تتجه الولايات المتحدة إلى إعادة الطيران المدني الأسرع من الصوت بعد أكثر من نصف قرن على حظره، في خطوة قد تمهد لعودة الرحلات التجارية فائقة السرعة.
واقترحت الإدارة معايير جديدة تعتمد على مستويات الضوضاء الناتجة عن اختراق الطائرات لحاجز الصوت، بحيث لا يتجاوز ضغط الموجة الصوتية 0.11 رطل لكل قدم مربعة، وهو مستوى تقول السلطات إنه سيجعل الصوت المسموع على الأرض أقرب إلى إغلاق باب سيارة بقوة، بدلا من دوي الانفجار الصوتي الذي ارتبط تاريخيا بالطائرات الأسرع من الصوت.
وقال مدير إدارة الطيران الفيدرالية، براين بيدفورد، إن هذه المعايير ستتيح مستقبلا إلغاء الحظر المفروض منذ سبعينيات القرن الماضي على الطيران الأسرع من الصوت فوق الأراضي الأمريكية، مع الحد من تأثير الضوضاء على السكان والمجتمعات الواقعة على مسارات الرحلات والمطارات.
وكانت الولايات المتحدة قد فرضت عام 1973 حظرا على الرحلات المدنية الأسرع من الصوت فوق أراضيها، بعد شكاوى واسعة من الأضرار التي تسببت بها موجات الانفجار الصوتي الناتجة عن اختبارات الطائرات العسكرية، والتي أدت في بعض المناطق إلى تحطم النوافذ، وتصدع جدران المباني، وإثارة الذعر بين السكان.
وظلت سمعة صناعة الطيران الأسرع من الصوت متأثرة لعقود، ليس فقط بسبب الضوضاء، وإنما أيضا نتيجة الحوادث التي تعرضت لها طائرات "كونكورد"، إلا أن التطورات التقنية الحديثة أعادت إحياء هذا القطاع، مع تركيز الشركات والهيئات البحثية على تقليل الضوضاء وتعزيز معايير السلامة.
وفي هذا الإطار، أعلنت وكالة "ناسا" في يونيو 2026 نجاح الطائرة التجريبية X-59 في التحليق لأول مرة بسرعة تفوق سرعة الصوت، محققة سرعة بلغت "ماخ 1.077"، في إنجاز يمثل محطة رئيسية ضمن مهمة Quesst الهادفة إلى تطوير طائرات أسرع من الصوت تحدث "طرقة" صوتية خفيفة بدلا من الانفجار الصوتي التقليدي.
وتعتمد طائرة X-59 على تصميم انسيابي يحد من شدة الموجات الصدمية، في إطار برنامج تقوده "ناسا" لإثبات إمكانية تشغيل طائرات مدنية أسرع من الصوت دون التسبب بالإزعاج الذي أدى إلى فرض الحظر قبل أكثر من خمسة عقود.
وبالتوازي مع جهود "ناسا"، تعمل شركات خاصة، من بينها Boom Supersonic وDawn Aerospace، على تطوير جيل جديد من الطائرات التجارية الأسرع من الصوت، في ظل توقعات بأن يؤدي تحديث اللوائح التنظيمية إلى تسريع دخول هذه الطائرات الخدمة خلال السنوات المقبلة.
وأوضحت إدارة الطيران الفيدرالية أنها تعتزم طرح مقترح تنظيمي إضافي في وقت لاحق من العام الجاري، يتناول معايير الضوضاء الخاصة بإقلاع وهبوط الطائرات الأسرع من الصوت، في خطوة تعد جزءا من مسار تشريعي يهدف إلى إعادة هذا النوع من الرحلات إلى الأجواء الأمريكية بعد توقف دام أكثر من 53 عاما.
وكانت طائرة كونكورد ثمرة مشروع مشترك بين بريطانيا وفرنسا، أُطلق في ستينيات القرن الماضي بهدف إحداث نقلة نوعية في الطيران التجاري عبر تقليص زمن الرحلات العابرة للمحيط الأطلسي إلى النصف تقريبا.
ودخلت الطائرة الخدمة التجارية عام 1976 لدى شركتي الخطوط الجوية البريطانية والخطوط الجوية الفرنسية، وكانت تحلق بسرعة تزيد على ضعفي سرعة الصوت (نحو ماخ 2)، ما مكنها من قطع الرحلة بين لندن أو باريس ونيويورك في أقل من ثلاث ساعات ونصف، لتصبح رمزا للتقدم التكنولوجي والفخامة في عالم الطيران.
ورغم مكانتها المميزة، واجهت "كونكورد" تحديات متزايدة، أبرزها ارتفاع تكاليف التشغيل واستهلاك الوقود، والقيود المفروضة على الطيران الأسرع من الصوت فوق اليابسة بسبب الانفجار الصوتي، ما حصر معظم رحلاتها في المسارات العابرة للمحيطات. وتلقى البرنامج ضربة قاسية بعد تحطم إحدى طائراتها التابعة للخطوط الجوية الفرنسية قرب باريس في يوليو 2000، وهو الحادث الوحيد القاتل في تاريخها، قبل أن تؤدي المخاوف الأمنية بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 وتراجع الطلب على السفر الجوي وارتفاع تكاليف الصيانة إلى اتخاذ قرار بإخراجها من الخدمة نهائيا عام 2003، منهية بذلك حقبة استمرت قرابة 27 عاما من الطيران التجاري الأسرع من الصوت.
المصدر: Popular Science + Nasa
المصدر:
روسيا اليوم
مصدر الصورة
مصدر الصورة