آخر الأخبار

تكرار مجزرة ميناب.. تحقيق للجزيرة يكشف استهداف أمريكا مطعما غرب إيران

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

في 7 يناير/كانون الثاني 2026، نشرت إحدى قنوات تطبيق تلغرام في إيران إعلانا ترويجيا يدرج مطعم طلائية ضمن قائمة الوجهات الترفيهية والسياحية المخصصة لعائلات وأفراد الحرس الثوري في مدينة أرومية شمال غربي إيران. كان المطعم يعمل بشكل طبيعي، يستقبل الزبائن، ويقدم وجباته، ويحصد تقييمات إيجابية على التطبيقات المحلية.

بعد أقل من شهرين، في 3 مارس/آذار، سقطت صواريخ على مجمع فيلق شهداء غرب أذربيجان الإقليمي التابع لقوات الحرس الثوري في المدينة ذاتها. أظهرت مقاطع الفيديو المتداولة لحظة وقوع الانفجارات في نطاق المجمع، دون وضوح فوري لطبيعة الأهداف التي أصابتها. غير أن تحليل صور الأقمار الصناعية وبيانات الخرائط التجارية كشف أن أحد المباني المدمرة لم يكن إلا ذلك المطعم نفسه الذي أعلن عنه قبل أسابيع قليلة.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 "85 ثانية على نهاية العالم".. الكارثة النووية الوشيكة في الشرق الأوسط
* list 2 of 2 بعد تهديده بـ"محو الحضارة"..هل يطبق ترمب "عقيدة الضاحية" في إيران؟ end of list

يوثق هذا التحقيق استهداف مجمع الحرس الثوري في أرومية، مع التركيز على تحديد الموقع بدقة وتقييم طبيعة الأهداف داخل المجمع، للتحقق مما إذا كان الاستهداف قد طال منشآت عسكرية فقط أم شمل مبانيَ ذات استخدام مدني داخل نطاق عسكري، تكرارا لحالة مدرسة ميناب التي راح ضحيتها أكثر من 165 مدنيا، معظمهم من الأطفال (الفتيات)، في اليوم الأول من الحرب.

لم يُشر أي تقرير إعلامي سابق في حدود ما توصل إليه فريق التحقيق إلى استهداف هذا المطعم تحديدا وإن كانت هناك تقارير عن القصف الذي شهدته أرومية ومقر المجمع العسكري. وقد حال التعتيم شبه الكامل على الإنترنت دون التحقق الميداني المستقل من تفاصيل كثير من الضربات في مختلف أنحاء البلاد.

"يمثل استهداف المطعم تكرارا لمأساة المدرسة نفسها، وهي الاعتماد على بيانات غير دقيقة أدت إلى تصنيف منشآت مدينة كأهداف عسكرية، ما يعكس سوء العمل الاستخباراتي أو قلة اكتراثه في أدنى الأحوال"

تكتسب هذه الحالة أهمية خاصة لأنها قد تمثل تكرارا لنمط سبق توثيقه، وهو الاعتماد على بيانات خرائطية غير محدثة أو غير دقيقة أدى إلى دمج منشآت مدنية ضمن أهداف عسكرية، ما يعكس سوء العمل الاستخباراتي أو قلة اكتراثه في أدنى الأحوال. وقد شمل التحقيق تحليل صور الأقمار الصناعية قبل وبعد الاستهداف لرصد الأهداف المدمرة داخل الموقع، وتنفيذ عملية تحديد الموقع الجغرافي لمقاطع الفيديو المتداولة عبر مطابقة المعالم المرئية مع صور الشوارع والخرائط، وجمع البيانات من مصادر مفتوحة متعددة بما في ذلك خرائط غوغل وأوبن ستريت ماب لاستخراج معلومات حول طبيعة استخدام المباني داخل المجمع.

مصدر الصورة منظر جوي لمدينة أورمية شمال غرب إيران (شترستوك)

موقع الضربة.. أرومية تحت النار

في 28 فبراير/شباط 2026، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل حربا مشتركة ضد إيران. أطلقت القيادة المركزية الأمريكية على العملية اسم "الغضب الملحمي"، فيما عرفت إسرائيلياً بـ"زئير الأسد". خلال الساعات الأولى، استهدفت الضربات نحو 900 هدف شملت معسكرات الحرس الثوري ومنشآت نووية وقواعد صواريخ باليستية.

إعلان

كانت أرومية، عاصمة محافظة أذربيجان الغربية، من بين المدن الأكثر تعرضاً للقصف خارج طهران. بدأت الغارات فيها منذ اليوم الأول واستمرت لأسابيع، وطالت أهدافاً عسكرية وأمنية متعددة، من بينها حامية المهدي (إحدى وحدات الحرس الثوري المنوطة بحماية الشخصيات المهمة) ومقرات الشرطة ومراكز الاستخبارات. غير أن الأضرار لم تقتصر على المنشآت العسكرية. فقد وثّقت تقارير إعلامية وحقوقية تدمير مدارس ومستشفيات ومبانٍ سكنية في المدينة، بما في ذلك تدمير أربعة مبانٍ سكنية بالكامل في 27 مارس/آذار أسفر عن سقوط العديد من الضحايا المدنيين.

"كانت أرومية، عاصمة محافظة أذربيجان الغربية، من بين المدن الأكثر تعرضاً للقصف خارج طهران"

تندرج هذه الأضرار ضمن نمط أوسع شمل البلاد بأسرها. فبحلول نهاية مارس/آذار، وثّقت التقارير إلحاق أضرار بنحو 498 مدرسة وأكثر من 300 مركز صحي ونحو 82 ألف مبنى مدني في مختلف أنحاء إيران. وأحصت منظمات حقوقية نحو 1660 قتيلا بينهم 250 طفلا، وأكثر من 1200 قتيل تابع للقوات المسلحة أو قوات الحرس الثوري.

مصدر الصورة الصورة على اليمين من فيديو منشور بتاريخ 3 مارس/آذار للاستهداف، وعلى اليسار من خاصية ستريت فيو على خرائط غوغل (الجزيرة)

من ضمن هذه الضربات، انتشرت بتاريخ 3 مارس/آذار 2026 مقاطع فيديو توثق استهداف مجمع فيلق شهداء غرب أذربيجان الإقليمي التابع لقوات الحرس الثوري بمدينة أرومية. تُظهر هذه المقاطع لحظة وقوع الانفجارات في نطاق المجمع، دون وضوح فوري لطبيعة الأهداف التي تم استهدافها، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول دقة تحديد الأهداف.

تمكنّا من تحديد الموقع الجغرافي لأحد هذه الفيديوهات باستخدام خاصية ستريت فيو (Street View) التي تقدمها خدمة خرائط غوغل (Google Maps)، للتأكد من موقع الاستهداف بدقة. وتؤكد المطابقة البصرية أن الضربة وقعت داخل حدود المجمع، وتحديداً في الجزء الذي يضم عدة مبانٍ خدمية ومدنية عامة، وليس فقط منشآت عسكرية تشغيلية.

ما تكشفه البيانات والصور الفضائية

وبالرجوع إلى صور الأقمار الصناعية للموقع ذاته، تمكن فريقنا من تحديد أربعة مواقع على الأقل داخل المجمع تعرضت للاستهداف. من ضمنها مبنى مسجل في العديد من الخرائط التجارية على أنه مطعم باسم طلائية.

يشير هذا التصنيف المتكرر عبر منصات متعددة إلى أن المبنى لم يكن منشأة عسكرية سرية أو غير معروفة، بل موقعاً ذا طابع مدني يمكن التعرف عليه بسهولة من خلال البيانات المفتوحة.

مصدر الصورة صور فضائية بتاريخ 25 فبراير/شباط (للمقارنة) و17 مارس/آذار 2026 (بعد الاستهداف) (الجزيرة – بلانيت لابس)

للتأكد من صحة بيانات مواقع الملاحة، تمكنّا من مطابقة صورة للمطعم مع المبنى المستهدف. وتؤكد الصورة كذلك وجود مدخل للمطعم منفصل عن مدخل القاعدة العسكرية.

مصدر الصورة مطابقة الموقع الجغرافي للمطعم مع المبنى المستهدف لمطعم طلائية

كما يتطابق شعار المطعم مع الشعار الموجود في قائمة الطعام التي نشرها أحد الزبائن في تقييم المطعم على خرائط غوغل.

مصدر الصورة

يدعم هذا الفصل المكاني بين مداخل المنشأة فرضية أن المطعم كان يؤدي وظيفة مستقلة ومنفصلة عن أي نشاط عسكري. ولمزيد من التأكد من عدم تغيير نشاط المبنى أو توقف المطعم عن العمل، تمكنّا من الوصول إلى الإعلان الترويجي المذكور آنفا على تلغرام بتاريخ 7 يناير/كانون الثاني 2026 المُدرج فيه اسم وعنوان المطعم المستهدف ضمن أماكن سياحية لأفراد وأسر الحرس الثوري.

إعلان

يشير هذا إلى أن المطعم كان لا يزال قيد التشغيل قبل أقل من شهرين من الاستهداف، ما ينفي احتمالية كونه منشأة مهجورة أو أُعيد توظيفها لأغراض عسكرية.

إعلان تلغرام بتاريخ 7 يناير/كانون الثاني 2026 مُدرج فيه اسم وعنوان المطعم المستهدف (الجزيرة)

في حالة مجمع فيلق شهداء غرب أذربيجان، تُظهر بيانات أوبن ستريت ماب أن كامل المجمع مصنف ضمن طبقة واحدة كمرفق عسكري، وهو ما يؤدي إلى إدراج جميع المباني المرتبطة به كأصول عسكرية. في المقابل، تكشف طبقة الخريطة الأساسية (Base Map) عن وجود نقطة محددة تُعرّف مبنى على أطراف المجمع على أنه مطعم طلائية، ما يعكس استخداما مدنيا واضحا داخل نطاق مصنف عسكرياً وهو ما تؤكده صور الأقمار الصناعية التي تظهر مدخلًا منفصلًا للمطعم، وارتباطه بالطريق العام مباشرة.

تكشف طبقة الخريطة الأساسية (Base Map) عن وجود نقطة محددة لمبنى على أطراف المجمع هو مطعم طلائية (الجزيرة)

وتستحق مسألة التصنيف الخرائطي وقفة مستقلة. فأوبن ستريت ماب ليست مؤسسة حكومية ولا جهة استخباراتية، بل مشروع تشاركي مفتوح المصدر يشبه في فلسفته موسوعة ويكيبيديا إذ يستطيع أي مستخدم مجهول أن يرسم مضلعاً على الخريطة ويصنّفه منطقة عسكرية، دون أي آلية تحقق ميداني إلزامية. تُبنى البيانات على المنصة عبر متطوعين يتتبعون صور الأقمار الصناعية أو يستوردون بيانات حكومية مفتوحة، وكثيرا ما يلجأون إلى التبسيط، حيث يرسمون مضلعا واحدا واسعا حول مجمع بأكمله ويضعون عليه وسم "عسكري"، دون تمييز بين المباني الفردية داخله. هذا بالضبط ما حدث في مجمع أرومية. مضلع واحد شامل يبتلع كل ما بداخله، بما في ذلك المطعم، تحت تصنيف عسكري موحد.

"بعد انتشار التحقيقات حول مدرسة ميناب، سارع محررو أوبن ستريت ماب إلى إخراج المدرسة والمستشفى من نطاق التصنيف العسكري. تكلف الأمر أرواح 165 طالبة لإجراء هذا التعديل"

ورغم أنه من غير المرجح أن الجيش الأمريكي يعتمد مباشرة على أوبن ستريت ماب في بناء بنك أهدافه؛ فلديه قواعد بيانات استخباراتية خاصة أبرزها قاعدة بيانات وكالة استخبارات الدفاع (DIA). لكن المشكلة أعمق من مصدر واحد، فالمنطق ذاته في تصنيف مساحة جغرافية كاملة كهدف عسكري دون تمييز بين مكوناتها يتكرر عبر المنصات المختلفة، سواء كانت مفتوحة أو سرية.

وحين تتطابق تصنيفات الخرائط المفتوحة مع التصنيفات الاستخباراتية الخاطئة، كما حدث في ميناب حيث أشارت منظمة "GeoConfirmed" إلى أن تصنيف أوبن ستريت ماب للموقع كمنطقة عسكرية كان متوافقا مع بيانات وكالة الاستخبارات القديمة، فإن هذا التوافق يمنح البيانات المتقادمة مصداقية زائفة ويُقلّص الحافز لإعادة التحقق منها.

واللافت أن مجتمع أوبن ستريت ماب نفسه أدرك الخلل ولكن بعد فوات الأوان. فبعد انتشار التحقيقات التي كشفت حقيقة استهداف مدرسة ميناب، سارع محررون على المنصة بعد 5 مارس/آذار 2026 إلى تعديل حدود المضلع العسكري في مجمع ميناب، وإخراج المدرسة والمستشفى من نطاق التصنيف العسكري. تعديلٌ يُقرّ ضمنياً بأن التصنيف السابق كان خاطئاً، لكنه جاء بعد مقتل أكثر من 165 شخصاً، وهو ما تكرر مع مجمع أرومية أيضا.

نمطٌ وليس خطأ!

لفهم خطورة ما جرى في أرومية، لا بد من العودة إلى ما حدث في ميناب قبلها بـ3 أيام فقط. في صباح 28 فبراير/شباط 2026، أي في اليوم الأول من الحرب، ضرب صاروخ توماهوك أمريكي مدرسة "الشجرة الطيبة" الابتدائية للبنات في حي شهرك المهدي بمدينة ميناب جنوبي إيران. قُتل في الضربة ما لا يقل عن 165 شخصا، معظمهم فتيات بين السابعة والثانية عشرة من العمر، و26 معلما من بينهم مديرة المدرسة، وأربعة من أولياء الأمور.

كشفت التحقيقات اللاحقة أن السبب كان مروّعا، فقد صنّفت وكالة استخبارات الدفاع مبنى المدرسة كمنشأة عسكرية في قاعدة بياناتها، وهو تصنيف يعود إلى حقبة كان فيها المبنى جزءاً فعلياً من مجمع تابع لبحرية الحرس الثوري قبل أكثر من 10 سنوات. ومنذ عام 2017، كانت صور الأقمار الصناعية تُظهر بوضوح مدرسة عاملة.

إعلان

أنشأ ضباط القيادة المركزية الأمريكية إحداثيات الضربة اعتماداً على بيانات وكالة استخبارات الدفاع القديمة دون الاهتمام بمقارنتها مع صور الأقمار الصناعية الحالية، وهي الصور التي يمكن مراجعتها في دقائق.

"وزير الحرب بيت هيغسيث قلّص فريق تقييم الخسائر المدنية في القيادة المركزية من عشرة أفراد إلى فرد واحد، ما يعني تفكيك طبقة التحقق البشري التي صُمّمت لاكتشاف هذا النوع من الأخطاء قبل أن تبدأ الحرب"

وقد تفاقم هذا الإخفاق بفعل عامل مؤسسي آخر حيث كان وزير الحرب بيت هيغسيث قد خفّض القوة العاملة في "مركز التميز لحماية المدنيين" بنسبة تقارب 90%، وقلّص فريق تقييم الخسائر المدنية في القيادة المركزية من عشرة أفراد إلى فرد واحد. أي أن طبقة التحقق البشري التي صُمّمت تحديداً لاكتشاف هذا النوع من الأخطاء كانت قد فُككت عملياً قبل أن تبدأ الحرب.

ويؤشر هذا إلى نمط متكرر يتمثل في الاعتماد المحتمل على بيانات غير محدثة أو غير دقيقة أدى في الحالتين إلى دمج منشآت مدنية ضمن أهداف عسكرية. في ميناب، كان المبنى المستهدف مدرسة فُصلت عن القاعدة العسكرية قبل عقد من الزمن. وفي أرومية، كان مطعماً تجارياً مفتوحاً للعموم ومسجلاً على منصات الملاحة الرقمية الكبرى.

وتطرح هذه المقارنة تساؤلات أوسع حول مسؤولية الجهات المنفذة للضربات في التحقق من مصادر بياناتها، خاصة عندما تكون هذه البيانات متاحة علنياً ويمكن التحقق منها بوسائل مفتوحة. كما لا يُستبعد أن تكون بعض الضربات قد نُفذت مع إدراك مسبق بوجود منشآت مدنية داخل النطاق المستهدف، ما يفتح المجال أمام فرضية الاستهداف المتعمد إلى جانب فرضية الإخفاق الاستخباري. غير أن حسم هذه المسألة يتجاوز نطاق الأدلة المتاحة في هذا التحقيق.

وثمة سياق مؤسسي لا بد من استحضاره. فالحرس الثوري الإيراني يمارس أنشطة اقتصادية تخدم قطاعات واسعة من المدنيين، مثل المطاعم والمراكز الخدمية والصناعية والرياضية والمستودعات، وهو في هذا لا يختلف كثيرًا عن دول إقليمية مختلفة تمارس فيها القوات المسلحة أنشطة اقتصادية لا يمكن أن تندرج بحال تحت لافتة النشاط العسكري.

نوادي الضباط ظاهرة عالمية

إن محاولة توصيف حالة "مطعم طلائية" كواقعة استثنائية أو كدليل على خصوصية إيرانية في المزج بين الأعيان المدنية والعسكرية، تتجاهل واقعاً يمتد في العالم بأسره. فالمؤسسات العسكرية في دول عديدة تدير إمبراطوريات خدمية وتجارية بحتة تشمل مطاعم وفنادق ومنتجعات سياحية، يقع بعضها داخل أسوار القواعد العسكرية أو بمحاذاتها، وتستقبل الجمهور دون قيود.

وإذا ما تم سحب المنطق الذي جعل من مطعم أرومية هدفاً عسكرياً على هذه المنشآت، فإن ذلك يعني تحويل حفلات الزفاف في القاهرة ومنتجعات الترفيه على شواطئ تركيا ومئات الغرف الفندقية في أمريكا وأوروبا إلى أهداف مشروعة في سلسلة الاستهداف.

"المؤسسات العسكرية في دول عديدة تدير إمبراطوريات خدمية وتجارية تشمل مطاعم وفنادق ومنتجعات سياحية، يقع بعضها داخل أسوار القواعد العسكرية أو بمحاذاتها، وتستقبل الجمهور دون قيود"

في الولايات المتحدة، تدير وزارة الحرب شبكة عالمية من المنشآت الترفيهية والفندقية تحت مظلة برنامج "الروح المعنوية والرفاه والترفيه" (MWR). تضم هذه الشبكة أكثر من 1600 غرفة فندقية في 16 موقعاً حول العالم، ومنتجعات سياحية فاخرة تُدار مباشرة من قبل "قيادة إدارة المنشآت" التابعة للجيش الأمريكي.

تضم هذه الشبكة فندق "هيل كوا" (Hale Koa) على شاطئ وايكيكي في هاواي، وهو منتجع مطل على المحيط يمتد على 72 فداناً من الحدائق الاستوائية ويضم مطاعم ومسابح وصالات أفراح، وفندق "شيدز أوف غرين" داخل منتجع والت ديزني في فلوريدا، و"دراغون هيل لودج" في قلب العاصمة الكورية سيول. وفي جبال الألب البافارية بألمانيا، يقع منتجع "إيدلوايس"، وهو فندق بُني عام 2004 بتكلفة 80 مليون دولار، ويقدم خدمات التزلج والجولات السياحية وحفلات الزفاف.

جميع هذه المنشآت مملوكة لوزارة الحرب الأمريكية ومسجلة في قواعد البيانات الجغرافية كمرافق تابعة للجيش، لكنها في وظيفتها الفعلية فنادق ومنتجعات ومطاعم تستقبل عائلات وأطفالاً ومدنيين.

وفي المملكة المتحدة، تُعدّ قاعات الضباط في القواعد العسكرية البريطانية أماكن تقليدية لإقامة حفلات الزفاف والمناسبات الاجتماعية، وتُفتح لعائلات العسكريين والمدنيين المدعوين. أما الأكاديمية العسكرية الملكية في ساندهيرست فتُسوّق نفسها كوجهة لحفلات الزفاف.

إعلان

وفي شرق آسيا، تمتلك القوات المسلحة اليابانية والكورية الجنوبية نوادي ومرافق ترفيهية مماثلة، فيما يدير الجيش الأمريكي أيضا فنادق ومطاعم داخل قواعده في كوريا الجنوبية واليابان وألمانيا يرتادها المدنيون يومياً.

وإذا انتقلنا إلى الشرق الأوسط، تشرف القوات المسلحة المصرية على شبكة واسعة من المرافق الخدمية المتاحة للمدنيين. فمنشأة مثل "دار الدفاع الجوي" في حي مدينة نصر بالقاهرة، رغم مسمّاها العسكري، تمثل مجمعاً حيوياً للمناسبات الاجتماعية والمدنية، يضم قاعات تستوعب مئات الأشخاص وتقدم خدمات فندقية متكاملة، وقد شهدت مناسبات لشخصيات عامة مثل اللاعب محمد صلاح. وينسحب هذا النمط على دور أخرى تابعة لمختلف الأسلحة كالمشاة والمدرعات، والتي تستضيف بشكل يومي فعاليات مدنية رغم وقوع بعضها داخل النطاقات العسكرية.

بالمثل في تركيا، تمتلك مؤسسة "أوياك" (OYAK)، وهي صندوق التقاعد العسكري في تركيا، ذراعا اقتصاديا يضم عشرات الشركات العاملة في قطاعات الصناعة والخدمات المالية والمنتجات الغذائية. وفي باكستان والأردن، تدير المؤسسات العسكرية منشآت تتنوع بين المخابز والمولات التجارية الكبرى والمصانع المدنية.

"وزارة الحرب التي قصفت مطعماً لوقوعه بالقرب من مجمع عسكري هي ذاتها التي تدير منتجعاً سياحياً بتكلفة 80 مليون دولار فوق أنقاض ثكنة ألمانية قديمة"

ما يعنيه هذا السياق واضح تماماً، وهو ما يجعله مُحرجاً للولايات المتحدة وإسرائيل. فوزارة الحرب التي قصفت مطعماً لوقوعه بالقرب من مجمع عسكري هي ذاتها التي تدير منتجعاً سياحياً بتكلفة 80 مليون دولار فوق أنقاض ثكنة ألمانية قديمة، وفندقاً داخل منتجع ديزني، ونواد للضباط تستضيف حفلات زفاف في عطلة نهاية الأسبوع.

ويوفر القانون الدولي الإنساني إطاراً لا لبس فيه بشأن الضربات على المجمعات ذات الاستخدام المزدوج. يُلزم مبدأ التمييز الأطراف المتحاربة بالتفريق بين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية في جميع الأوقات. وتُعرّف المادة 52(2) الأهداف العسكرية عبر شرطين، هما أن يُسهم الهدف إسهاماً فعلياً في العمل العسكري، وأن يُحقق تدميره ميزة عسكرية أكيدة. والأهم من ذلك، تُنشئ المادة 52(3) قرينة واضحة وهي أن الأماكن المكرسة عادة لأغراض مدنية، كدور العبادة والمساكن والمدارس، يتم التعامل معها على أنها مدنية في حال الشك.

فندق "هيل كوا"على شاطئ وايكيكي في هاواي (موقع الفندق على فيسبوك)

جريمة عن اختيار لا عجز

تعكس واقعة مطعم طلائية، حين تُوضع إلى جانب كارثة مدرسة ميناب، نمطاً متكرراً من الإخفاق في تحييد الأهداف المدنية عن الأهداف العسكرية. فرغم امتلاك الولايات المتحدة وإسرائيل قدرات متقدمة في الاستهداف الدقيق، إلا أن نمط الاستهداف يشي بأن القوات المهاجمة ليست معنية بدقة الاستهداف أكثر مما تعنى بإحداث تأثير الصدمة. وفي الحرب على إيران، يبدو أن هذه القدرات التقنية الهائلة تصبح عبئا إذا ما غابت المعلومات الاستخبارية المحدثة بشكل مستمر.

"تشير نتائج هذا التحقيق إلى ثلاثة إخفاقات متعاضدة تلاقت في الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران"

تشير نتائج هذا التحقيق إلى أن ثلاثة إخفاقات متعاضدة تلاقت في الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران. أولا الاعتماد على قواعد بيانات استخباراتية متقادمة صنّفت منشآت مدنية كأهداف عسكرية، واستخدام أنظمة استهداف مدعومة بالذكاء الاصطناعي مع تذخيرها ببيانات قديمة، والإخفاق الثالث في الجيش الأمريكي يتمثل في التفكيك المتعمد للبنية التحتية لحماية المدنيين داخل وزارة الحرب الأمريكية، والذي أزال الضمانات البشرية المصممة لاكتشاف هذا النوع من الأخطاء بالتحديد.

في حالة مجمع فيلق شهداء غرب أذربيجان، يظهر أن هذا الخلل المحتمل في طبقة البيانات قد أسهم في استهداف منشأة تحمل طابعاً مدنياً نشطاً. غير أن المعطيات المتاحة لا تسمح بحصر تفسير الواقعة في إطار الإخفاق الاستخباري فقط، إذ يظل احتمال أن يكون الاستهداف قد تم مع إدراك مسبق لطبيعة بعض المنشآت داخل المجمع قائماً.

ورغم تنصل القوى الكبرى من قيود القانون الدولي، يظل من الضروري التأكيد على المعايير القانونية التي يجب الالتزام بها في الحروب والمواجهات العسكرية المسلحة. ما يطلبه القانون الدولي هو تنفيذ ما هو مستطاع عمليا لتجنب استهداف المدنيين. وبالنسبة للجيش الأكثر تقدماً في العالم، الذي يمتلك مراقبة فضائية آنية وتحليلاً للصور بالذكاء الاصطناعي وعقوداً من الدخول في حروب من هذا النوع، فإن مراجعة صورة قمر صناعي حالية لهدف ما قبل إطلاق صاروخ عليه تقع بوضوح ضمن تعريف "المستطاع". والإخفاق في القيام بذلك لا يمثل قصوراً تقنيًا أو عجزًا مؤسسيا، بل اختيارًا واعيًا "مشوها" وتحديدًا "معطوبا" للأولويات في هذا الصراع.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا