آخر الأخبار

4 طرق لردع بوتين.. أوروبا في مواجهة الحرب الروسية الهجينة

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

لم تعد المعارك الطاحنة في أوكرانيا مجرد صراع إقليمي محصور في خنادق الجبهات الشرقية، بل تطورت لتصبح اختبارا قاسيا ومفتوحا لقدرة القارة الأوروبية على حماية أمنها القومي ومصالحها الحيوية. فالخصم هنا يتعلم من مجريات المعركة يوميا، ويستخدم مزيجا معقدا من القوة العسكرية الخشنة، والهجمات السيبرانية، وعمليات التخريب، وحملات التضليل، والضغط السياسي.

ولعل أكثر ما يثير القلق في المشهد الذي ترسمه التطورات الأخيرة، هو أن الخطر الداهم لا يكمن فقط في اندلاع مواجهة عسكرية شاملة ومباشرة بين روسيا وحلف شمال الأطلسي ( الناتو). بل يمتد إلى قدرة موسكو على استنزاف خصومها وإضعافهم تدريجيا، عبر ضربات محسوبة لا تمنح العواصم الغربية مبررا واضحا أو غطاءً سياسيا لرد عسكري مباشر.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 من وعود الوظائف إلى حقول الألغام.. أفارقة ضحايا التجنيد الروسي للحرب
* list 2 of 2 خنزير وخمر ونشيد وطني.. احتفال فرنسي أم رسالة ضد المسلمين؟ end of list

وأمام هذا الواقع المعقد، تبرز 4 مسارات أساسية تراها الدوائر الإستراتيجية والصحف الغربية ضرورية لردع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وحماية الأمن الأوروبي من الانهيار.

أولا: تفكيك أدوات "المنطقة الرمادية"

يعتبر البعد السياسي والاجتماعي للحرب ساحة المعركة الأهم في الوقت الراهن، وهو ما يطلق عليه الأوروبيون مصطلح "الحرب الهجينة" أو "الحرب الرمادية". فموسكو تشن حربا لا مرئية تتجاوز خطوط المواجهة التقليدية.

وفي هذا السياق، تسلط الكاتبة مولي بلاكول في مادتها التحليلية في موقع "آي بيبر" البريطاني الضوء على تكثيف روسيا لعمليات تقع بدقة تحت عتبة الحرب الشاملة. وتشمل هذه العمليات هجمات سيبرانية متطورة، وعمليات تخريب غامضة، واستهدافا للبنى التحتية الحيوية، إلى جانب التلاعب الممنهج بالمعلومات.

وتنقل الصحيفة عن أستاذة الأمن الدولي في كلية لندن الجامعية، ميلاني غارسون، توضيحها أن هذا النوع من الهجمات "فعال تحديدا لأنه يستطيع إلحاق الضرر بالناتو من دون أن يؤدي إلى رد عسكري". وتضيف غارسون أن الهجوم على كابلات بحرية، أو حملة تضليل، قد لا يبدو أي منهما منفردا كعمل حربي تقليدي، لكن تراكمهما يرهق الخصم ويشتت قدراته.

إعلان

ولمواجهة ذلك، ينصح الباحث في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، إد أرنولد، في حديثه لصحيفة "آي بيبر"، بضرورة تجاوز الإدانات الدبلوماسية واستدعاء السفراء. ويدعو إلى تبني وسائل رد تقع أيضا في "المنطقة الرمادية"، مثل استهداف ما يُسمى " أسطول الظل" الروسي الذي يهرب النفط، أو استخدام الأصول الروسية المجمدة لتمويل تسليح أوكرانيا، مع الاعتراف بأن هذه الخطوات تحمل خطر التصعيد المضاد.

مصدر الصورة ألسنة اللهب والدخان تتصاعد من منشأة في مصفاة نفط في موسكو عقب هجوم شنته مسيّرة أوكرانية (رويترز)

ثانيا: التحول نحو "الكتلة" والإنتاج العسكري الكثيف

لم يعد الخطر الروسي يقتصر على محاولات تفتيت الإرادة السياسية الغربية، بل تحولت الساحة الأوكرانية إلى "مختبر عسكري" حي تتعلم فيه موسكو كيفية مواجهة وتجاوز التكنولوجيا الغربية.

ففي تقرير آخر لموقع "آي بيبر"، تبرز الكاتبة فرانكي ليستر-فيل خلاصة لافتة مفادها أن التفوق التقني الغربي بات أقل حسما أمام تكتيكات روسيا الجديدة. وتوضح الكاتبة كيف تعتمد موسكو بشكل متزايد على طائرات مسيّرة وصواريخ منخفضة الكلفة تُنتج بأعداد هائلة، مما يمكنها من إغراق منظومات الدفاع الجوي الغربية المتقدمة والباهظة الثمن.

وتشير المعادلة الرقمية المرعبة التي توردها الصحيفة إلى أن "صاروخًا روسيًّا منخفض الكلفة يمكن إنتاج عشرات منه مقابل ثمن صاروخ غربي متطور واحد".

وينقل التقرير عن الأستاذ الزائر في دراسات الحرب في كلية كينغز لندن، مايكل كلارك، قوله إن هذا الرخص في التكلفة يتيح إغراق أي منظومة دفاعية بأعداد هائلة، وهو تحدٍّ غير مسبوق.

ويتقاطع هذا مع ما يذهب إليه الباحث المتخصص في الشأن الروسي، مارك غاليوتي، الذي يؤكد أن الحرب أثبتت أن "الكتلة، أو الحجم، مهمان"، وعليه، فإن أوروبا مطالبة اليوم بإعادة التفكير في عقيدتها التسليحية، والتحول نحو الإنتاج الضخم والسريع لتعويض الخسائر، بدلاً من الاعتماد الحصري على عدد محدود من المنظومات المعقدة.

ثالثا: تحصين الجبهة الداخلية والجاهزية النفسية

لا تقتصر معضلة الردع على خطوط الإنتاج العسكري، بل تمتد إلى مدى قدرة المجتمعات الأوروبية على تحمل الفاتورة الباهظة للأمن في زمن الأزمات الاقتصادية الخانقة.

هذا التشخيص القاتم ينقله الكاتب باتريك وينتور، في تقريره المطول بصحيفة غارديان البريطانية، عن مسؤولين دفاعيين يعملون مع حلف شمال الأطلسي (الناتو)، حيث يحذرون صراحة من أن "أوروبا لا تستطيع حاليا تحمل حرب استنزاف طويلة".

والمشكلة، بحسب التقرير، تتجاوز نقص الذخائر لتصل إلى غياب الاستعداد الشعبي والنفسي لحرب مطولة، لا سيما مع التوجهات الأمريكية لتقليص التزاماتها بالدفاع التقليدي عن القارة العجوز.

ويلفت وينتور إلى أن الدوائر الأوروبية تخشى أن تكون موسكو بصدد كسب أجزاء من الحرب الهجينة عبر استثمارها الذكي في القلق الداخلي الغربي.

فصعود القوى الشعبوية في اليمين واليسار، والتي يميل بعضها للتعاطف مع موسكو، يضيف إلى التهديد الخارجي انقساما داخليا خطيرا، جاعلاً من صناديق الاقتراع الأوروبية جزءا لا يتجزأ من معادلة الأمن القومي.

وتزداد التعقيدات أمام الحكومات الأوروبية المطالبة بزيادة إنفاقها الدفاعي وتنسيق قدراتها (كالدفاع الجوي والإنذار الفضائي)، إذ يتوجب عليها إقناع مواطنيها بقبول تقليص الإنفاق على الرفاه الاجتماعي لصالح التسليح، وهو ما قد يوفر ذخيرة انتخابية مجانية لتيارات المعارضة الشعبوية.

رابعا: جعل الانتصار الروسي في أوكرانيا هدفا بعيد المنال

انطلاقا من تداخل الملفات، يبدو مسار الدعم المطلق لكييف بمثابة خط الدفاع الأول عن العواصم الأوروبية نفسها، وهذا هو جوهر الحجة الإستراتيجية التي يطرحها السفير الفرنسي السابق جيرار آرو في مقاله التحليلي بمجلة لوبوان الفرنسية.

إعلان

يرى آرو أنه لا يمكن لأوروبا، بأي حال من الأحوال، أن تفصل بين أمنها الذاتي وبين بقاء أوكرانيا دولة مستقلة قادرة على الصمود.

ويحذر الدبلوماسي الفرنسي المخضرم من أن هزيمة أوكرانيا لا تعني نهاية المطاف أو حلول السلام، بل ستفتح أبواب الجحيم أمام دول البلطيق وأوروبا الوسطى والشرقية التي ستجد نفسها تحت رحمة الضغط الروسي المباشر.

آرو: السبيل الوحيد لدفع بوتين نحو طاولة المفاوضات الجدية لا يمر عبر تقديم تنازلات سريعة ومجانية، بل عبر جعل الانتصار الروسي بأوكرانيا أمرا بعيد المنال

ويتطلب هذا الخيار التزاما حازما باستمرار تدفق الدعم المالي والعسكري لكييف، بالتوازي مع جعل موسكو تدفع ثمنا اقتصاديا وسياسيا قاسيا لكل هجماتها الرمادية داخل أوروبا.

وفي المحصلة، تتقاطع رؤى غارديان وآي بيبر ولوبوان عند حقيقة واحدة: أوروبا تخوض اليوم حرب إرادات لا حرب خنادق فقط، فموسكو لا تختبر متانة الدروع الغربية فحسب، بل تمتحن صبر المواطن الأوروبي، ومدى تماسك الجبهة السياسية الغربية.

وتبدو القارة أمام استحقاق تاريخي لا يقبل التأجيل، فإما أن تتحمل الكلفة الباهظة لإعادة بناء صناعاتها الدفاعية، وتوحيد إرادتها السياسية، ومواجهة التخريب الروسي بأدوات مبتكرة، أو أن تستسلم لمصير تكون فيه أمنيا تحت رحمة قوة عسكرية لا تتردد في استخدام كل الثغرات المتاحة.

والمفارقة الكبرى هنا، كما تُجمع القراءات التحليلية، أن أفضل وأنجع وسيلة لتجنب حرب شاملة ومدمرة مع روسيا، هي الاستعداد الجدي والمكلف لخوضها.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا