آخر الأخبار

حين تتكلم الجيوش لا البيانات: قراءة في تهديدات طهران ورسائلها إلى ما بعد الحرب القادمة

شارك

بقلم: بهاء الدين أحمد

ليست تصريحات رئيس هيئة الأركان للقوات المسلحة الإيرانية اللواء عبد الرحيم موسوي مجرد خطاب تعبوي تقليدي، ولا يمكن قراءتها في إطار الردود الإعلامية العابرة التي اعتادت عليها المنطقة منذ عقود. ما قيل هذه المرة، وكيف قيل، وفي أي لحظة قيل، يجعلنا أمام رسالة استراتيجية مكتملة الأركان، موجّهة إلى عواصم بعينها، وإلى خرائط حرب لم تُرسم بعد على الورق لكنها باتت واضحة في غرف العمليات.
حين يقول موسوي إن “الأعداء يدركون جيداً أن أي عدوان عسكري سينتهي بهزيمتهم الاستراتيجية”، فهو لا يخاطب الرأي العام، بل يخاطب عقول الجنرالات، ومراكز التقدير الاستراتيجي في واشنطن وتل أبيب وبعض العواصم الإقليمية. وحين يضيف أن الرد سيكون “حاسماً وسريعاً ومؤلماً”، فهو لا يهدد، بل يعلن قواعد اشتباك جديدة ويغلق باب التردد.

لغة ما قبل الانفجار
في العرف العسكري، هناك فرق شاسع بين خطاب الردع وخطاب الجهوزية القصوى. خطاب موسوي ينتمي بوضوح إلى الفئة الثانية. الجملة المفتاحية ليست “سنرد”، بل “قواتنا المسلحة في أعلى مستوى من الجهوزية”. هذه العبارة، في لغة الجيوش، تعني أن الخطط وُضعت، وأن بنك الأهداف محدد، وأن زمن القرار – لا زمن الإعداد – هو ما يجري الحديث عنه.
الأخطر في التصريح ليس التهديد بالرد، بل التحذير من “خطأ في الحسابات”. هذه العبارة وحدها تكشف أن إيران ترى أن الطرف الآخر يقترب من حافة سوء التقدير، وأن أي ضربة “محدودة” أو “جراحية” – كما يحب الغرب تسميتها – قد تشعل حريقاً إقليمياً لا يمكن احتواؤه.

الرسالة غير المعلنة: الحرب لن تكون محصورة
عندما يؤكد موسوي أن أي عدوان “سيوسع نطاق الحرب إقليمياً”، فهو ينسف مسبقاً أوهام الحرب النظيفة، والحرب السريعة، والحرب ذات المسرح الواحد. الرسالة هنا واضحة: لن تكون إيران وحدها في الميدان، ولن تكون الجغرافيا ضيقة، ولن تكون الساعات الأولى قابلة للسيطرة.
هذا الكلام يعيد إلى الواجهة معادلة طالما حاولت واشنطن وتل أبيب إنكارها: محور الرد ليس تنظيماً ولا دولة واحدة، بل شبكة جبهات مترابطة، من الخليج إلى البحر الأحمر، ومن العراق إلى لبنان، ومن فلسطين إلى ما هو أبعد من الحسابات التقليدية.

إيران بين الردع والهجوم الوقائي
من يقرأ التصريح بعين باردة يدرك أن طهران تحاول تثبيت معادلة دقيقة: هي لا تعلن نيتها البدء بالحرب، لكنها تقول بوضوح إنها لن تنتظر الضربة الأولى إذا شعرت أن العدوان بات وشيكاً أو أن “الخطأ في الحسابات” تجاوز الخط الأحمر.
هذا التحول في النبرة يعني أن إيران لم تعد تكتفي بسياسة “الصبر الاستراتيجي” كما في السنوات الماضية، بل انتقلت إلى مرحلة الردع النشط، حيث يصبح التهديد جزءاً من إدارة الصراع، لا مجرد رد فعل عليه.

من يخاطب موسوي فعلاً؟
ليس سراً أن الخطاب موجّه بالدرجة الأولى إلى إسرائيل، التي تكثف في الأشهر الأخيرة حديثها عن “الخيار العسكري”، وإلى الولايات المتحدة التي تحاول إدارة الصراع من دون الانزلاق إلى حرب شاملة. لكنه موجّه أيضاً إلى أطراف إقليمية راهنت – أو ما زالت تراهن – على أن أي مواجهة ستكون محدودة، ويمكن استثمارها سياسياً أو أمنياً.
إيران تقول لهؤلاء جميعاً: لا تراهنوا على ضربة سريعة، ولا على رد محدود، ولا على صمت طويل.

ما بعد التصريح… ليس كما قبله
التاريخ يعلمنا أن أخطر الحروب لم تبدأ بإطلاق النار، بل بعبارات محسوبة خرجت من أفواه قادة عسكريين في لحظات مفصلية. تصريح موسوي ينتمي إلى هذا النوع من اللحظات. هو ليس إعلان حرب، لكنه بالتأكيد إعلان أن زمن اللعب على الحافة يقترب من نهايته.
في منطقة أنهكتها الحروب والدمار، قد يبدو هذا الخطاب تصعيدياً، لكنه في منطق القوة قد يكون محاولة أخيرة لفرض الردع ومنع الانفجار. غير أن المشكلة، كما يقول موسوي نفسه، ليست في النوايا المعلنة، بل في الأخطاء القاتلة في الحسابات.
وحين تخطئ الحسابات… لا تعود البيانات كافية، بل تتكلم الجيوش.

الحدث المصدر: الحدث
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا