وصف رئيس الوزراء الكندي مارك كارني العلاقة التجارية بين بلاده والولايات المتحدة بأنها دخلت "في حرب"، مبررا وصفه بأنه عندما "تتعرض دولة للهجوم تصبح في حالة حرب"، وهذا ما حدث مع كندا حيث تعرضت للهجوم من وجهة نظره، وتعهد بأن يدافع عن مصالح الأسر والشركات الكندية في المواجهة مع واشنطن.
ووجه كارني خطابا إلى مواطنيه مساء السبت قال فيه إن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب "أخطأ في حساباته"، بعد أن فرض على كندا رسوما جمركية تصل نسبتها إلى 50%، وتطال صادرات تبلغ قيمتها نحو 20 مليار دولار سنويا، مضيفا أن ترمب استهان بقدرة كندا على تحمل المصاعب الاقتصادية.
وأعلن كارني فرض رسوم جديدة على واردات أمريكية، تدخل حيز التنفيذ في الثامن من سبتمبر/أيلول المقبل، وتستهدف خصوصا قطاعات الصلب والإلكترونيات، مؤكدا أن كندا سترد على الرسوم الجمركية "دولارا بدولار".
وأشار كارني في خطابه إلى أنه سبق أن حذر من أن الولايات المتحدة "تحاول كسرنا كي تتمكن من إخضاعنا لسيطرتها"، لكن "كندا باتت أقوى وأقل اعتمادا على أمريكا"، وفق تعبيره، واصفا سياسة أمركيا مع كندا بأنها "تقدم القليل جدا وتطالب بالكثير جدا".
لكن رغم محاولات كارني لتنويع العلاقات التجارية لبلاده لاتزال الأسواق الأمريكية تستقبل نحو 70% من صادارت كندا، فيما بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 900 مليار دولار في عام 2025، وفق بلومبيرغ .
وأشارت صحيفة فايننشال تايمز الكندية إلى أن كندا سعت للحصول على إعفاء من الرسوم الجمركية المفروضة بنسبة 50% على قطاعي الصلب والألومنيوم لديها، وبنسبة 25% على السيارات، فضلاً عن الرسوم الجمركية ورسوم مكافحة الإغراق المفروضة على الأخشاب، وهي تدابير أدت على مدى الأشهر الثمانية عشر الماضية إلى إغلاق مصانع كندية وفقدان الكثير من الوظائف، حسب ما ذكرته الصحيفة.
ونقلت الصحيفة عن دان كيلي، رئيس الاتحاد الكندي للشركات المستقلة ، أن 40% من صغار المصدرين الكنديين الذين شملهم مسح للاتحاد لديهم منتجات ستتأثر مباشرة بالرسوم الجمركية الجديدة التي فرضها ترمب، فيما يتوقع نحو ثلثهم تراجع إيراداتهم بنسبة 50% أو أكثر نتيجة هذه الرسوم.
وفي هذا السياق أوضحت صحيفة نيويورك تايمز في تقرير لها عن تصاعد المواجهة التجارية بين الولايات المتحدة وكندا أن كارني حاول منذ وصوله إلى السلطة عقد تحالفات اقتصادية جديدة في آسيا وأوروبا لتخفيض اعتماد بلاده على السوق الأمريكية، بما في ذلك اتفاق تجاري محدود مع الصين، لكن من غير المنتظر أن تمثل الأسواق الأخرى بديلًا عن أسواق الولايات المتحدة بالنسبة للمنتجات الكندية في الوقت الراهن.
وانتقد كارني محاولات الولايات المتحدة الحد من قدرة كندا على إبرام اتفاقيات تجارية مع دول أخرى، مما يثير المخاوف بشكل خاص في مقاطعة كيبيك الناطقة بالفرنسية، والتي لديها ارتباطات تجارية هامة بعيدًا عن السوق الأمريكية.
وكانت دراسة لمؤسسة أكسفورد إيكونوميكس، وهي جهة بحثية مستقلة تتخذ من مدينة أكسفورد في إنجلترا مقرا لها، أوضحت أنه في ظل سيناريو يقوم على رسوم جمركية أمريكية بنسبة 25% على السلع الكندية، فإنه من المنتظر أن يتراجع الناتج المحلي الإجمالي لكندا بنحو 2.5%، مقارنة بسيناريو لا يتضمن أي رسوم أمريكية على المنتجات الكندية، وهو ما يعادل نحو 35 مليار دولار بأسعار عام 2024، وسيؤدي هذا التراجع إلى خسارة نحو 150 ألف وظيفة.
يذكر أن الناتج المحلي الإجمالي لكندا بلغ نحو 2.32 تريليون دولار في عام 2025، وفق بيانات البنك الدولي، فيما كان الناتج الأمريكي نحو 31 تريليون دولار، مما يوضح الفارق الكبير بين حجمي الاقتصاد في البلدين الجارين في أمريكا الشمالية.
وأضافت الدراسة أن التأثير الأكبر على الاقتصاد الكندي سوف يكون في قطاع التصنيع، حيث تشهد صناعات المعادن والمواد الكيميائية والمعادن ضغوطا أكبر بسبب الرسوم الأمريكية، علاوة على قطاع التشييد والبناء الذي سوف يتأثر بتراجع الاستثمارات مع انخفاض نسبة النمو الاقتصادي.
على الرغم من أن الاقتصاد الأمريكي أكبر حجما من نظيره الكندي، إلا أن هذا لا يعني أن المستهلكين الأمريكيين لن يتأثروا بالرسوم الجمركية التي يفرضها ترمب على أكبر الشركاء التجاريين للولايات المتحدة، ومنهم كندا.
وعلى نطاق أوسع، قدّر مختبر الميزانية في جامعة ييل أن سياسة الرسوم الجمركية الأمريكية الحالية سترفع تكاليف الأسرة الأمريكية في المتوسط بنحو 1100 دولار سنويا، مع ارتفاع متوقع في مستوى أسعار المستهلكين بنحو 0.7%.
وتضيف المجلة الأمريكية أنه، رغم صعوبة تحديد التكاليف المرتبطة بكندا بشكل منفرد، إلا أن سعر الألومنيوم يعد أحد المؤشرات الدالة على ذلك، ففي عام 2024، جاء نحو ربع كمية الألومنيوم التي استهلكها الأمريكيون من كندا، التي تُعد أكبر مصدر منفرد للألومنيوم المستورد إلى الولايات المتحدة.
وعلاوة على الارتفاع في تكلفة الإنتاج في الكثير من قطاعات الاقتصاد الأمركي بسبب الرسوم الجمركية، ومنها قطاعات السيارات والبناء والتشييد والأدوات الكهربائية، يعاني المستهلك الأمريكي من تبعات ارتفاع أسعار الطاقة عقب الحرب الأمريكية على إيران.
ولخصت صحيفة فايننشال تايمز أبرز التحديات الاقتصادية التي يواجهها ترمب حاليا في ثلاثة جوانب أساسية: ارتفاع الدين العام الأمريكي لأكثر من 40 تريليون دولار، وزيادة أسعار الديزل لنحو 5 دولارات للغالون، وقروض عقارية بلغت نسبتها 6.7% وتشكل عبئا كبيرا على ملايين الأمريكيين.
وفي المقابل استفادت كندا من زيادة حصيلة صادراتها من النفط والغاز الطبيعي المسال، مع ارتفاع أسعاره في السوق العالمي عقب اندلاع حرب إيران، الأمر الذي ساعدها على تحمل النتائج السلبية لرسوم ترمب الجمركية.
ومن ثم، يمكن القول إن الحرب التجارية بين الولايات المتحدة وكندا ستكون لها آثار اقتصادية سلبية على البلدين، كما أن توقيت هذه الحرب، التي تأتي بالتزامن مع حرب إيران وارتفاع أسعار الطاقة، يزيد من الضغوط المعيشية على المستهلكين الأمريكيين، ويزيد بالتبعية من الضغوط السياسية على إدارة ترمب قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في شهر نوفمبر/تشرين الثاني القادم.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة