بقلم: بهاء الدين أحمد
لم تكن استقالة جاك لانغ من رئاسة معهد العالم العربي في باريس حدثاً إدارياً عابراً، ولا مجرد نهاية طبيعية لمسار مسؤول ثقافي مخضرم. ما جرى هو سقوط مدوٍّ لواحدة من أكثر الشخصيات الأوروبية اقتراناً بخطاب “التنوير” و“الانفتاح” و“الدفاع عن الثقافة”، تحت وطأة ملف أخلاقي ثقيل، اسمه جيفري إبستين.
حين يظهر اسم جاك لانغ أكثر من 600 مرة في وثائق رسمية صادرة عن وزارة العدل الأمريكية، وحين تُثبت المراسلات المتقطعة بينه وبين إبستين على امتداد سبع سنوات، فإن المسألة تتجاوز حدود “الحرج السياسي”، لتدخل مباشرة في صميم سؤال أخلاقي كبير: هل يمكن للمؤسسات الثقافية أن تظل محصّنة من المحاسبة حين يتورط قادتها في شبكات مشبوهة؟
من وزير ثقافة إلى رمز ثقافي… ثم إلى متهم أخلاقياً
جاك لانغ ليس اسماً هامشياً في التاريخ الثقافي الفرنسي. هو وزير الثقافة الأشهر في عهد الرئيس الراحل فرانسوا ميتران، وأحد مهندسي ما سُمّي بـ“الدبلوماسية الثقافية الفرنسية”. كما كان لسنوات طويلة الواجهة الأوروبية التي قدّمت نفسها صديقة للعالم العربي، وحارساً لجسر ثقافي بين باريس والعواصم العربية.
لكن المفارقة القاسية أن الرجل الذي لطالما تحدث عن القيم الإنسانية، وجد نفسه في مواجهة واحدة من أحلك القضايا الأخلاقية في العصر الحديث: قضية جيفري إبستين، المدان بإدارة شبكة استغلال جنسي عابرة للحدود، ارتبط اسمها بنخب سياسية ومالية وإعلامية عالمية.
الملفات لا تكذب… حتى لو صمت أصحابها
ما كشفته الوثائق الأمريكية لم يكن اتهاماً مباشراً بارتكاب جرائم، لكنه كان أكثر فداحة: شبكة علاقات، مراسلات، حضور متكرر، وصمت طويل. في عالم السياسة، قد يُغفر الخطأ. أما في عالم الأخلاق، فمجرد القرب من المستنقع كافٍ لتلطيخ السيرة.
ظهور اسم لانغ مئات المرات في ملفات إبستين لا يمكن تفسيره بالصدفة، ولا تبريره بعبارات فضفاضة عن “لقاءات ثقافية” أو “تبادل رسائل بروتوكولية”. فإبستين لم يكن مثقفاً، ولا راعياً للفنون، بل شخصية معروفة في الدوائر المغلقة بسلوكها الإجرامي.
معهد العالم العربي… من منصة ثقافية إلى حرج أخلاقي
معهد العالم العربي في باريس ليس مؤسسة فرنسية فحسب، بل واجهة رمزية للعرب في أوروبا. أن يتولى رئاسته شخص تحوم حوله شبهات أخلاقية بهذا الحجم، يعني أن المؤسسة نفسها باتت جزءاً من الأزمة، لا ضحية لها.
النخب الغربية… حين تُحاكم بمعاييرها
القضية تفتح باباً أوسع للنقاش: كيف تتعامل النخب الغربية مع نفسها حين تسقط؟ لسنوات طويلة، كانت هذه النخب تُصدر دروس الأخلاق والشفافية وحقوق الإنسان إلى بقية العالم. لكن ملفات إبستين، وما تكشفه تباعاً من أسماء كبيرة، تفضح ازدواجية المعايير، وتؤكد أن الفساد الأخلاقي ليس حكراً على جغرافيا دون أخرى.
الفرق الوحيد أن بعض الأنظمة تملك آليات ضغط إعلامي وقضائي تُجبر المسؤول على التنحي، كما حدث مع لانغ، ولو متأخراً. لكن السؤال الأهم يبقى: كم من الأسماء الأخرى ما زالت محمية بالصمت؟
الاستقالة… اعتراف غير مباشر
لم يخرج جاك لانغ ليقدّم اعتذاراً صريحاً، ولم يشرح طبيعة علاقته بإبستين بشفافية كاملة. لكنه استقال. وفي السياسة، الاستقالة في مثل هذه القضايا هي اعتراف غير مباشر بأن البقاء بات مستحيلاً، وأن الدفاع لم يعد مقنعاً.
هي نهاية مؤلمة لمسيرة طويلة، لكنها أيضاً رسالة واضحة: عصر الملفات المغلقة انتهى، وما كان يُدفن في الأدراج قد يعود فجأة ليُسقط رموزاً ظنوا أنفسهم فوق المساءلة.
ما بعد جاك لانغ
رحيل لانغ عن معهد العالم العربي لا يجب أن يُختزل في شخصه، بل ينبغي أن يكون لحظة مراجعة شاملة: مراجعة لطبيعة القيادات الثقافية، لمعايير الاختيار، ولمفهوم “الحصانة الرمزية” التي مُنحت طويلاً لشخصيات تحت عنوان الثقافة والفن.
فالثقافة، إن لم تكن نظيفة أخلاقياً، تتحول إلى قناع أنيق للفساد، لا إلى جسر حضاري.
وفي زمن انكشاف الملفات، لم يعد السؤال: من سقط؟
بل: من التالي؟
المصدر:
الحدث