وهذه الخطوة تطرح، وفق عجور، ضرورة وجود وحدة متخصصة في هذا المجال في البلديات ووزارة الإدارة المحلية، حتى نضمن وجود تعامل فعلي مع التبعات المناخية من مراحل الاستعداد والتنفيذ والتعاطي مع حالات الطوارئ، لأنها ليست عبارة عن كلمات فقط.


استجابة آنية


رغم أهمية المبالغ المرصودة لمشاريع البنية التحتية، والبالغة 24 مليون دينار، "كاستجابة حكومية آنية"، إلا أنها عند تقييمها بميزان التخطيط الحضري الشمولي وواقع البلديات "المتهالك"، تعتبر "متواضعة جدا"، ولا تشكل "حلا جذريا للأزمة"، وفق تأكيدات الخبير في الشأن البلدي أسامة العزام.


وتابع العزام: "فنحن نتحدث عن شبكات تصريف وبنية تحتية صُممت قبل عقود وفق معايير مناخية اختلفت جذريا عما نعيشه اليوم، وبالتالي فإن التعامل معها بأسلوب المعالجة بالقطعة عند كل منخفض جوي هو استنزاف للموارد دون طائل".
وأكد أن المسألة لا تنحصر فقط بعمليات الصيانة، أو الترميم لما هو قائم، بل الحاجة ماسة "لتغيير" في فلسفة التصميم الهندسي لاستيعاب كميات مياه غير مسبوقة تشهدها مختلف مناطق المملكة.


وشدد على أن "الخلل بنيوي" لا "مالي فحسب"، فالقصة لا تتعلق فقط "بشح" الموارد، بل "بغياب" "هندسة التمويل" الذكية؛ إذ لا يمكن للبلديات ولا للحكومة المركزية الاستمرار في تمويل مشاريع التكيف المناخي من موازناتها الذاتية، أو من مخصصات الطوارئ "المستنزفة" أصلا.


والحل الحقيقي، في رأيه، يكمن في تأهيل البلديات لامتلاك القدرة الفنية والمؤسسية للوصول إلى التمويل المناخي الدولي، والصناديق العالمية مثل صندوق المناخ الأخضر، التي تمنح مخصصات ضخمة لهذه الغايات تحديدا.


ولكنه بيّن أن تحقيق ذلك يتطلب مغادرة مربع الحلول "التقليدية والترقيعية"، إلى مربع "التخطيط المستدام"، الذي يحول التحدي المناخي من "عبء مالي" إلى "فرصة" لتحديث المدن والقرى الأردنية بتمويل دولي لا محلي محدود الأثر.


المصدر : الغد


سرايا المصدر: سرايا
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا