أعرب الكاتب الأمريكي توماس فريدمان عن شكوكه في أن الأوضاع ستتحسن في الشرق الأوسط بعد تدمير إيران جراء الحرب التي تشنها عليها الولايات المتحدة وإسرائيل، لأن الوقائع أثبتت -في نظره- أنه لا يوجد حل "نهائي" للصراعات في المنطقة.
وأوضح فريدمان -في مقال رأي بنيويورك تايمز– أن أخطر الكلمات في الشرق الأوسط هي الموجودة في عبارة "مرة واحدة وإلى الأبد"، لأن الصراعات بالمنطقة لن تنتهي أبدا مهما تعهدت الأطراف في كل أزمة بأنها ستحلها بشكل نهائي.
ولشرح شكوكه بشأن مآل الحرب الحالية على إيران، عرض فريدمان 3 قواعد اهتدى بها في تغطيته لأزمات المنطقة منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، وتتلخص في ما يلي:
يسجل فريدمان أن قاعدة "مرة واحدة وإلى الأبد" -في السياق الحالي- قد تعني أن إسرائيل أو أمريكا ستقضي عسكريا ونهائيا على أي تهديد، ويقول إن السبيل الوحيد للقضاء نهائيا على أي تهديد عسكري هو القوة والسياسة معًا، وأقر بأن ذلك أمر بالغ التعقيد، ويتطلّب دائمًا تنازلات سياسية.
وساق فريدمان نموذج نهج الاغتيالات الذي اعتمدته إسرائيل للقضاء على حركة المقاومة الإسلامية ( حماس)، إذ قتلت -منذ التسعينيات- 3 أجيال من قادة الحركة ( يحيى عياش و أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي… إلخ)، دون أن تقضي نهائيا على الحركة التي يتولى جيلها الرابع حاليا زمام الأمور في مناطق القطاع غير الخاضعة لسيطرة إسرائيل.
وعلى ضوء ذلك، تساءل فريدمان عن مدى صعوبة القضاء على القيادة الإيرانية من خلال ضربات جوية على بعد ألف ميل تقريبا.
وفسر فريدمان عدم نجاعة أسلوب الاغتيالات في القضاء على "حماس" بكون الحركة متجذرة في النسيج الاجتماعي داخل غزة، ولأن إسرائيل ترفض بشكل قاطع التعاون مع قيادة بديلة وهي السلطة الفلسطينية بالضفة الغربية.
ويقول فريدمان إن حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ترفض التعاون مع السلطة الفلسطينية لتعطيل حل الدولتين، وللسيطرة الدائمة على الضفة الغربية وضمها يوماً ما، نهائياً. وعلق على ذلك بقوله إن هذا السيناريو لن ينجح أيضا.
ويرى فريدمان أن الأمور في إيران تسير على نفس المنوال، إذ إن نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترمب يواصلان قتل قادة إيران ثم يخلفهم قادة جدد، بينما لا تزال المعارضة الإيرانية تفتقر إلى قيادة موحدة وبرنامج مشترك، وهي تعيش في حالة خوف من الحكومة الحالية في طهران ومن القنابل الإسرائيلية.
عرض فريدمان حكمة مفادها أنه ليس من الحكمة أبداً أن تُجرّد دولة ما عدوّها من كرامته إلى درجة يشعر معها بأنه لم يعد لديه ما يخسره.
وعطفا على ذلك، قال إن سياسة الاستيطان الإسرائيلية بالضفة الغربية ستحرم الفلسطينيين من أي فرصة لإقامة دولة هناك، لكن ذلك لن يترك لإسرائيل -على المدى البعيد- سوى خيارين: إما أن تكون دولة ثنائية القومية وليست دولة يهودية، أو دولة فصل عنصري وليست دولة ديمقراطية.
ويرى فريدمان أن إسرائيل إذا طبقت نفس النهج، وسعت لتدمير واحتلال مساحات شاسعة من لبنان، وتدمير اقتصاد النفط الإيراني، فإنها ستُحرِّض سكان البلدين ضدها وستتركهما في حالة من الفوضى الاقتصادية تجعل الحكم فيهما مستحيلاً.
وبخصوص لبنان، يرى فريدمان أن السبيل الوحيد للقضاء على حزب الله كقوة عسكرية هو عملية سياسية داخلية تقودها حكومة رئيس الوزراء نواف سلام والرئيس جوزيف عون، لكن ذلك سيكون صعبا للغاية إذا استمرت إسرائيل في قصف كل مبنى يقطنه أحد قادة الحزب، وسيطرت على جنوب لبنان بأكمله.
لاحظ الكاتب أن وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث يتباهى بقوة بلاده العسكرية وبالضربات التي توجهها لإيران، وتساءل عن جدوى تلك القوة بعد أن تبين أن واشنطن لم تكن مستعدة للارتفاع الهائل في أسعار النفط الذي تسببت فيه إيران بقصفها للسفن في الخليج العربي ومنشآت النفط في الدول العربية المجاورة.
وقال فريدمان إن "إيران الضعيفة" يكفيها أن تطلق مسيّرة واحدة يوميًا من على ظهر شاحنة خضراوات لقطع إمدادات النفط عبر مضيق هرمز، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة عالميًا.
ويرى الكاتب أن ما سماها "المأساة العالمية" لن تنتهي نهاية سعيدة ومستدامة بقتل ترمب ونتنياهو جميع قادة حماس وحزب الله وإيران، أو بتجريدهم من كل رصاصة وصاروخ وطائرة مسيّرة.
وفي المقابل، يحبذ الكاتب حلا يتمثل في إضعاف أولئك القادة بما يكفي لفتح المجال أمام ممارسة السياسة الحقيقية في غزة ولبنان وإيران، بحيث لن يكون أمامهم سوى مراعاة رغبة شعوبهم في التمتع بمزايا الحداثة، وأكد أن تلك -وليس الحرب- هي الطريقة الوحيدة لإنهاء هذه الصراعات نهائيًا.
المصدر:
الجزيرة