ألقي اللقبض على الزعيم الفنزويلي نيكولاس مادورو وتم نقله إلى الولايات المتحتدة في إطار عملية عسكرية أمريكية، لمواجهة سلسلة من التهم المرتبطة بالاتجار بالمخدرات والتآمر لحيازة أسلحة.
الإجراء الأحادي الجانب الذي اتخذته إدارة ترامب لإلقاء القبض على مادورو ونقله من بلاده في عملية أُطلق عليها اسم "عملية العزم المطلق"، يقال إنه شاركت فيها 150 طائرة لضرب مواقع في شمال فنزويلا، بما في ذلك العاصمة كاراكاس. وتشير بعض التقارير إلى مقتل أربعين شخصًا نتيجة الضربات الأمريكية. وقد قوبلت العملية بالترحيب والإدانة معًا من قبل المراقبين.
وفي حين وصف كثير من خبراء السياسة الخارجية والقانون الدولي إزاحة مادورو بأنه أمر إيجابي، فإن هناك شكوكا بشأن مشروعية ما فعلته الولايات المتحدة. وينظر ‘لى مادورو على نطاق واسع بوصفه قائدًا غير شرعي عقب انتخابات عام 2024 التي قال مراقبون مستقلون إنه خسرها، وسجله في اضطهاد خصومه.
وصفت الإدارة الأولى لترامب في عام 2020 مادورو بأنه "إرهابي مخدرات"، واتهمته برئاسة مجموعة من مسؤولين فنزويليين قيل إنهم استفادوا من تجارة المخدرات.
في ولاية ترامب الثانية، تغيرت العلاقاتا سريعًا بعد أن بدت أكثر ودّية، حيث شهدت تعاون نظام مادورو مع إدارة ترامب في إعادة الفنزويليين في ظل موقف ترامب المتشدد من الهجرة، لتتحول إلى صراع، حين استهدفت الولايات المتحدة ما زعمت أنها قوارب فنزويلية لتهريب المخدرات في البحر الكاريبي. كما أعلن ترامب أن مخدر الفِنتانيل سلاح دمار شامل وهي (مادة أفيونية صناعية قوية جدًا خارج الاستخدام الطبي وتعد من أخطر المخدرات غير المشروعة). لكن لم تُقدَّم سوى أدلة قليلة لدعم هذه الادعاءات.
ورأى بعض المراقبين أن الحملة في الكاريبي والحشد البحري الأمريكي صُمّما للضغط من أجل الاستيلاء على احتياطيات فنزويلا النفطية، وتُعزّز تعليقات ترامب منذ القبض على مادورو هذا الرأي. غير أن احتمال تغيير النظام بات أكثر وضوحًا عقب مقابلة موسّعة أُجريت مؤخرًا مع سوزي وايلز، كبيرة موظفي البيت الأبيض.
طريقة محاولة تغيير النظام أثارت الإدانات، بما في ذلك من قبل الصين. فقد اتهمت وزارة الخارجية الصينية الولايات المتحدة بارتكاب "أفعال هيمنة" ضد فنزويلا، ووصفت إلقاء القبض على مادورو وزوجته بأنه "انتهاك واضح للقانون الدولي".
وصف كثير من خبراء السياسة الخارجية والقانون الدولي إزاحة مادورو بأنه أمر إيجابي، لكن هناك شكوك بشأن مشروعية ما فعلته الولايات المتحدة.صورة من: Giorgio Viera/AFP/Getty Images
قادت الولايات المتحدة تأسيس الأمم المتحدة، ووقّعت في عام 1945 على وثيقتها التأسيسية (ميثاق الأمم المتحدة)، الذي يستند إليه العديد من مبادئ القانون الدولي، بما في ذلك سلامة الأراضي.
وأشار باحثون إلى المادة الثانية، الفقرة الرابعة، من الميثاق، للقول إن أفعال الولايات المتحدة انتهكت القانون الدولي. وتنص هذه الفقرة على أنه "يمتنع أعضاء الهيئة جميعاً في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة أو على أي وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة".
وقال ماركو ميلانوفيتش، مدير قسم القانون الدولي في جامعة ريدينغ في المملكة المتحدة: "كان ذلك استعمالًا للقوة". وأضاف: "إذا أرسلت 150 طائرة إلى دولة أخرى، وإذا بدأت بقصف دفاعاتها الجوية، وإذا اختطفت رئيسها، وإذا قتلت عشرات الأشخاص، فهذا استعمال للقوة بالمعنى الوارد في المادة الثانية، الفقرة الرابعة".
وتوجد استثناءات، أبرزها صدور تفويض عن مجلس الأمن الدولي للشروع في عمل عسكري ضد دولة أخرى. غير أن هذا التفويض لم يُطلب قبل الاستيلاء على مادورو. وهناك استثناء آخر وهو الدفاع عن النفس، إلا أنه، نظرًا للفارق الكبير في القوة العسكرية بين الولايات المتحدة وفنزويلا، يبقى من غير الواضح كيف يمكن أن يصمد هذا التبرير.
ماركو ميلانوفيتش، خبير القانون الدولي: إذا أرسلت 150 طائرة إلى دولة أخرى، وإذا بدأت بقصف دفاعاتها الجوية، وإذا اختطفت رئيسها... فهذا استعمال للقوة بحسب المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدةصورة من: Leonardo Fernandez Viloria/REUTERSحتى توصيف الفِنتانيل كسلاح دمار شامل، ووصم مادورو بأنه إرهابي مخدرات، واتهامه بالتآمر ضد الولايات المتحدة، من غير المرجح أن يُقبل وفق أي معيار دولي بوصفه مبررًا للدفاع عن النفس.
وقال ميلانوفيتش لـ DW: "الدفاع عن النفس يتطلب وجود هجوم مسلح. السماح بتصدير المخدرات من دولة إلى أخرى ليس هجومًا مسلحًا، ولم يُعامل قط على أنه هجوم مسلح".
كما اعتقال مادورو يبدو أنه التفاف على القانون الداخلي الأمريكي أيضا، فاستخدام الجيش الأمريكي لمهاجمة دولة أجنبية، كما أقرت وايلز في مقابلتها مع مجلة فانيتي فير، يتطلب أيضًا موافقة الكونغرس، وهذه الموافقة لم يتم الحصول عليها.
وفي مؤتمر صحفي ترأسه ترامب، حاول وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو تبرير العملية على أنها إجراء لإنفاذ القانون، لا إعلان حرب، قائلًا: "في جوهرها، كانت اعتقالًا لاثنين من الهاربين المطلوبين للعدالة الأمريكية، وقد دعمت وزارة الحرب وزارة العدل في ذلك".
وقال جيريمي بول، الخبير في القانون الدستوري بجامعة نورث إيسترن في الولايات المتحدة، إن حجة روبيو "معقولة"، لكن تصريحات لاحقة للرئيس عن "إدارة" الولايات المتحدة لفنزويلا وحقولها النفطية "قوّضت تمامًا" هذا التبرير.
وقال بول لـ DW: "لقد أُلقي القبض عليه (مادورو)، وهو الآن رهن الاحتجاز، وسيُحاكم في نيويورك. كان ينبغي أن تكون هذه النهاية، أليس كذلك؟ لا ينبغي أن يكون هناك أي سبب إضافي لحدوث أي شيء آخر". وأضاف: "كل ما قاله الرئيس ترامب عن حقول النفط، وعن إدارة البلاد، وعن العمل مع مسؤولين فنزويليين مختلفين… كل ذلك يقوّض تمامًا الأساس المنطقي الذي طرحه وزير الخارجية روبيو. إنه غير متسق كليًا".
ومثل غيره من المراقبين القانونيين والسياسيين الذين علّقوا منذ إزاحة مادورو، شدد بول أيضا على عدم شرعية الرئيس الفنزويلي السابق، لكنه أعرب عن قلقه من طريقة القبض عليه. وقال: "إن فشل الإدارة الحالية في الالتزام بالقانون الداخلي عبر التشاور مع الكونغرس، أو بالقانون الدولي، أمر مقلق، وآمل أن تسود العقول الهادئة".
جاء القبض على مادورو بعد 36 عامًا تمامًا من إطاحة الولايات المتحدة، في عهد الرئيس جورج بوش الأب، بديكتاتور بنما مانويل نورييغا، ونقله إلى فلوريدا لمواجهة تهم تتعلق بالابتزاز وتهريب المخدرات وغسل الأموال.
وتتوازى تلك اللحظة التاريخية مع الوضع الفنزويلي، إذ جاءت أيضًا عقب انتخابات متنازع عليها. كما أُدينت عملية بوش آنذاك لانتهاكها القانون الدولي وفشلها في الحصول على موافقة الكونغرس.
ويبدو مرجحًا أن يسمح قانون أمريكي أساسي مرة أخرى بمحاكمة قائد أجنبي على الأراضي الأمريكية. فمبدأ "كير – فريسبي" هو قاعدة قانونية راسخة، وإن كانت مثيرة للجدل، تتيح ملاحقة المتهم أمام القضاء الأمريكي بغض النظر عن الطريقة التي أُلقي بها القبض عليه.
وقال خبير القانون الدستوري جيريمي بول: "في نهاية المطاف سيكون لدى مادورو محامون، وهذا أمر لا جدال فيه، وسيكون معه محامٍ طوال الإجراءات". وأضاف: "في النهاية، فإن هذه قضية قانونية، إذا أُدين، سيستأنف الحكم على الأرجح حتى تصل القضية إلى المحكمة العليا".
أعده للعربية: عباس الخشالي
المصدر:
DW