وبحسب التقرير الذي نشرته صحيفة "النهار"
اللبنانية ، فإن اللقاءات التي عقدها براك مع
رئيس مجلس القضاء الأعلى في
العراق
فائق زيدان ورئيس الوزراء العراقي
علي الزيدي لم تقتصر على مناقشة ملفات التعاون الثنائي أو التطورات الإقليمية، بل تناولت بصورة مباشرة وحاسمة جملة من القضايا التي تعدّها
الإدارة الأميركية أساساً لاستمرار دعمها السياسي والاقتصادي والأمني للعراق، وفي مقدمة تلك الملفات قضية حصر السلاح بيد
الدولة العراقية وإنهاء ظاهرة الفصائل المسلحة الخارجة عن المنظومة الرسمية، ولا سيما الفصائل العراقية التي تمتلك ترسانات من الصواريخ والطائرات المسيّرة والأسلحة الثقيلة.
وتضيف المصادر أن "براك شدد خلال اجتماعاته على ضرورة أن تكون إجراءات
الحكومة العراقية في ملف حصر السلاح إجراءات حقيقية وملموسة وليست خطوات شكلية أو إعلامية، مع أهمية تفكيك جميع الفصائل المسلحة دون استثناء وتجريدها من قدراتها العسكرية الثقيلة، خاصة في ظل رفض بعض تلك الفصائل، ومنها كتائب
حزب الله وحركة النجباء، للخطوات الحكومية الرامية إلى تنظيم السلاح وحصره بيد المؤسسات الرسمية"، بحسب تقرير الصحيفة.
وتوضح أن "الرسائل الأميركية لم تتوقف عند الجانب الأمني، بل امتدت إلى ملفات الفساد المالي والإداري التي ترى
واشنطن أنها تمثل أحد أبرز أسباب إضعاف الدولة العراقية واستنزاف مواردها"، إذ طالب المبعوث الأميركي بفتح ملفات الفساد الكبرى ومحاسبة الشخصيات المتورطة فيها مهما كانت مواقعها السياسية أو الحزبية، مع التركيز على ما وصفه بـ"الرؤوس الكبيرة"، إلى جانب "تشديد الرقابة على القطاع المصرفي والمنافذ الحدودية لمنع عمليات التهريب وغسل الأموال والتحويلات المالية غير المشروعة التي أثارت خلال السنوات الماضية مخاوف أميركية ودولية متزايدة".
تكشف المصادر أن "المباحثات تطرّقت أيضاً إلى "مستقبل الحكومة العراقية واستكمال تشكيلتها الوزارية"، حيث أكدت الرسائل الأميركية "ضرورة الإسراع في إكمال الكابينة الوزارية ومنع إشراك أي جهة تمتلك جناحاً مسلحاً في
السلطة التنفيذية ، حتى وإن كانت تلك الجهات ممثلة سياسياً داخل البرلمان أو تمتلك نفوذاً سياسياً واسعاً"، في خطوة تعكس رغبة واشنطن في فصل العمل السياسي عن النشاط المسلح بصورة كاملة.
ربط الدعم الأميركي بالاستجابة
وتتابع المصادر أن "الجانب الأميركي ربط بصورة مباشرة استمرار الدعم المالي والاقتصادي والأمني المقدّم للعراق بمدى استجابة
بغداد لهذه المطالب، مع التحذير من أن عدم تحقيق تقدم ملموس قد يدفع واشنطن إلى اتخاذ إجراءات تصعيدية تشمل فرض قيود وعقوبات على مؤسسات رسمية وشخصيات سياسية بارزة، فضلاً عن تقليص مستويات التعاون والدعم في عدد من الملفات الحيوية، الأمر الذي يضع الحكومة العراقية أمام اختبار سياسي وأمني معقد ستكون نتائجه مؤثرة في شكل العلاقة العراقية - الأميركية خلال الفترة المقبلة".
وتكتسب هذه الرسائل أهمية استثنائية لأنها تأتي في وقت يواجه فيه العراق تحديات أمنية واقتصادية معقدة، وسط مساعٍ حكومية لتعزيز الاستقرار الداخلي والحفاظ على علاقات متوازنة مع
الولايات المتحدة وإيران في آن واحد. وكذلك تتزامن مع تصاعد الحديث داخل الأوساط السياسية عن إمكان انتقال واشنطن إلى مرحلة أكثر تشدداً إن لم تلمس تقدماً عملياً في الملفات التي طرحتها خلال الزيارة.
واشنطن ترفع سقف الضغوط
يقول الخبير في الشؤون الاستراتيجية حسين الأسعد، إن "الرسائل التي حملها براك تمثّل واحدة من أكثر الرسائل الأميركية وضوحاً وصراحة تجاه العراق منذ سنوات، وواشنطن لم تعد تكتفي بتقديم النصح أو التوصيات، بل انتقلت إلى مرحلة ربط الدعم السياسي والاقتصادي والأمني بجملة من الإجراءات التي تريد رؤيتها مطبّقةً على أرض الواقع"، وفقا للتقرير.
ويوضح الأسعد أن الولايات المتحدة تنظر اليوم إلى ملفّ السلاح خارج إطار الدولة باعتباره "التحدي الأكبر أمام استقرار العراق"، ولذلك فإن التشديد على تفكيك الفصائل المسلحة وحصر الأسلحة الثقيلة والطائرات المسيّرة والصواريخ بيد الدولة "ليس مطلباً أمنياً فحسب، بل يمثل شرطاً أساسياً لإعادة بناء الثقة بين بغداد وواشنطن".
ويضيف أن الرسائل الأميركية تعكس وجود قناعة لدى دوائر صنع القرار في واشنطن بأن الإجراءات السابقة المتعلقة بحصر السلاح "لم تحقق النتائج المطلوبة بالشكل الكافي"، وأن المرحلة المقبلة "ستشهد متابعة دقيقة لأي خطوات حكومية في هذا الاتجاه"، خصوصاً في ظل استمرار بعض الفصائل بإظهار مواقف رافضة أو متحفظة تجاه مشاريع تنظيم السلاح وحصره بيد الدولة.
ويؤكد الأسعد أن العراق يقف اليوم أمام مرحلة مفصلية "تتطلب قرارات جريئة وحاسمة"، لأن عدم الاستجابة لهذه المطالب أو الاكتفاء بإجراءات شكلية قد يضع البلاد أمام تداعيات معقدة على المستويين السياسي والاقتصادي، و"واشنطن تمتلك أدوات ضغط مؤثرة تبدأ من تقييد التعاون المالي والمصرفي ولا تنتهي عند فرض عقوبات على شخصيات أو مؤسسات عراقية إذا رأت أن هناك عدم جدية في تنفيذ التعهدات المطلوبة".
ويحذّر الخبير في الشؤون الاستراتيجية من أن أيّ تراجع في مستوى الدعم الأميركي "سينعكس بصورة مباشرة على البيئة الاقتصادية والاستثمارية للعراق، وقد يثير مخاوف لدى الشركات الأجنبية والمؤسسات المالية الدولية، كما يمكن أن يؤدي إلى زيادة الضغوط على القطاع المصرفي العراقي وتعقيد حركة التحويلات المالية والتعاملات التجارية الخارجية".
ويختم الأسعد أن أخطر ما في هذه الرسائل هو أنها جاءت في توقيت إقليمي ودولي "شديد الحساسية"، إذ تشهد المنطقة تحوّلات سياسية وأمنية متسارعة، ما يعني أن هامش المناورة أمام بغداد "أصبح أضيق من السابق"، وأن الحكومة "مطالبة بإثبات قدرتها على فرض سلطة الدولة وتطبيق القانون على الجميع دون استثناء". ولهذا فإن المرحلة المقبلة ستكون اختباراً حقيقياً للحكومة العراقية، فـ"إما أن تنجح في تحويل هذه الضغوط إلى فرصة لتعزيز مؤسسات الدولة وترسيخ سيادتها، وإما أن تواجه تحديات متزايدة".