آخر الأخبار

هل أكل الأوروبيون القدماء الحشرات؟

شارك

بينما يروج بعض العلماء للحشرات باعتبارها "بروتين المستقبل"، تكشف دراسة جديدة أن الماضي قد يكون عائقا أكبر مما نتصور. فالأوروبيون القدماء، بحسب تحليل جيني واسع لجير الأسنان والحمض النووي البشري، لا يبدو أنهم اعتمدوا على الحشرات غذاء منتظما، وربما حملت أجسادهم نفسها إشارات إلى قدرة أقل على هضمها.

وبحسب الدراسة المنشورة في مجلة "ساينس أدفانسز"، حلل الباحثان بيانات جينية مأخوذة من جير أسنان 745 إنسانا عاقلا قديما، أغلبهم من أوروبا، إضافة إلى 18 من إنسان نياندرتال. وللمقارنة، فحصا أيضا جير أسنان 96 من القردة العليا، بينها شمبانزي وغوريلا، وهي حيوانات معروفة بدرجات متفاوتة من أكل الحشرات.

وبنى الفريق قاعدة بيانات ضخمة تضم أكثر من 10 آلاف جينوم ميتوكوندري للحشرات، ثم استخدم أدوات حاسوبية للبحث عن أي آثار للحمض النووي الحشري العالق في جير الأسنان القديمة.

يقول المؤلف الرئيسي للدراسة، بابلو ليبرادو، الباحث في معهد البيولوجيا التطورية في برشلونة، إسبانيا: "الحمض النووي الميتوكوندري مفيد في مثل هذه الدراسات لأنه يوجد بكميات كبيرة نسبيا داخل الخلايا، ما يزيد فرص العثور عليه حتى في العينات القديمة".

مصدر الصورة آثار الحشرات في أسنان الأوروبيين القدماء كانت محدودة جدا (الفريق البحثي)

يوضح بابلو في تصريحات للجزيرة نت أن آثار الحشرات في أسنان الأوروبيين القدماء كانت محدودة جدا؛ بحيث ظهرت بعض الإشارات الجينية، لكنها غالبا لم تكن دليلا على وجبات مقصودة من الحشرات، بل ربما تعكس ابتلاعا عارضا، أو تلوثا لاحقا بعد الوفاة، أو استهلاك طعام وماء كان يحتوي على حشرات صغيرة أو أجزاء منها.

في المقابل، ظهر لدى النياندرتال مقدار أعلى من حمض الحشرات النووي مقارنة بالبشر الأوروبيين القدماء، وهو ما قد يدعم فرضية حديثة تقول إن النياندرتال ربما تناولوا أحيانا يرقات الحشرات الموجودة في الجيف، لا بوصفها وجبة منفصلة بالضرورة، بل ضمن استهلاكهم للحوم متحللة أو مخزنة في بيئات رطبة.

إعلان

أما بالنسبة إلى الإنسان العاقل في أوروبا، فتبدو القصة مختلفة، حسب الباحث، الذي يشير إلى أن بعض العينات احتوت على حمض نووي لحشرات مرتبطة بالبيئات الرطبة أو بمخازن الحبوب، مثل حشرات تعيش في الحبوب المخزنة أو الأماكن المبللة. وهذا يشير إلى أن الحشرات ربما وصلت إلى الفم عبر ماء ملوث، أو طعام مخزن، أو مواد نباتية، لا عبر ممارسة غذائية منتظمة قائمة على أكل الحشرات عمدا.

مصدر الصورة تمثل الحشرات إلى الآن وجبات مهمة بالنسبة لبعض الشعوب (رويترز)

ما تكشفه الجينات عن هضم الحشرات

الحشرات غنية بمادة تعرف باسم الكيتين، وهي مكون صلب يدخل في تركيب هياكلها الخارجية، مثلما تدخل العظام في دعم أجسام الفقاريات، كما يوضح بابلو.

ويضيف الباحث أن هضم الكيتين ليس أمرا بسيطا؛ إذ يحتاج الجسم إلى إنزيمات خاصة تساعد على تكسيره، منها إنزيمات تنتج في المعدة. لذلك ركزت الدراسة على جينين مرتبطين بهذه العملية هما (سي إتش آي إيه) و(سي تي بي إس).

وجد الباحثان أن بعض النسخ الجينية المرتبطة بقدرة أعلى على هضم الكيتين لم تكن منتشرة في الأوروبيين القدماء، وكانت النسخ المرتبطة بتعبير أقل لهذه الجينات في المعدة أكثر شيوعا، ما يشير إلى قدرة أقل نسبيا على هضم الكيتين.

لكن الدراسة لا تقول إن الأوروبيين القدماء لم يأكلوا الحشرات أبدا، فالاستهلاك المتقطع أو الاضطراري، خصوصا في أوقات المجاعة أو الأزمات، يظل ممكنا.

كما أن الإغريق والرومان عرفوا بعض أشكال أكل الحشرات، لكنها لم تكن، بحسب ما تقترحه النتائج، جزءا ثابتا من النظام الغذائي اليومي كما هو الحال في مناطق مدارية كثيرة.

حدود الدراسة

ويشير الباحثان إلى أن هذه الدراسة واجهت عددا من القيود، حيث إن جير الأسنان لا يقدم دائما صورة مباشرة وبسيطة عن الطعام، إذ يمكن أن يتلوث بعد الوفاة، أو أثناء الحفظ المتحفي، أو خلال أخذ العينات. وبعض الحشرات التي رصدت آثارها في المومياوات أو الهياكل المحفوظة قد تكون وصلت إلى الجسد بعد الموت، لا أثناء الحياة.

كما أن التحقق من قدم الحمض النووي للحشرات أصعب من التحقق من الحمض النووي للثدييات، لأن أنماط التلف الجيني المعتادة تكون أقل وضوحا في الحشرات. إضافة إلى ذلك، تركزت العينات بدرجة كبيرة في أوروبا وأوراسيا، لذلك لا يمكن تعميم النتائج على كل المجتمعات القديمة أو كل مناطق العالم.

ومن حيث التمويل، حصلت الدراسة على دعم من منحة إسبانية ممولة من وزارة العلوم والابتكار والجامعات، ووكالة البحث الإسبانية، وصندوق التنمية الإقليمية الأوروبي، إضافة إلى دعم من حكومة كتالونيا. وأقر الباحثان بعدم وجود تضارب مصالح.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار