لم يظهر نفتالي بينيت في السياسة الإسرائيلية بوصفه وجها طارئا على اليمين، ولا كسياسي غادر معسكره الأيديولوجي إلى الوسط، وإنما كأحد أبناء اليمين الديني القومي الذين أعادوا تكييف خطابهم مع لحظة إسرائيلية مأزومة.
فالرجل الذي يعود اليوم عبر تحالفه مع يائير لابيد لا يحمل مشروعا مختلفا للفلسطينيين، بقدر ما يحمل عرضا مختلفا للإسرائيليين: يمين بلا نتنياهو، وحزم أمني بلا فوضى ائتلافية، ودولة قوية من دون ارتهان للحريديم وبن غفير وسموتريتش.
ولد بينيت في حيفا عام 1972 لأسرة يهودية أمريكية هاجرت من سان فرانسيسكو بعد حرب 1967، وخدم في وحدات قتالية خاصة، ثم انتقل إلى عالم التكنولوجيا قبل أن يدخل المجال العام من بوابة مجلس مستوطنات الضفة الغربية، حيث شغل منصب المدير العام لمجلس "يشع"، وهو الموقع الذي وضعه مبكرا في قلب المشروع الاستيطاني لا على هامشه.
وتذكر سيرته الرسمية في الكنيست أنه شغل لاحقا مناصب وزارية عدة، بينها الاقتصاد والتعليم والدفاع، قبل أن يصبح رئيسا للحكومة.
لم يأت بينيت من يمين الليكود التقليدي فقط، بل من اليمين الديني الاستيطاني الذي يرى الضفة الغربية جزءا من "أرض إسرائيل"، ويرفض الدولة الفلسطينية
هذه الخلفية ضرورية لفهم بينيت، فهو لم يأت من يمين الليكود التقليدي فقط، بل من اليمين الديني الاستيطاني الذي يرى الضفة الغربية جزءا من "أرض إسرائيل"، ويرفض الدولة الفلسطينية بوصفها خطرا أمنيا وأيديولوجيا. لذلك تبدو عودته الحالية إلى لغة "الوحدة" و"الإنقاذ" تحولا في الأدوات لا في الجوهر.
قاد بينيت حزب " البيت اليهودي" منذ عام 2012، محولا حزبا دينيا قوميا محدودا إلى قوة سياسية أكثر حضورا داخل حكومات نتنياهو.
ثم انفصل مع أييليت شاكيد عام 2019 لتأسيس "اليمين الجديد"، في محاولة لجذب جمهور يميني علماني إلى جانب القاعدة الدينية القومية.
فشل الحزب في دخول الكنيست في انتخابات 2019، لكنه عاد لاحقا ضمن تحالف "يمينا"، ومنه وصل بينيت إلى رئاسة الحكومة عام 2021 بعد تشكيل "حكومة التغيير" مع لابيد وأحزاب من الوسط واليسار وبدعم القائمة العربية الموحدة.
هذا المسار يكشف براغماتية بينيت السياسية، فهو لم يتردد في مغادرة البيت اليهودي حين ضاق عليه، ولا في التحالف مع يائير لابيد (رئيس حزب يش عتيد) حين اقتضت معركة إسقاط نتنياهو ذلك، ولا في الاعتماد على منصور عباس عام 2021 رغم خطابه السابق الرافض لذلك. لكنه في كل محطة ظل يقدّم نفسه بوصفه يمينيا أكثر كفاءة من نتنياهو، لا سياسيا تخلى عن اليمين.
قاد بينيت حكومة استثنائية بعد انتخابات متكررة شلت إسرائيل سياسيا، كانت حكومته تحالفا واسعا جمع اليمين والوسط واليسار وحزبا عربيا، وانتهت بعد نحو عام فقط، لكنها حققت هدفا واحدا ظل يفاخر به حتى اليوم: إخراج نتنياهو من مكتب رئاسة الحكومة.
في مقابل ذلك، دفع بينيت ثمنا باهظا داخل معسكره؛ إذ صُوّر في اليمين كمن "خان" جمهوره، وجلس مع خصومه، ومنح الشرعية لشراكة عربية في الحكم.
بعد سقوط حكومة التغيير، انسحب من الحياة السياسية، لكنه عاد مع تراجع صورة نتنياهو بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، واتساع البحث داخل إسرائيل عن بديل يميني قادر على مخاطبة جمهور "بدون نتنياهو" من دون كسر الإجماع الأمني.
وفي تصريحاته الأخيرة، لم يترك بينيت مساحة واسعة للالتباس. ففي مقابلة القناة 12 بعد اتحاده مع لابيد قال إن من يريد الانتصار "يجب أن يتحد خلفي"، مؤكدا أنه "لم يسلّم سنتيمترا واحدا من الأرض"، وأن نتنياهو هو من سلّم أجزاء من الضفة وأطلق يحيى السنوار وحوّل الأموال إلى حماس.
وفي المقابلة نفسها، رفض بينيت الاعتماد السياسي على الأحزاب العربية قائلا إنه سيهتم بالمواطنين العرب في إسرائيل، لكنه لن "يتكئ" عليهم.
وبعد إعلان الاتحاد مع يائير لابيد، قال نفتالي بينيت إن الدولة الفلسطينية ليست مطروحة في المرحلة الحالية، وإنه لا يعتقد أنها ستقام، في تأكيد أن تقاربه مع الوسط لا يعني تغييرا في موقفه من المسألة الفلسطينية. وهنا يظهر الفارق بين بينيت القديم والجديد: القديم كان يعلن رفضه من موقع اليمين الاستيطاني، والجديد يعلنه من موقع "العقلانية الأمنية" بعد 7 أكتوبر.
قوة بينيت الحالية لا تأتي من تحوله إلى الوسط، بل من فراغ داخل اليمين، فنتنياهو ما زال قائدا انتخابيا قويا، واستطلاعات الرأي تعطيه أفضلية كبيرة على جميع منافسيه، لكنه مثقل بإخفاق السابع من أكتوبر، وبائتلاف يضم بن غفير وسموتريتش والحريديم.
لذلك يحاول بينيت تقديم نفسه كيمين إداري: لا دولة فلسطينية، لا اعتماد على العرب، لا تنازل عن الأرض، لكن أيضا لا فوضى، لا تهرب من التجنيد، ولا خضوعا كاملا لحلفاء نتنياهو.
من هنا يمكن قراءة اتحاده مع لابيد، والذي يمنحه شرعية وسطية وجسرا إلى جمهور معاد لنتنياهو، بينما يمنح بينيت لابيد واجهة يمينية يصعب على الليكود اتهامها باليسارية. غير أن الاستطلاعات التي أعقبت الاتحاد أظهرت أن جمع القوتين لا يكفي وحده لحسم المعركة، وأن دخول غادي آيزنكوت رئيس حزب يشار قد يكون العامل الحاسم في توسيع الكتلة المعارضة لنتنياهو.
خلاصة القول إن بينيت لم يغيّر جلده السياسي، بل غيّر لغة عرضه. فتاريخه هو تاريخ يمين استيطاني يعرف كيف يبدل التحالفات، وكيف ينتقل من حزب إلى آخر، وكيف يخاطب الوسط حين يحتاجه.
أما في المسألة الفلسطينية، فجوهره بقي ثابتا: رفض الدولة، رفض الشراكة العربية الحاسمة، والتمسك بالأرض، مع محاولة إقناع الإسرائيليين بأنه القادر على إنقاذ اليمين من نتنياهو لا إنقاذ الفلسطينيين من اليمين.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة