بات القصف الكثيف المتبادل بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لا يهدد فقط الاستقرار الإقليمي في الشرق الأوسط، بل يثير سلسلة من التداعيات التي تمتد من أسواق النفط والغاز إلى سلاسل التسلح العالمية، بل وحتى إلى موازين القوة بين القوى الكبرى.
وفي تحليل نشرته مجلة فورين بوليسي، ناقش نائب رئيس التحرير كاميرون عبادي مع الاقتصادي والمؤرخ آدم توز، مدير المعهد الأوروبي في جامعة كولومبيا، أبرز الأسئلة التي أثارها الأسبوع الأول من الحرب مثل: من يربح ومن يخسر من ارتفاع أسعار الطاقة؟ وهل تواجه الولايات المتحدة وحلفاؤها أزمة ذخائر؟ وما الذي قد تعنيه هذه الحرب للاقتصاد العالمي والنظام الجيوسياسي الأوسع؟
منذ بداية العمليات، نفذت الولايات المتحدة وإسرائيل نحو ألفي ضربة عسكرية داخل الأراضي الإيرانية، في حملة تؤكد أن الصراع -وفق المقال- تجاوز منذ أيامه الأولى وصف "العملية المحدودة" ليصبح حربا واسعة النطاق.
وردت إيران بإطلاق مئات الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه إسرائيل ودول مجاورة، ما وسّع نطاق التوتر ليشمل كامل الشرق الأوسط تقريبا.
ورغم هذا التصعيد السريع، لا تزال الأهداف الدقيقة للحرب من جانب الإدارة الأمريكية غير واضحة تماما. غير أن ما بات واضحا بالفعل هو أن الصراع بدأ يضغط بشدة على منظومات الدفاع الصاروخي وعلى أسواق الطاقة العالمية في آن واحد.
وقال آدم توز إن إسرائيل وإيران تخوضان حربا هي الأبعد مسافة بين خصمين في التاريخ دون اشتباك بري مباشر، مما جعل الذخيرة هي المتغير الحاسم والمقيد للعمليات.
وأضاف في حواره مع عبادي أن هذا النوع من الأزمات ليس جديدا في تاريخ الحروب الحديثة، بل يعكس معضلة هيكلية في الصناعات العسكرية. فالدول تواجه دائما خيارا صعبا: إما تخزين كميات ضخمة من الذخائر استعدادا للحرب، وهو أمر مكلف للغاية وغير فعّال اقتصاديا، أو الاكتفاء بمخزونات محدودة لتوفير المال، ما يجعل خطوط الإنتاج عاجزة عن تلبية الطلب عندما تندلع الحرب فعلا.
وأشار توز إلى أن التاريخ يقدم أمثلة مبكرة على هذه المعضلة، أبرزها ما عُرف بأزمة القذائف خلال الحرب العالمية الأولى عام 1914، عندما استنزفت الجيوش الأوروبية مخزوناتها بسرعة بسبب القصف المتبادل الكثيف.
المفارقة تكمن في أن الأزمة ليست في الأسلحة الهجومية، بل في المعدات الدفاعية أو الصواريخ الاعتراضية.
ويصف توز التحدي بأنه محاولة "إصابة رصاصة برصاصة أخرى"، وهي عملية مكلفة ومعقدة تقنيا. ففي حين تطلق إيران مئات الطائرات المسيرة والصواريخ الرخيصة نسبيا، يضطر الحلفاء لاستخدام منظومات مثل باتريوت التي تصل تكلفة البطارية الواحدة منها إلى 1.5 مليار دولار، وصواريخ (ثاد) التي تبلغ تكلفة الطلقة الواحدة منها 15 مليون دولار.
هذا الفارق الهائل في التكلفة والقدرة الإنتاجية -في تقديره- يضع الولايات المتحدة أمام معضلة، فشركة لوكيهيد مارتن تنتج نحو 600 صاروخ اعتراض سنويا، في حين قد تتطلب هجمة إيرانية واحدة إطلاق 1500 صاروخ لضمان الحماية.
هذا العجز لا يهدد -برأيه- أمن إسرائيل ودول الخليج فحسب، بل يمتد أثره إلى أوكرانيا التي تتضور جوعا لتوفر نفس هذه الذخائر لمواجهة الصواريخ الروسية، مما يضع تماسك التحالف مع واشنطن على المحك.
إلى جانب التحديات العسكرية، أثارت الحرب مخاوف عميقة في أسواق الطاقة العالمية، خصوصا مع الحديث عن احتمال إغلاق مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم.
ويصف توز هذا السيناريو بأنه "كابوس أسواق الطاقة"، نظرا لأن المضيق يشكل شريانا أساسيا لتدفق النفط والغاز من الخليج إلى العالم.
وتكمن المشكلة الكبرى في أن حقول النفط لا يمكن إيقافها وتشغيلها بسهولة. فإذا تعطلت الصادرات لفترة طويلة، قد تمتلئ مرافق التخزين لدى كبار المنتجين مثل السعودية و العراق، مما يضطرهم إلى تقليص الإنتاج أو حتى إغلاق بعض الحقول، وهو أمر قد يضر بإنتاجيتها على المدى الطويل.
أما في قطاع الغاز، فقد دخلت الأسواق في حالة تشنج بعد إعلان قطر "القوة القاهرة" وتوقف منشآتها التي تمثل 20% من شحنات الغاز المسال العالمية.
ورغم أن 85% من نفط المضيق يتجه لآسيا، إلا أن المحلل الاقتصادي آدم توز يرى في حواره مع عبادي أن الأزمة عالمية بامتياز، فالأوروبيون الذين استنزفوا مخزوناتهم وعادوا لحالة "الاسترخاء" بعد أزمة أوكرانيا، يجدون أنفسهم اليوم مضطرين لدفع أثمان باهظة لتأمين شحنات الغاز المسال، مما يطرد الدول الأقل ثراء -مثل باكستان وبنغلاديش- من السوق تماما لعدم قدرتها على المنافسة مع ارتفاع الأسعار.
في خضم هذا الاضطراب، تبرز روسيا والولايات المتحدة كأكبر الرابحين المباشرين من قفزة أسعار الوقود الأحفوري. فموسكو قادرة على تمويل حربها في أوكرانيا من خلال "علاوة المخاطر" التي تفرضها الحرب في الخليج، في حين تحقق شركات النفط الغربية، مثل إكسون موبيل الأمريكية، أرباحا تاريخية.
لكن توز يطرح بصيص أمل بعيد المدى، حيث قد تكون "الطاقة المتجددة" هي الرابح الإستراتيجي الأكبر. فالدرس المتكرر حول مخاطر الاعتماد على الوقود المستورد من مناطق غير مستقرة جيوسياسيا قد يدفع العالم أخيرا إلى التحول نحو الطاقة الخضراء المستمدة من مصادر طبيعية متجددة مثل الشمس والرياح والمياه، خاصة مع تفوق الصين في إنتاج ألواح شمسية قادرة على توليد كهرباء تضاهي كل الغاز الذي يمر عبر مضيق هرمز.
في ما يتعلق بالموقف الصيني، يفند آدم توز الادعاءات القائلة بأن الحرب تمثل إحراجا لبكين بسبب علاقتها بإيران. ويؤكد أن الصين، كقوة عظمى في القرن الـ21، لا تبني إستراتيجيتها على شركاء من الدرجة الثانية مثل إيران أو فنزويلا، بل تركز على "اللاعبين الحقيقيين" في الخليج مثل السعودية والإمارات.
وفي رأيه أن الصين لا تحتاج للنفط الإيراني الرخيص لأنها تمتلك فائضا تجاريا يتجاوز تريليون دولار، بل إنها تتحكم في إيقاع أسواق السلع العالمية.
ويتوقع توز أن يكتفي الصينيون بتوخي ضبط النفس والتعامل بهدوء، "فقد قالوا ما يجب أن يُقال، وهو أن هذا الإجراء غير قانوني ومرفوض تماما، وقد نأوا بأنفسهم عنه بشكل قاطع".
ويتصور أن الصينيين سينتظرون حتى "ينقشع الغبار" وتدرك القوى الفاعلة في الخليج أين يكمن الاستقرار الحقيقي، ومن هو المصدر الفعلي للطلب في السوق، ومن يمتلك التكنولوجيا ذات الصلة.
وسيكون الجواب حينها -حسب تأكيده- هو الصين لا الولايات المتحدة، إذ يبدو أن هذه هي اللحظة التي سيتريث فيها الصينيون ببساطة حتى تأتيهم اللعبة بشروطهم.
وبفضل "الصقور" في بكين الذين أصروا على بناء احتياطي إستراتيجي منذ عام 2003، تمتلك الصين الآن ما يقرب من ملياري برميل مخزنة، وهو ما يكفي لإطعام آلتها الإنتاجية العملاقة لمدة 6 أشهر.
وهكذا، بعد أسبوع واحد فقط من اندلاع الحرب، يتضح أن الصراع مع إيران لا يقتصر على المواجهة العسكرية، بل يفتح فصلا جديدا من التنافس الاقتصادي والجيوسياسي، حيث تتداخل الحسابات العسكرية مع معادلات الطاقة والاقتصاد العالمي.
وإذا استمر التصعيد، فقد تتحول هذه الحرب إلى اختبار شامل لقدرة النظام الدولي على احتواء صدمة جديدة في منطقة تعد قلب سوق الطاقة العالمي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة