آخر الأخبار

معضلة "إينارا".. من يملك الكلمة الأخيرة في اتفاق ترمب مع طهران؟

شارك

"لم أفكر أبدا في إرساله، لم يخطر ببالي حتى، لكنني سأفعل سأرسله إلى الكونغرس، تعجبني الفكرة"، بهذه الكلمات التي أطلقها الرئيس دونالد ترمب للصحفيين، وبنبرته الواثقة المعتادة، استجاب لرغبة بعض المشرّعين الجمهوريين بإرسال الاتفاق النووي الإيراني إلى الكونغرس للمراجعة، ملوّحا بخطوة تبدو في ظاهرها "بادرة حُسن نية" دبلوماسية وتنسيقا ديمقراطيا بين البيت الأبيض والكابيتول.

لكن خلف كواليس واشنطن، وفي دفاتر القانون الأمريكي، هذه الخطوة ليست مجرد خيار سياسي ترفي يملكه الرئيس، بل هي بداية الدخول إلى حقل ألغام قانوني صُنع خصيصا لتقييد يد الإدارة الأمريكية أمام طهران.

هنا تحديدا، عاد إلى الواجهة تشريع نافذ ليكون أشبه بحارس البوابة الصارم والمتربص بأي تحرك رئاسي أمريكي تجاه إيران، وهو قانون مراجعة الاتفاق النووي الإيراني "إينارا" (INARA).

جذور القصة

بدأت فصول هذه القصة تتشابك في عام 2015، عندما صاغ الكونغرس قانون "إينارا" لمنع إدارة باراك أوباما -حينها- من الانفراد بالملف المفصلي، واشترط أن يكون المشرّعون هم "حراس البوابة" لأي رفع للعقوبات.

في ولايته الأولى، لم يكترث ترمب كثيرا بـ"إينارا"، وفي عام 2018، نفّذ وعده الشهير وانسحب بشكل أحادي من الاتفاق النووي القديم، فارضا إستراتيجية "الضغط الأقصى" على طهران. مرت السنوات، وتغيّرت المعادلات، ليعود ترمب اليوم برؤية مغايرة تماما: السعي وراء "صفقة سريعة وتاريخية" يختم بها الحرب مع إيران.

عند التدقيق في منطوق المادة الثانية من القانون، يتكشف حجم التقييد الدستوري المفروض على البيت الأبيض، فالنص لا يطلب من ترمب مجرد إخطار روتيني، بل يضع ساعة رملية تبدأ بالدوران لـ5 أيام فقط من لحظة التوقيع، يُلزم خلالها الرئيس بنقل النص الكامل وكافة الملحقات السرية للاتفاق إلى لجان الكونغرس.

إعلان

والأخطر من ذلك، هو إجبار الرئيس شخصيا على توقيع "شهادات أمنية وقانونية" بالغة التعقيد، يضمن فيها أمام المشرّعين أن الصفقة تلبّي أهداف واشنطن في "منع الانتشار النووي"، وأنها لا تشكّل خطرا على الأمن القومي، مع تقديم جردة حساب دقيقة لكل عقبة مالية أو عقوبة ينوون رفعها أو تجميدها، سواء كانت أمريكية أم أممية.

مصدر الصورة الكونغرس الأمريكي يحتفظ بالحق الحصري في تعديل أو إلغاء العقوبات المفروضة على طهران (رويترز)

المشرّعون أقوى من الرئيس

حتى صدور هذا القانون، كان البيت الأبيض يملك الحرية الكاملة، إذ لم تكن هناك قيود على استخدام الرئيس للإعفاءات لتعليق العقوبات، ولا شروط تلزمه بإطلاع المشرّعين على تفاصيل الاتفاقيات، أو تقديم شهادات تؤكد امتثال إيران، ولم تكن هناك طريقة سريعة لإعادة فرض العقوبات إذا غشت طهران.

لكن بالعودة إلى خلفية هذا التشريع، نجد أن الكونغرس قرر قلب الطاولة وتجريد الرئيس من هذه الصلاحيات المطلقة. فمنذ عام 2010، مرر المشرعون بأغلبية ساحقة سلسلة من العقوبات القوية على الاقتصاد الإيراني بهدف دفع طهران لطاولة المفاوضات.

ولأن هذه العقوبات تتضمن بند "سلطات الإعفاء المتعلقة بالأمن القومي" التي يعتزم أي رئيس استخدامها لتعليق العقوبات كجزء من أي صفقة، فقد تحرك الكونغرس لقطع الطريق على البيت الأبيض.

هنا تحديدا، تظهر القوة التشريعية للمشرّعين والتي تفوق سلطة الرئيس عبر حكمين فرضهما القانون:


* جرّد القانون الرئيس من سلاح "الإعفاء الفوري" إذ يُمنَع منعا باتا من التنازل عن العقوبات القانونية أو تعليقها أثناء فترة مراجعة الكونغرس الاتفاق.
* يمنح القانون الكونغرس الفرصة لإقرار "قرار مشترك بعدم الموافقة"، وهو القرار الذي يملك القدرة على منع الرئيس بشكل دائم من تعليق العقوبات، بل ويسمح للمشرّعين بإلغاء سلطات الإعفاء الرئاسية بالكامل إذا نجحوا في إبطال الفيتو الرئاسي. كما يوضح القانون صراحة أن رفع العقوبات بشكل دائم يتطلب تصويتا منفصلا من الكونغرس ولا يملكه الرئيس.

مما يعني أن المشرّعين حصنوا أنفسهم بقوة تجلت في اللحظة الأولى لولادة هذا التشريع، إذ لم يكن مجرد رغبة حزبية عابرة، بل حظي بإجماع مطلق وتاريخي داخل لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ.

"الحصار الزمني الصارم"

لا يقف تقييد قانون "إينارا" عند حدود تقديم الوثائق والشهادات الأمنية، بل يمتد ليفرض حصارا زمنيا صارما ومحسوبا بالأيام، يحرم الرئيس قانونا من تقديم أي تخفيف أو تعليق أو إعفاء من العقوبات المفروضة على إيران، أو حتى الامتناع عن تطبيقها، طوال فترة المراجعة.

وعند تفكيك البنية الزمنية للقانون بناءً على نصوصه الرسمية، نجد أن مهلة الـ30 يوما الأولى المخصصة للجان العلاقات الخارجية لعقد جلسات الاستماع والإيجازات، ليست سوى الشوط الأول من حصار زمني يتمدد إجباريا عبر مسارين:


* المسار الأول: إذا قُدم الاتفاق في الأوقات العادية، يخضع البيت الأبيض لحظر يمتد لـ52 يوما، وتشمل الحسبة فترة المراجعة الأولية (30 يوما)، يُضاف إليها 12 يوما يمنع فيها الرئيس من رفع العقوبات عقب إقرار مجلسي النواب والشيوخ لقرار مشترك بعدم الموافقة، متبوعة بـ10 أيام إضافية محظورة لحين بت الكونغرس في "الفيتو الرئاسي" ومحاولة إبطاله.
* المسار الثاني: أما إذا اختارت الإدارة توقيت الإرسال في الفترة الممتدة بين 10 يوليو/تموز و7 سبتمبر/أيلول (وهي فترة العطلة الصيفية للكونغرس)، فإن القانون يمنح المشرّعين يدا عليا ويمدد فترة المراجعة الأساسية لتصبح 60 يوما بدلا من 30 يوما. وعند إضافة فترات حظر الفيتو الـ12 يوما والـ10 أيام التالية له، يصل مجموع الحصار الزمني إلى 82 يوما كاملة، يُشل فيها سلاح الإعفاءات الرئاسية تماما.
إعلان

هذا المأزق الرقمي ينقلنا مباشرة إلى المعضلة، حيث يرى الخبراء أن هذا الحصار يضع ترمب في مأزق، لأن الالتزام بالقانون والامتناع عن تقديم أموال أو إعفاءات لإيران طوال فترة الـ52 أو الـ82 يوما هو خيار "مضاد للسلام"، وهنا يبرز السؤال، هل ستنتظر طهران لشهور دون مقابل مالي؟

ما الحل؟

ترمب يجد نفسه داخل دوامة، خاصة في ظل الإشارات المتضاربة حول ما إذا كان يخطط لإرسال الاتفاقية للكونغرس بذلك، لكن العديد من المشرعين، بمن فيهم السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام من ولاية كارولينا الجنوبية، وهو حليف مقرب للإدارة، قالوا إنه يجب إرسالها إلى مبنى الكابيتول.

ومع ذلك يبقى أمام ترمب 3 مسارات، يتمثل الأول في تجاهل القانون والصدام الدستوري بأن يمضي في "مذكرة تفاهم إسلام آباد"، ويرفض إرسالها إلى الكونغرس نهائيا متجاهلا قانون "إينارا"، هذا الخيار يعتبره القانونيون يمثل "ضربة لسيادة القانون".

وفي خيار مشابه يمكن أن تقوم إدارة ترمب بتوقيع الاتفاق النهائي واعتباره تنفيذيا من دون موافقة الكونغرس، كما فعلت إدارة أوباما عام 2015، إلا أن هذا الاتفاق سيكون عرضة للإلغاء من الإدارات المقبلة.

أما السيناريو الثاني يتمثل في الالتفاف على فترة الحظر المالي أن يقوم ترمب بإرسال المذكرة للكونغرس احتراما للقانون، لكنه يتجاهل البند الذي يمنعه من تقديم إعفاءات مالية لإيران خلال فترة المراجعة، فيمنح طهران الأموال لإنقاذ التهدئة، هذا أيضا يعتبر "تجاوزا لسيادة القانون"، لأن الرئيس هنا يخرق نصا تشريعيا يمنعه صراحة من رفع العقوبات مؤقتا.

والسيناريو الثالث والأخير يلتزم فيه ترمب بالقانون فيرسل الاتفاق للكونغرس، وينصاع للحظر، فلا يقدم أي دولار أو رفع عقوبات لإيران طوال فترة المراجعة الطويلة، وهذا الخيار قد "يقضي على فرص السلام والتهدئة".

المخرج الوحيد الذي يطرحه الخبراء لإنقاذ تفاهمات ترمب الحالية هو أن يقوم الكونغرس بإلغاء القانون بالكامل، أو تعديله على الأقل للسماح بالرفع المؤقت للعقوبات أثناء فترة المراجعة.

وفي النهاية، لطالما قيل "إن الشيطان يكمن في التفاصيل"، لكن في حالة "مذكرة التفاهم" الأخيرة بين ترمب وإيران، فإن الشيطان يكمن في "النصوص القانونية" داخل العاصمة الأمريكية.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا