شهدت محافظة دهوك في إقليم كردستان العراق احتجاجات نادرة لسكان آشوريون رفضاً لـ"استيلاء العشائر الكردية على أراضيهم" في المناطق الريفية من المحافظة، بغية إحداث تغيير ديموغرافي، مستندين إلى السطوة السياسية والنفوذ الأمني اللذين يتمتعون بهما، حسب رأي المحتجين الآشوريين. الأمر الذي ترفضه سلطات الإقليم، معتبرة إياه مجرد تنازع قضائي محلي تقليدي، قد يحدث دوماً بين مُلاك الأراضي، وفي كل مكان، بغض النظر عن هوياتهم العرقية.
بدأت القضية أوائل شهر تموز/يوليو من العام الجاري، حينما أطلق سكان قرية "كاشكاوا" ذات الأغلبية الآشورية/المسيحية، والواقعة ضمن منطقة "وادي نهلة" شرق محافظة دهوك، مناشدة عامة تطالب بـ"إزالة التعديات" على أراضيهم الزراعية من قِبل أكراد، بقوا يمارسون أعمال الفلاحة فيها طوال السنوات الثلاث الماضية، على الرغم من صدور أحكام قضائية نهائية، تقر بتابعية هذه الأراضي "المتنازع على ملكيتها" للآشوريين. لكن السلطات لم تنفذ تلك القرارات.
الكثير من الساسة والحقوقيون الآشوريون يعيدون المسألة إلى الجذر السياسي المتعلق بالصراع على الهوية القومية للمنطقة، وكجزء من سياق تاريخي متراكم، كانت القرى والمناطق الآشورية تتعرض فيه لعمليات تفريغ وتغييرات ديموغرافية متواترة، على حد زعمهم.
وتعرضت قرية "كاشاوا" لهجوم وحرق في العام 1963، أثناء الصراع بين الجيش العراقي والحركة القومية الكردية، ما أجبر سكانها على النزوح منها. ولم يعودوا إليها إلا في العام 1970، حينما حصل الأكراد على حكم ذاتي في تلك المنطقة وقتئذ. لكنها دُمرت مرة أخرى في العام 1988، أثناء عمليات الأنفال الشهيرة، وهُجر سكانها مجدداً، الذين عادوا مجدداً بعد سنوات؛ لكنهم واجهوا تنازعاً قانونياً واجتماعياً معقداً على ملكية الأراضي الزراعية مع أكراد، النافذين بحكم ثقلهم الديموغرافي وسطوتهم العشائرية وحضورهم في أجهزة السلطة، حسب رأي الجهات الآشورية. الأمر نفسه ينطبق على عشرات القرى الآشورية الأخرى في المنطقة وعموم المحافظة.
المسألة أكثر تعقيداً على ما تظهر به. فالمسيحيون من سكان تلك المنطقة، وعلى مختلف تسمياتهم، آشوريين وسريان وكلدان وأرمن ، كانوا تاريخياً جزءاً حيوياً من التنوع الديموغرافي والحياة الاقتصادية والتيارات السياسية والإيديولوجية والثقافية في المنطقة. وكانت نسبتهم لا تقل عن 20 بالمائة من مجموع السكان، ويرفعون شعارات تعتبر تلك الأراضي منطقتهم التاريخية في "بلاد ما بين النهرين"، التي يحملون تجاهها نزعة قومية شديدة، مباينة في طروحاتها وأدبها السياسي ما لنظيرتها الكردية، التي تعتبر كامل نفس المنطقة جزءاً من الجغرافيا الكردية: "كردستان".
لكن المسيحيين تعرضوا لنكسات سياسية وعسكرية متواصلة طوال العقود الماضية. فطالهم قمع وتنكيل ما ترك آثاره العميقة على نسبتهم الديموغرافية. وأحدثت "مجزرة سيميل" التي نفذتها الحكومة العراقية ضدهم في العام 1933 هزة في وجدانهم الجمعي، قتلت الآلاف منهم وهجرت أضعافهم إلى البلدان الأخرى. وبسبب القلاقل السياسية حدثت موجات هجرة متتالية في أوساطهم طوال العقود الماضية، ولم تتمكن حركاتهم القومية من الحصول على أية حقوق سياسية وجغرافيا واضحة، شبيهة بما حصل عليه جيرانهم الأكراد.
ويرى مؤرخون أن الحساسيات القومية الكردية الآشورية جزءاً اعتيادياً من الخلافات التي تحدث بين أبناء القوميات المتجاورة، التي تختلف فيها الرؤى والتفسيرات بناء على المصالح القومية. فقضية قرية كاشاوا مثلاً، التي يقول سكانها الآشوريون إن نظرائهم الأكراد قد استولوا على أراضيهم، يقول الأكراد بالمقابل إن الحكومة العراقية شيدتها في العام 1920، وأسكنت فيها مهاجرين آشوريين قدموا من منطقة هكاري في تركيا، ومنحتهم أراضي شاسعة كانت جزءاً من بيادر العشائر الكردية طوال قرون.
يُعيد الكاتب المهتم بقضايا المسيحيين باسم فرنسيس ترتيب تفصيل القضية، مضيفاً في حديث مع DW عربية: "المسألة في أصلها نزاعات محلية على الملكية، لكنها تكتسب أبعاداً سياسية وقومية أوسع. لذلك من الخطأ اختزالها في بعد واحد. فشريحة واسعة من المسيحيين لديها مخاوف من حدوث تغيير ديموغرافي تدريجي، في ظل اعتقاد بأن بعض الجهات الحكومية المتنفذة تتردد في محاسبة المتجاوزين المنتمين إلى عشائر أو جهات تمتلك نفوذاً محلياً، لأسباب سياسية أو انتخابية. كما أن دخول القوى السياسية المسيحية المعارضة أو غير المتحالفة مع سلطة الإقليم في هذا الملف أضفى عليه بعداً سياسياً، وجعله يتجاوز إطار النزاع العقاري المحلي".
ويتابع فرنسيس: "لكن رؤية الأجيال الآشورية والكلدانية الحالية، والمسيحية عامة، مختلفة عن رؤية السابقين. فالجيل الحالي يعيش هاجس التهميش وتراجع الوجود الديموغرافي بصورة أكبر، ويشعر باتساع الفجوة مع الشريك الآخر نتيجة الانخفاض الكبير في أعداد المسيحيين بفعل الهجرة، وما يرافق ذلك من قلق على مستقبل الهوية والوجود".
ويضيف فرنسيس: "إذا كانت الأجيال السابقة تنظر إلى العلاقة مع الأكراد غالباً من زاوية الصراع القومي أو العسكري الذي شهدته العقود الماضية، فإن الجيل الحالي يميل إلى قراءة القضية من منظور الحقوق الدستورية والمواطنة، وضمان الملكية، وسيادة القانون، والمشاركة السياسية العادلة، والإدارة الرشيدة، باعتبارها الضمان الحقيقي لاستمرار وجوده".
لا يرى أستاذ اللغة والأدب في جامعة زاخو المحلية محمد عيسى أي صرعات قومي أو أبعاد سياسية للمسألة، خصوصاً بالنسبة لجيله الأصغر عمراً، مضيفاً في حديث مع DW عربية: "عند التدقيق في صفحات التواصل الاجتماعي التي تابعت هذا الحدث، لا يمكن العثور على أي تعليقات سلبية أو تفسيرات عرقية لما يجري، تصدر عن الشبان والشابات الأصغر عمراً. فهؤلاء أكثر انخراطاً في تفاصيل حياتهم الشخصية وتطوير مهاراتهم وتحصيلهم المعرفي ومواردهم الاقتصادية. ولم تشهد الحياة العامة في كردستان أي حادثة لها علاقة بالحساسيات القومية أو الدينية. فمن الواضح أن جهات سياسية من خارج الإقليم تريد خلق مبرر وجسر للتدخل في شؤون الإقليم والحياة العامة داخله، لكن الأجيال الأحدث ترى فيما تعيشه من سلام اجتماعي ومساواة في التمثيل السياسي والحصول على الفرص الاقتصادية ما هو أثمن من تلك النزعات".
وتشير التقديرات إلى أن عدد المسيحيين في العراق اليوم لا يتخطى 400 ألف من أصل أكثر من 46 مليون نسمة، بعدما كان يُقدّر عددهم قبل عقدين بنحو مليون ونصف مليون، وقد هاجر عدد كبير منهم بسبب عشرين عاماً من الحروب والنزاعات.
ر.م.
المصدر:
DW