ابو بكر ابن الاعظمية
لم يكن تصريح دونالد ترامب عن “حان الوقت لإبعاد التهديد الروسي عن غرينلاند” مجرد ارتداد لفظي لرئيس اعتاد إطلاق العناوين الصادمة، بل جاء هذه المرة كجرس إنذار سياسي يكشف عن تحوّل عميق في عقل الدولة الأمريكية. تصريح يبدو في ظاهره أمنيًا، لكنه في جوهره إعلان مبكر عن انتقال مركز الصراع العالمي من الشرق الأوسط والبحار الدافئة… إلى الجليد، حيث تُصاغ الإمبراطوريات بصمت.
غرينلاند: الجزيرة التي خرجت من النسيان
لأكثر من قرن، كانت غرينلاند هامشًا جغرافيًا في خرائط السياسة الدولية، تُذكر عرضًا في كتب الجغرافيا، وتُختزل في صور الجليد والدببة القطبية. اليوم، تتحول هذه الجزيرة إلى قلب نابض في لعبة الأمم، ليس لأنها تغيّرت، بل لأن العالم تغيّر من حولها.
ذوبان الجليد فتح طرقًا بحرية جديدة، واكتشافات المعادن النادرة والطاقة أعادت تعريف قيمتها، والأهم أن موقعها الجغرافي جعلها عينًا استراتيجية تطل على أمريكا الشمالية وأوروبا وروسيا معًا.
“التهديد الروسي”: صناعة الخطر أم قراءة الواقع؟
حين يتحدث ترامب عن روسيا، فهو يستدعي صورة العدو التقليدي، لكن هذه المرة في مسرح جديد. روسيا لا تُخفي طموحها القطبي:
لكن السؤال الحقيقي ليس: هل روسيا تهديد؟
بل: لماذا اختارت واشنطن هذا التوقيت لتسمية التهديد؟
الجواب يكمن في أن القطب الشمالي بات آخر فراغ استراتيجي في العالم. ومن لا يملأ الفراغ اليوم، سيُقصى غدًا.
ترامب… الواقعية بلا أقنعة
بعكس أسلافه، لا يؤمن ترامب بالمواربة. هو لا يتحدث عن “النظام الدولي القائم على القواعد”، بل عن المصالح العارية.
منطق ترامب بسيط وقاسٍ:
الجغرافيا قوة
الموارد نفوذ
ومن يتردد يُستبدل
حين طرح سابقًا فكرة شراء غرينلاند، ضحك العالم. اليوم، لم يعد أحد يضحك، لأن الفكرة ذاتها باتت تُناقش بلغة مختلفة: قواعد، اتفاقيات، حماية، ونفوذ طويل الأمد.
أوروبا، المنهكة اقتصاديًا والمربكة سياسيًا، تجد نفسها مرة أخرى بين خيارين أحلاهما مر:
إما القبول بالهيمنة الأمريكية، أو مواجهة فراغ أمني قد تملؤه موسكو.
ما لا يُقال: الصين في الظل
وراء الخطاب الأمريكي عن “الخطر الروسي”، تقف عين أخرى تراقب بهدوء: الصين.
بكين لم تُطلق تصريحات نارية، لكنها تستثمر، وتبني، وتنسج علاقات اقتصادية في القطب الشمالي تحت شعار “الدولة القريبة من القطب”. ترامب يدرك أن أي تهاون في غرينلاند اليوم، يعني فتح الباب لتعدد المنافسين غدًا.
تصريح ترامب يعكس حقيقة أكبر:
العالم يتعب من حروبه القديمة، ويبحث عن مسارح جديدة للصراع بأدوات مختلفة. القطب الشمالي لا يحتاج جيوشًا جرارة بقدر ما يحتاج وجودًا ذكيًا طويل النفس.
وهنا تحديدًا، يرى ترامب فرصته:
لا دماء، لا مدن مدمّرة، بل نفوذ يُبنى بهدوء تحت الجليد.
العالم يُعاد رسمه من الأعلى
ما قاله ترامب ليس نزوة، ولا تصريحًا انتخابيًا عابرًا، بل هو جزء من خطاب تأسيسي لمرحلة جديدة. مرحلة تُكتب فيها السياسة من أقصى الشمال، وتُقاس القوة بالقدرة على السيطرة على ما كان يُعد يومًا غير قابل للسيطرة.
غرينلاند لم تعد جزيرة…
إنها اختبار إرادات.
والقطب الشمالي لم يعد باردًا…
إنه يغلي بصراع لم يبدأ بعد، لكنه كُتب بالفعل في خرائط العقول.
المصدر:
الحدث