في هذا التقرير، نستعرض التسلسل الزمني للأيام الخمسة التي غيرت وجه
العراق ، والملحمة البطولية التي توجت باستعادة "
أم الربيعين " بعد ثلاث سنوات من المعاناة.
أيام الصمت الذي سبق العاصفة (5-8 حزيران 2014)
في الخامس من حزيران، كان المشهد العام في
الموصل يشي بهدوء مريب. خرج محافظ
نينوى آنذاك أثيل النجيفي بتصريحات طمأنة، مؤكداً عدم وجود مسلحين، واصفاً حظر التجوال الذي فرضته قيادة العمليات بـ "الفعل الاحترازي". لكن الواقع على الأرض كان يسير في اتجاه مغاير تماماً.
بحلول السادس من حزيران، بدأت نذر العاصفة تظهر، دخلت طلائع محدودة من تنظيم "داعش" الإرهابي إلى أطراف المدينة في أحياء مثل مشيرفة، 17 تموز، وحي التنك. لم تكن مجرد مناوشات، بل كانت عمليات استنزاف مركزة. سجل ذلك اليوم استشهاد 12 شخصاً وإصابة العشرات في سلسلة هجمات بمركبات مفخخة، بينما كانت مجموعة – تقدر 40 جندي - من الفوج السابع للشرطة المحلية تقاوم وحدها لثلاثة أيام دون أي إسناد من "قيادة العمليات"، ما أدى إلى انهيار تدريجي في الخطوط الدفاعية.
وفي السابع والثامن من حزيران، كانت الحكومة تعلن عبر وسائل إعلامها عن استعادة السيطرة على 90% من المدينة، وعن مقتل أكثر من 100 إرهابي. كانت تلك التصريحات محاولة للسيطرة على الرعب الشعبي، بينما كان القصف العشوائي يطال الأحياء التي يتوغل فيها المسلحون، مع تزايد حركة النزوح الجماعي خشية وقوع مجزرة وشيكة.
الانهيار الكبير (9-10 حزيران 2014)
كان يوم التاسع من حزيران يوماً فاصلاً، بدأت
الشرطة الاتحادية بالانسحاب من مناطق واسعة مثل الموصل الجديدة وحي الرسالة، وقامت بإحراق مقراتها بدلاً من الدفاع عنها. وفي غضون ثلاث ساعات فقط، انهار صرح "الفرقة الثانية" للجيش العراقي، بعد أن سرت شائعات بين الجنود عن هروب القادة الكبار وقطعهم للجسور في الساحل الأيمن، مما جعل الجنود يشعرون بأنهم تركوا لمصيرهم المحتوم.
في العاشر من حزيران،
استيقظ العالم على مشهد سقوط الموصل بالكامل. حوالي 50 ألف مقاتل من فرق الجيش والشرطة المجهزة بأحدث الأسلحة الأمريكية وجدوا أنفسهم أمام "انهيار أمني كامل" -كما وصفته الخارجية الأمريكية-. غادر القادة، وتجرد الجنود من ملابسهم العسكرية ليرتدوا ثياباً مدنية في محاولة للنجاة. كان المشهد الأكثر دلالة هو فتح سجن
بادوش ، وإطلاق سراح المئات من المحكومين بقضايا إرهابية كبرى، مما أعاد ضخ دماء جديدة في جسد التنظيم المتطرف.
وثّقت صورٌ التُقطت لمعسكرات الجيش العراقي في الموصل حالة
الفوضى التي أعقبت انسحاب القوات منها، حيث ظهرت المركبات العسكرية والمعدات متروكة، إلى جانب ملابس الجنود التي ألقوها بعد استبدالها بزيٍّ مدني للتمويه أثناء فرارهم. وقد خلّف هذا الانسحاب الجماعي انهياراً أمنياً شاملاً في المدينة، قبل أن يبدأ عناصر التنظيم الإرهابي بفرض سيطرتهم الميدانية وإعادة ترتيب الوضع الأمني وفق رؤيتهم.
بعد سيطرتهم على المدينة، فرض "داعش" نظاماً دموياً. تحولت الموصل إلى سجن كبير، حيث طُردت القيادات السياسية والأمنية، وأُخضع السكان لشريعة الرعب. خلال هذه الفترة، عانى أهالي الموصل من عمليات تضييق ممنهجة، وتدمير للإرث الحضاري والديني، في وقت كانت فيه الأنظار تتجه نحو بناء تحالف وطني ودولي لإسقاط "دولة الخلافة" المزعومة.
الملحمة الوطنية.. طريق التحرير (2016-2017)
لم يمتلك العراقيون خياراً سوى استعادة كرامتهم. بدأت معركة التحرير بانطلاق عمليات واسعة النطاق من محاور متعددة، حيث حُشدت قوى الجيش العراقي،
جهاز مكافحة الإرهاب ، والشرطة الاتحادية، إلى جانب قوات البيشمركة التي تولت تحرير مناطق مثل قضاء بعشيقة ومحاصرة المدينة من الشمال والشرق، فيما لعب
الحشد الشعبي دوراً محورياً في قطع خطوط الإمداد ومنع هروب الإرهابيين نحو الحدود السورية.
كانت المعارك داخل المدينة، وخاصة في أزقة الموصل القديمة، أشبه بحرب شوارع لم يشهد التاريخ الحديث مثيلاً لها. استخدم "داعش" كل أساليب القتال القذر، من الانتحاريين إلى الدروع البشرية، لكن إرادة القوات الأمنية، المدعومة بغطاء جوي وتنسيق عالٍ، حسمت الموقف في النهاية.
10 تموز 2017.. إعلان الانتصار
في العاشر من تموز 2017، أسدل الستار على حقبة "داعش" السوداء في الموصل. أعلنت القيادة العراقية استعادة المدينة بالكامل والقضاء على التنظيم الإرهابي. كان ذلك النصر يمثل استعادة لهيبة الدولة، وتكريماً لدماء الشهداء، وطياً لصفحة من أكثر الفصول قسوة في تاريخ العراق.
إن سقوط الموصل لم يكن مجرد حدث عسكري عابر، بل كان درساً قاسياً في أهمية وحدة الصف الوطني، وتماسك
المؤسسة العسكرية ، وضرورة الابتعاد عن التجاذبات السياسية التي تؤثر على أمن البلاد. واليوم، وبينما تستعيد الموصل عافيتها، يبقى درس 2014 حياً في ذاكرة العراقيين، تذكيراً بأن الوحدة هي السلاح الأقوى في وجه التحديات الوجودية.