في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تتحدث النظرية الكلاسيكية لانفصال القارات عن آلية تشبه إلى حد كبير "سحاب الملابس"؛ فالقارة لا تنشق عادة دفعة واحدة على طول حدودها كلها، بل يبدأ التمزق من منطقة محددة تكون القشرة الأرضية فيها أضعف أو أكثر تعرضا للشد، ثم يمتد هذا التمزق تدريجيا في اتجاه واحد، كما ينفتح السحاب من نقطة البداية ثم تواصل الانفراج سنا بعد سن.
وبحسب هذا التصور، تبدأ العملية حين تتعرض القشرة القارية لقوى شد هائلة ناتجة عن حركة الصفائح التكتونية في باطن الأرض. ومع استمرار الشد، تظهر شقوق وفوالق عميقة في القشرة، ثم تتسع هذه الشقوق ببطء شديد عبر ملايين السنين.
بعد ذلك قد تصعد الصهارة من الوشاح الأرضي إلى المناطق المتصدعة، فتملأ الفراغات المتكوّنة وتبرد مكوّنة قشرة محيطية جديدة. وهكذا يتحول الصدع القاري تدريجيا إلى حوض بحري صغير، ثم إلى محيط ناشئ يفصل بين كتلتين قاريتين كانتا في الأصل متصلتين.
وتبدو استعارة "سحاب الملابس" مفيدة لأنها تشرح الطابع التدريجي والموجّه للانفصال، فبدلا من تخيل القارتين وهما تبتعدان فجأة كقطعتين منفصلتين، ينبغي تصور خط طويل من الضعف الجيولوجي يبدأ في الانفتاح من طرف، ثم ينتقل الانفصال على امتداده خطوة بعد خطوة.
ومن أشهر الأمثلة التي تستدعى لتوضيح هذه الفكرة انفصال أمريكا الجنوبية عن أفريقيا عند تشكل جنوب المحيط الأطلسي، إذ لم يحدث الانفصال كله في لحظة واحدة، بل بدأ في مناطق معينة ثم امتد تدريجيا على طول الهامشين القاريين، تاركا وراءه تطابقا لافتا في شكل السواحل، وتشابها في الصخور والحفريات على جانبي المحيط، وكأن القارتين كانتا قطعتين من قماش واحد فُتح بينهما سحاب جيولوجي هائل.
كريستيان روان، من قسم علوم الأرض والبيئة بجامعة كولومبيا، اكتشف مؤخرا أن تلك ليست القصة الكاملة، فأفريقيا تمر حاليا بمرحلة تمزق من المنتصف بمعدل هادئ.
يقول روان في تصريحات للجزيرة نت: "وفق المفهوم التقليدي، كان من المتوقع أن يبدأ الانفصال في أفريقيا من "صدع عفر" في إثيوبيا شمالا ثم يمتد تدريجيا نحو الجنوب، لكن ما حدث هو أن قوى الشد العميقة ركزت ضرباتها في قلب "صدع توركانا" بين كينيا وإثيوبيا، محدثة ترققا في القشرة الأرضية حتى تآكل سمكها إلى 13 كيلومترا فقط، وهذه المرحلة الحرجة تضع شرق أفريقيا على طريق الانفصال الحتمي، وتحطم النماذج التقليدية لكيفية انفصال القارات وولادة المحيطات".
ولفهم ما يحدث، إذا جربت الإمساك بقطعة علكة وشدها بأصابعك من الطرفين، فستلاحظ أنها تبدأ بالاستطالة، وتصبح نحيفة جدا من المنتصف قبل أن تنقطع.
بالمثل، فإن هذا ما يحدث ببطء حاليا في باطن الأرض بمنطقة شرق أفريقيا التي تضم كينيا، إثيوبيا، الصومال، موزمبيق، وأجزاء من تنزانيا، عبر عملية تعرف بـ "التخصر".
والتخصر ترقق موضعي حاد ومتسارع يصيب القشرة الأرضية والغلاف الصخري نتيجة قوى الشد الناتجة عن تباعد الصفائح، وهو النقطة الحرجة التي تمهد للانفصال.
وتسبق تلك النقطة مرحلتان، الأولى هي "التمدد الموزع"، حيث تبدأ قوى الشد التكتونية العميقة بسحب الصفائح، لكن الأرض تكون قوية ومرنة بما يكفي لتحمل هذا الضغط الأولي دون تشوه دائم، تماما مثلما تبدأ في سحب قطعة العلكة برفق شديد في البداية، فتتمدد معك لمسافة مليمترات قليلة، وإذا تركتها في هذه اللحظة، ستنكمش وتعود إلى حجمها وشكلها الأصلي تماما.
أما المرحلة الثانية وهي "تركيز الإجهاد"، فمع استمرار التباعد، يعجز الغلاف الصخري عن تحمل الشد بشكل موزع، فترتخي الطبقات العميقة والأكثر حرارة (الوشاح)، وينتقل كل الجهد الميكانيكي ليرتكز في نقطة واحدة ضيقة (المحور)، وهو ما يحدث أيضا بالتطبيق على نفس المثال، فإذا استمر الشد بقوة أكبر بين طرفي قطعة العلكة ستتجاوز حد المرونة، بحيث إذا تركتها لن تعود لشكلها الأصلي، وستلاحظ أنها تستطيل ويقل سمكها بالتدريج وبالتساوي على طول القطعة كلها.
ومع استمرار السحب يتم الوصول لمرحلة "التخصر"، حيث تترقق القشرة البلورية الصلبة في مركز الصدع بسرعة كبيرة مقارنة بالأطراف، وترتفع الصهارة (الماغما) من الوشاح لتملأ الفراغ من أسفل، وهو ما يحدث في قطعة العلكة عندما تستمر في الشد بين طرفيها، فتصل إلى نقطة تعجز فيها عن توزيع الجهد، وتختار "أضعف نقطة" في المنتصف، وتتركز كل طاقة السحب والتشوه فيها، وتلاحظ فجأة أن هذه النقطة بالذات أصبحت نحيفة جدا مثل "الرقبة"، بينما أطراف العلكة القريبة من يديك تظل سميكة كما هي.
ورصدت الدراسة الجديدة للباحثين من قسم علوم الأرض والبيئة بجامعة كولومبيا هذه العملية في صدع "توركانا" بين الصفيحة النوبية والصفيحة الصومالية، حيث تمثل الأولى الكتلة الأساسية والأكبر للقارة الأفريقية الحالية، وتقع في الجانب الغربي من الصدع (تضم دولا مثل مصر، السودان، ليبيا، ومعظم وسط وجنوب أفريقيا).
بينما الصفيحة الصومالية، وهي الصفيحة الأصغر، وتقع في الجانب الشرقي، وتضم منطقة القرن الأفريقي والشريط الساحلي الشرقي للقارة، بما في ذلك الصومال، كينيا، إثيوبيا، وأجزاء من تنزانيا وموزمبيق.
وتتحرك الصفيحة الصومالية مبتعدة نحو الشرق باتجاه المحيط الهندي، بينما تتحرك الصفيحة النوبية ببطء نحو الغرب والشمال، وخط التماس المشترك بينهما هو الذي يشكل "نظام صدع شرق أفريقيا"، وتحديدا منطقة صدع "توركانا" التي تعيش مرحلة "التخصر" والترقق الحرجة تحت تأثير هذا السحب المتبادل.
وباستخدام بيانات زلزالية عالية الدقة، وجد العلماء أن القشرة البلورية الصلبة للأرض تحت محور صدع "توركانا" قد تآكلت وترققت بشكل غير متوقع حتى وصل سمكها إلى 13 كيلومترا فقط، بينما في المناطق البعيدة عن مركز التصدع، يتجاوز سمك القشرة الأرضية 35 كيلومترا، مما يعني أن القشرة فقدت أكثر من نصف سماكتها في منطقة الصدع.
وبالعودة إلى مثال "قطعة العلكة"، فإن الـ13 كيلومترا، هي "الرقبة النحيفة" التي تشاهدها في المنتصف عندما تستمر في شد طرفي القطعة، واستغرق الوصول لهذه المرحلة ملايين السنين.
ووفق الجدول الزمني الوارد في الدراسة، فقد بدأت قوى الشد التكتونية في تمزيق هذه المنطقة من شرق أفريقيا لأول مرة منذ حوالي 45 مليون سنة، واستمرت 5 ملايين عام تقريبا، وفي ذلك الوقت، كانت القشرة الأرضية لا تزال سميكة وقوية (أكثر من 35 كم)، وكان التمدد بطيئا جدا وموزعا على مساحة واسعة.
وبعد ذلك، وعلى مدار 40 مليون سنة، استمر الشد ببطء شديد، وتراجعت سماكة القشرة من 35 كم إلى حوالي 20-25 كم، وكانت القارة تمر حينها بمرحلة "المط المنتظم"، حيث لم تكن هناك نقطة واحدة ضعيفة، بل كانت المنطقة كلها تترقق ببطء.
وقبل حوالي 4 إلى 5 ملايين سنة فقط، بدأت مرحلة الشد العنيف التي أوصلت القشرة إلى الحد الحرج (13 كيلومترا)، الذي يشبهه كريستيان بما يحدث في "هندسة المواد".
ويقول إنه: "كلما أصبحت القشرة الأرضية الصلبة أقل سمكا، كلما فقدت قدرتها على المقاومة الميكانيكية لقوى الشد، وهذا الترقق الحاد (إلى 13 كم) يجعل من السهل جدا على قوى التصدع أن تستمر وتتسارع، حيث يقل الجهد المطلوب لتمزيق ما تبقى من الصخور، مما يمهد الطريق للانفصال النهائي".
ووفق الدراسة، احتجنا إلى 40 مليون سنة من الشد البطيء لترقيق القشرة بشكل عام، واحتجنا إلى آخر 4 إلى 5 ملايين سنة فقط للوصول إلى الترقق الحاد (13 كيلومترا) وساعد على ذلك سلسلة من الانفجارات البركانية الضخمة التي أضعفت بنيان القشرة الأرضية وسهلت تمددها.
وهذا يعني أن العملية الجيولوجية تسارعت بنحو 10 أضعاف في آخر 5 ملايين سنة، مقارنة بما قبلها، مما يثبت أن أفريقيا الآن في المرحلة "الأسرع" والأكثر حرجا في تاريخ انفصالها.
وحددت روان ورفاقه معدل الانفصال الحالي بـ "4.7 ملم في السنة"، وهذا المعدل تم رصده في الوقت الفعلي عبر محطات نظام تحديد المواقع العالمي والأقمار الصناعية (جي بي إس – جي إن إس إس)، المثبتة على جانبي الصدع (الصفيحة النوبية والصفيحة الصومالية).
ورغم أن هذا المعدل يبدو ضئيلا (أقل من معدل نمو أظافر الإنسان)، إلا أنه ليس كذلك في مقياس الزمن الجيولوجي، كما يؤكد كريستيان.
ويقول إنه: "وفق المنظور البشري الحالي، فإن القارة الأفريقية لا تزال متماسكة وسليمة جغرافياً اليوم، ولا يوجد خطر من انفصال بري مفاجئ يراه الإنسان في حياته اليومية، لكن وفق المنظور الجيولوجي، الذي ينظر للأمام بملايين السنين، فإن مناطق مثل كينيا وشرق أفريقيا قد دخلت بالفعل وبشكل قطعي في المرحلة المبكرة من عملية انفصال طويلة المدى، فالأرض هناك في حالة تشوه وتمدد مستمر، والسيناريو الحتمي البعيد هو نشوء حوض محيطي جديد تماماً يفصل هذه المنطقة عن جسد القارة الأساسي".
وبحسب معدل الـ "4.7 ملم في السنة"، فإنه خلال 100 عام ستتباعد الصفيحتان بمقدار 47 سنتيمترا (حوالي نصف متر)، وخلال 10 آلاف عام ستتباعد القارة بمقدار 47 مترا، وتتسع المسافة خلال مليون عام بمقدار 4.7 كيلومتر.
ومع استمرار الشد، سيكون التباعد الأفقي السنوي البسيط كفيلا بإنهاء الرابط الصخري تماما في غضون بضعة ملايين من السنين، لتنفصل شرق القارة الأفريقية، وننتقل لمرحلة تشكل المحيط، حيث ستتدفق مياه المحيط الهندي لتملأ الفراغ وتخلق بحرا أو محيطا جديدا يفصل شرق أفريقيا عن باقي القارة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة