آخر الأخبار

صُوْر تعيش الخوف والنزوح .. هل تتوسع إسرائيل في جنوب لبنان؟

شارك
تصاعد الدخان عقب غارة إسرائيلية على صُوْر في 9 يونيو/حزيران 2026، فيما فرّ سكان المدينة، بمن فيهم سكان الحي المسيحي، بعد أول تحذير شامل بالإخلاء من الجيش الإسرائيلي.صورة من: Kawant Haju/AFP

طلب الجيش الإسرائيلي بشكل متكرر من سكان مدينة صُوْر الواقعة في جنوب لبنان والتي كانت تؤوي سابقاً أكثر من 100 ألف نسمة، فضلاً عن نحو 10 آلاف نازح من المناطق المحيطة، إخلاء المدينة. غير أن ليلي وهي ناشطة في المجتمع المدني من صُوْر إن والدها وأفراداً آخرين من عائلتها باقون بالمدينة رغم أوامر إخلاء المدينة.

ليلي، التي فضلت عدم الكشف عن اسمها الكامل لأسباب أمنية، تعيش حالياً مع أصدقاء لها في العاصمة اللبنانية بيروت، لكنها تعود كلما أتيحت لها الفرصة إلى مدينة صُوْر من أجل إمداد السكان بالأدوية والمواد الغذائية. وتقول لـDW : "صُوْر مدينة أشباح". فمنذ مطلع شهر مارس/آذار، أدت الغارات الجوية الإسرائيلية المستمرة إلى نزوح السكان على دفعات متتالية. وتتواصل هذا الأسبوع الهجمات التي تشنها إسرائيل على صور باستخدام الطائرات المسيرة والمدفعية، حيث تؤكد أنها تستهدف الجماعة المسلحة اللبنانية رغم اتفاق وقف إطلاق النار الجديد بين إيران وإسرائيل.

قصف إسرائيلي ألحق أضراراً بموقع مدرج على قائمة التراث العالمي في مدينة صُوْر بجنوب لبنان.صورة من: Kawnat Haju/AFP

وتتابع ليلي وهي تصف الحياة اليومية في مدينة صور : "قبل ثلاثة أسابيع، كانت هناك صيدلية واحدة تفتح أبوابها هنا كل يومين أو ثلاثة، ثم تغلق مجدداً لدواعٍ أمنية. ثمة بعض متاجر البقالة المفتوحة، لكن يمكن عدّها على أصابع اليد الواحدة. كما أن إدخال الإمدادات أمرٌ صعب؛ إذ لا أحد يرغب في القدوم إلى صُوْر براً بسبب المخاطر".

قلق لا ينتهي

تقول ليلي إن الجيش الإسرائيلي يحذّر أحياناً من أنه سيستهدف مبنىً معيناً، "لكنه يقصف فعلياً أربعة مبانٍ، أو قد لا يُقصف المبنى الذي حذّروا منه إلا بعد مرور أسبوع. لذا، لا يوجد توقيت محدد، ويبقى الجميع في حالة قلق لعدم معرفتهم بما يجري". وتضيف أن القوات الإسرائيلية لا تُصدر أحياناً أي تحذير قبل شن الغارات؛ ففي يوم الأحد، دُمِّر منزل تاريخي بالكامل يعود لصديقة مقربة، ويقع بالقرب من منطقة في مدينة صُوْر صنّفتها منظمة اليونسكو موقعاً للتراث العالمي. وأضافت ليلي لـDW: "لم يكن هناك أي تحذير، ولكن لحسن الحظ لم يكن أحد موجوداً في المكان"، مضيفةً أن صديقتها وهي سيدة في الثانية والثلاثين من عمرها سبق لها التطوع في الصليب الأحمر، كانت في الواقع بصدد الانتقال إلى فرنسا للعمل في وظيفة جديدة. وقد تمثلت الخسائر الرئيسية في نفوق نحو اثنتي عشرة قطة كانت الأسرة تعتني بها.

وتقول ليلي: "إنها محطمة تماماً. ونحن جميعاً محطمون. ونتساءل عن السبب؛ لأنه، كما تعلم، لم تكن هناك أي أهداف عسكرية في ذلك المكان... إلا إذا كانت القطط تُعتبر الآن أهدافاً عسكرية".

ومن بين الأسئلة الأخرى التي تشير ليلي إلى إن الكثيرين في جنوب لبنان يطرحونها: هل سيتمكنون يوماً ما من العودة إلى منازلهم؟ وكم من الوقت ستبقى القوات المسلحة الإسرائيلية في بلادهم؟ وهل قد يتوغل الجيش أكثر داخل الأراضي اللبنانية؟

في شهر مارس/ آذار، صرّح وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بأن السكان المحليين لن يتمكنوا من العودة إلى جنوب لبنان ما لم يتم "ضمان سلامة وأمن سكان شمال إسرائيل". وقد حددت إسرائيل "خطاً أصفر" في جنوب لبنان، تقول إنه يمثل منطقة عازلة أُنشئت لحماية مواطنيها من هجمات "حزب الله"؛ ويمتد هذا الخط على مسافة تبلغ نحو 10 كيلومترات (6 أميال) من الحدود. ومع ذلك، وردت تقارير تفيد بوجود جنود إسرائيليين ينفذون عمليات تتجاوز هذا الخط ونهر الليطاني، وذلك للمرة الأولى منذ عام 2006. وإلى جانب مدينة صور، أصدرت إسرائيل مؤخراً أوامر إخلاء لمدينة جنوبية أخرى هي النبطية، التي تقع أيضاً خارج نطاق "الخط الأصفر".

النقاش حول التوغل

في أواخر شهر مايو/ أيار، صرّح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأنه يريد من القوات "تعميق وتوسيع" سيطرتها على الأراضي اللبنانية. وكانت الحكومة الإسرائيلية قد أعلنت سابقاً عن رغبتها في الحصول على "حرية العمل" في لبنان، رغم أن الخبراء يشيرون إلى أن ذلك ينصرف في الغالب إلى الغارات الجوية.

ويرى خبراء في "معهد الجيوسياسية التطبيقية"، وهي شركة استشارات متخصصة في تقييم المخاطر ومقرها الولايات المتحدة الأمريكية، أن كل هذا يشير إلى "تحول من الدفاع المحدود عن الحدود إلى استراتيجية تقوم على السيطرة الميدانية والردع"؛ وذلك وفقاً لما ورد في إيجاز قدموه في شهر يونيو/ حزيران. ويضيف الخبراء أن "حجم العملية ودلالاتها الرمزية تعيد إلى الأذهان الاحتلال الإسرائيلي عام 1982، مما يرجح احتمالية إعادة إنشاء منطقة أمنية طويلة الأمد".

نزح أكثر من مليون لبناني من جنوب لبنان حتى الآن. الصورة لطفلة نازحة تبلغ من العمر شهرين ترقد في مهدها في مخيم مؤقت في بيروت (19 أبريل/ نيسان 2026).صورة من: Marko Djurica/REUTERS

في الواقع، لم تتوغل القوات المسلحة الإسرائيلية إلى هذا العمق داخل لبنان، هكذا يرد يوسي كوبرفاسر، رئيس "معهد القدس للاستراتيجية والأمن" والرئيس السابق لقسم الأبحاث في الجيش الإسرائيلي. ويقول كوبرفاسر لـ DW: "إن العمق داخل الأراضي اللبنانية الذي يرغب الجيش في الوصول إليه والذي وافقت الحكومة على التوغل فيه يبلغ نحو 10 كيلومترات من الحدود؛ وذلك لضمان حماية مجتمعاتنا الواقعة على الجانب الجنوبي من الحدود من النيران المباشرة للصواريخ المضادة للدبابات". ويقر قائد الجيش المتقاعد بوجود نقاش حول مسألة التوغل أكثر داخل الأراضي اللبنانية ؛ إذ يقول: "نتكبد خسائر فادحة بسبب الطائرات المسيرة بشكل شبه يومي، ولدينا إصابات، وهو ما قد يؤثر على مجريات هذا النقاش. لكن حتى الآن، لا يوجد قرار جديد -على حد علمي- يقضي بتجاوز 'الخط الأصفر' ". ويضيف أن سكان جنوب لبنان محقون في شعورهم بالقلق؛ "لأنه كلما زاد الضغط على إسرائيل، زاد احتمال أن تعيد النظر في تلك السياسة".

منطقة أمنية أم توسع إقليمي؟

من جانبه يرى ديفيد وود، كبير المحللين المختصين بالشأن اللبناني في مؤسسة "مجموعة الأزمات الدولية" البحثية، أن اللبنانيين لا يشعرون حالياً بقلق كبير إزاء احتمال حدوث "احتلال إسرائيلي يمتد وصولاً إلى بيروت"؛ ومع ذلك، فإنهم يخشون أن تتوغل القوات الإسرائيلية أكثر في مناطق جديدة بجنوب لبنان، مثل النبطية.

ويرى هشام هيلير من المعهد الملكي للخدمات المتحدة لدراسات الدفاع والأمن في لندن ومركز التقدم الأمريكي في واشنطن أن "جزءاً كبيراً مما يحدث حالياً يعود إلى إدراكهم (يقصد الإسرائيليين) أنهم يمتلكون حرية في التحرك". ويضيف: "لكنهم يدركون أن هذه الحرية في التحرك لن تكون دائمة؛ فهي ليست مضمونة بالضرورة في ظل إدارة ترامب، وبالتأكيد لن تكون كذلك مع من سيخلفها. ولذا، أعتقد أنهم يستغلون هذه الفترة تحديداً لرسم خطوط جديدة، ولإقامة ما يشبه المناطق الأمنية".

على الرغم من انسحاب القوات الإسرائيلية من بلدة واحدة في جنوب لبنان الأسبوع الماضي، يرى هيلير أن التاريخ الحديث يُظهر أن المناطق الأمنية الإسرائيلية غالباً ما تتحول إلى أراضٍ محتلة أو مُضمَّنة بشكل دائم؛ ويستشهد في ذلك بأمثلة تشمل هضبة الجولان في سوريا وتصريحات نتنياهو الأخيرة بشأن السيطرة على 70 بالمائة من قطاع غزة.

جرافة تابعة لقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة تفتح طريقًا أمام منازل دُمرت في اشتباكات وقعت مؤخرًا بين مقاتلي حزب الله والقوات الإسرائيلية في قرية دبين، جنوب شرق لبنان، يوم الجمعة 5 يونيو/حزيران 2026. صورة من: Hussein Malla/AP Photo/picture alliance

ومع ذلك، يرى هشام هيلير وكذلك ديفيد وود أن هذا لا يعني استحالة اتخاذ إجراءات لكبح جماح القوات الإسرائيلية في لبنان؛ إذ سيتطلب الأمر بشكل أساسي تحرك دول مثل الولايات المتحدة ودول أخرى، بما في ذلك ألمانيا.

ويقول هيلير: "لن يحتاجوا حتى إلى فرض عقوبات سلبية على الإسرائيليين؛ فكل ما عليهم فعله هو القول: لن ندعم هذا الأمر بعد الآن".

فيما يرى وود أنه ينبغي على الولايات المتحدة، بصفتها الحليف الرئيسي لإسرائيل، الضغط على القادة الإسرائيليين للالتزام بوقف حقيقي لإطلاق النار، ثم البدء في الانسحاب والسماح للجيش اللبناني بالدخول وبسط سيطرته. ويشير إلى أن خطة إسرائيل الرامية لإقامة منطقة عازلة في جنوب لبنان لا تحقق نتائج ملموسة على أية حال؛ إذ يواصل حزب الله إطلاق الطائرات المسيرة والصواريخ نحو إسرائيل، متسبباً في وقوع إصابات في صفوف الجنود الإسرائيليين.

كما أن ليلي، التي نزحت من مدينة صُوْر ، لا تعتقد أيضاً أن الخطط الإسرائيلية المتعلقة بمسقط رأسها ستنجح، ولكن لأسباب مختلفة. وتقول لـDW : "لقد تحدثتُ إلى الكثير من الناس هنا، والجميع يقولون إنهم يريدون العودة إلى منازلهم. ففي النهاية، ليست هذه المرة الأولى التي نتعرض فيها للغزو أو الاحتلال، وليست المرة الأولى التي نُهجَّر فيها أو نفقد أحباءنا ومنازلنا. لذا، سنعيد البناء؛ فهذه هي عقلية أهالي الجنوب: نحن صامدون وهذه أرضنا".

تحرير: صلاح شرارة

DW المصدر: DW
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا