في عشية أحد أيام السبت من العام الماضي، اختار الحاخام أبراهام زيربيف أن يبعث رسالة مصورة إلى أتباعه من مكان غير مألوف. لم يقف في كنيس يهودي، بل وسط أنقاض غزة، حيث ظهر مرتديا الزي العسكري، وبينما كانت جرافة تعمل خلفه فوق أرض مغطاة بالركام والخرسانة المدمرة، صرخ أمام الكاميرا قائلا "نحن هنا. حتى النهاية! حتى النصر! حتى الاستيطان".
تحول ذلك التسجيل، الذي لم تتجاوز مدته دقيقة واحدة، إلى رمز لظاهرة أوسع تتجاوز شخص زيربيف نفسه. فالجندي الاحتياط، الذي قال إنه كان يهدم نحو 50 مبنى أسبوعيا خلال خدمته سائقا لجرافة في الجيش الإسرائيلي، نشر عشرات المقاطع التي وثقت عمليات التدمير في قطاع غزة، ما أكسبه شهرة واسعة داخل إسرائيل، حتى بات مؤيدوه يستخدمون اسم عائلته مرادفا لكلمات مثل "السحق" و"التسوية بالأرض".
وفي وقت سابق من العام الجاري، كرّمته الحكومة اليمينية المتطرفة خلال احتفالات العيد الوطني لتأسيس إسرائيل، رغم الانتقادات التي وجهها بعض قادة المعارضة لهذه الخطوة.
ويعكس صعود زيربيف إلى واجهة المشهد تحولا أعمق داخل إسرائيل، يتمثل في التوسع المتزايد لنفوذ التيار القومي الديني داخل الجيش الإسرائيلي، المؤسسة التي ظلت لعقود طويلة إحدى أبرز معاقل النخبة العلمانية التي أسست إسرائيل عام 1948. كما يعكس تمدد أيديولوجيا كانت تُعد في السابق هامشية إلى قلب التيار السائد سياسيا وعسكريا.
وقال نير أفيشاي كوهين، الناشط الحقوقي الذي خدم في قوات الاحتياط لمدة عشرين عاما ووثق تجربته في مذكرات صدرت مؤخرا: "عندما بدأت كضابط شاب في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين لم تكن تشعر بذلك حقا، لكن خلال السنوات الخمس إلى السبع الماضية أصبح هذا التوجه أشد قوة وأكثر تجذرا".
لعقود متتالية عقب تأسيس إسرائيل، هيمنت النخب العلمانية واليسارية على مؤسسات القوة الرئيسية، وفي مقدمتها الجيش والحكومة. بيد أن العقدين الماضيين شهدا تحديا متزايدا لهذه الهيمنة من جانب تيار الصهيونية الدينية، المعروف أيضا بـ"القومية الدينية".
ويرى أتباع هذا التيار أنهم مكلفون بواجب ديني يقضي باستيطان "أرض إسرائيل"، وهي منطقة يعتبرون أنها تشمل الأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية وقطاع غزة.
ورغم أن القوميين الدينيين يمثلون نحو 15% فقط من اليهود الإسرائيليين، فإن حضورهم في الحياة العامة والعسكرية تجاوز بكثير حجمهم الديموغرافي. ووفق دراسة نُشرت عام 2021، ارتفعت نسبة ضباط المشاة المتدربين المنتمين إلى هذا التيار من 2.5% عام 1990 إلى 34.8% عام 2018.
وبات أبناء الصهيونية الدينية يشغلون مواقع قيادية بارزة داخل الجيش، من بينها آفي بلوط، قائد العمليات العسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية، ودادو بار خليفة، رئيس مديرية القوى العاملة في الجيش.
يقول كوهين إن التغيرات بدأت بمظاهر محدودة نسبيا، مثل وضع لافتات في المطاعم العسكرية تمنع استخدام الهواتف المحمولة أو سخانات المياه يوم السبت التزاما بالتقاليد الدينية اليهودية.
لكن التحولات، بحسب وصفه، أصبحت لاحقا أكثر عمقا وتأثيرا. ومن أبرزها استبدال الضباط بالحاخامات في إلقاء الخطب التحفيزية للجنود قبل المعارك.
وأضاف: "أصبح من المألوف جدا سماع جنود يقولون إنهم يخدمون في أرض المعركة بدافع خدمة جيش الرب وليس لحماية البلاد".
وأشار إلى أن هذا الخطاب تصاعد بصورة أكبر خلال الحرب على غزة، قائلا "عشرات المرات سمعت أشخاصا، بمن فيهم ضباط كبار، يقولون إننا هنا باسم الرب وهذه حرب دينية. قبل عشرين عاما لم تكن لتسمع ذلك مطلقًا، فقد كان أمرا محظورا".
يختلف مشروع الصهيونية الدينية عن الصهيونية العلمانية في نظرته التاريخية والدينية لإسرائيل. فبالنسبة إلى التيار الديني القومي، يمثل التوسع الاستيطاني، خصوصا في الضفة الغربية المحتلة التي تُعد في التصور التوراتي مهد اليهودية، جزءا من واجب ديني ومسارا لتحقيق الدولة اليهودية.
وخلال السنوات الأخيرة، عزز هذا التيار نفوذه داخل مؤسسات إسرائيل المختلفة. وللمرة الأولى في تاريخها، يتولى شخصيات محسوبة على الصهيونية الدينية قيادة الشرطة الوطنية وجهاز الموساد وجهاز الأمن الداخلي " الشاباك" في الوقت نفسه.
إلا أن هذا التحول يبدو أكثر وضوحا داخل المؤسسة العسكرية. فعلى الرغم من أن غالبية الجنود ما زالوا من اليهود العلمانيين أو التقليديين، إلى جانب مجندين من الدروز والأعراب البدو، تشير الدراسات الأكاديمية إلى ارتفاع كبير في أعداد الضباط المنتمين إلى الصهيونية الدينية، بالتوازي مع تنامي تأثير الحاخامات الذين أدخلوا قضايا الإيمان والسياسة إلى ساحات القتال.
بحسب أبحاث "معهد الديمقراطية الإسرائيلي"، يعود جزء من هذا النفوذ المتنامي إلى أن القوميين الدينيين أكثر إقبالا على الخدمة العسكرية، خاصة في قوات الاحتياط.
ففي العام الماضي، شكل الإسرائيليون العلمانيون 33% من جنود الاحتياط الذكور رغم أنهم يمثلون 41% من السكان، بينما شكل القوميون الدينيون 31% من قوات الاحتياط، أي ما يقرب من ضعف نسبتهم السكانية.
ويعزو باحثون جزءا آخر من الظاهرة إلى جهود طويلة الأمد بذلها تيار الحريديم القوميين أو "الهاريدال" -تيار ديني وسياسي متطرف يدمج بين الأصولية الدينية المتشددة لليهود الحريديم وبين القومية الصهيونية المتشددة- الذي سعى إلى توسيع نفوذه داخل الجيش، خصوصا بعد انسحاب إسرائيل من غزة عام 2005، وهو الحدث الذي اعتبره أنصار هذا التيار خيانة لمشروعهم.
ويقول ياجيل ليفي، رئيس معهد دراسات العلاقات المدنية العسكرية في الجامعة المفتوحة، إن إحدى الأدوات الرئيسية لهذا التوجه كانت شبكة الأكاديميات العسكرية الإعدادية التي عملت على غرس قيم التيار القومي الديني في أوساط الشباب، قبل أن تضغط هذه الأوساط لاحقا من أجل ترقية خريجيها داخل المؤسسة العسكرية.
يرى ليفي أن نتائج هذا التحول ظهرت بوضوح خلال الحرب على غزة التي اندلعت بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، حيث برزت، بحسب وصفه، "ثقافة انتقام" داخل الجيش.
وقال إن قادة عسكريين وحاخامات دعوا إلى الانتقام، بينما وثق جنود على وسائل التواصل الاجتماعي عمليات تدمير للمنازل وغيرها من الممارسات وهم يظهرون مشاعر الفخر والابتهاج.
وأضاف أن بعض الخطابات لجأت إلى تشبيه سكان غزة بـ"عماليق"، وهم العدو التاريخي الأسطوري لليهود في النصوص الدينية القديمة، مشيرا إلى أن هذا الخطاب أسهم، بحسب رأيه، في تبرير مقولات من قبيل عدم وجود مدنيين أبرياء في القطاع.
يخشى العديد من العلمانيين الإسرائيليين أن يؤدي التوسع المستمر للدين داخل المؤسسة العسكرية إلى خلق حالة يواجه فيها الجنود سؤالا حول الجهة التي يجب أن تكون محل الطاعة الأولى: القيادة العسكرية أم المرجعية الدينية.
وقد أثارت مؤشرات تزايد الطابع الديني والأيديولوجي للجيش قلقا متزايدا داخل المؤسسة العسكرية نفسها. ففي أبريل/نيسان، حذر رئيس الأركان إيال زامير من تراجع الانضباط العسكري بعدما أثار جندي إسرائيلي غضبا دوليا إثر تحطيمه تمثالا للسيد المسيح في لبنان بمهدامة.
كما انتقد زامير ارتداء بعض الجنود شارات تحمل رسائل خلاصية أو شعارات يمينية متطرفة، وأدان ما وصفها بتقارير عن اتساع عمليات النهب في جنوب لبنان.
وقال نداف فايمان، الجندي السابق ورئيس منظمة "كسر الصمت"، إن الحرب على غزة كانت "أول حرب يلتحق فيها جنود الاحتياط بالخدمة بصفتهم ناشطين سياسيين"، مشيرا إلى أن بعض المستوطنين من قوات الاحتياط وصلوا إلى الخدمة وهم يحملون الأعلام البرتقالية واللافتات المرتبطة بمستوطنات غزة التي أخليت عام 2005، إضافة إلى عبوات الطلاء المستخدمة في كتابة شعارات عنصرية أو سياسية.
وفي الضفة الغربية، انتقدت منظمات حقوقية مرارا إخفاقات الجيش في التعامل مع الهجمات التي يشنها مستوطنون ضد الفلسطينيين، خصوصا في المناطق التي يخدم فيها عدد كبير من الجنود المنتمين إلى تيار القومية الدينية.
ويتوقع كوهين أن يستمر تصاعد النفوذ الديني داخل الجيش، خاصة مع سعي المؤسسة العسكرية إلى معالجة النقص في القوى البشرية عبر تجنيد أعداد أكبر من اليهود الحريديم.
ويختتم بالقول "المسار الذي يسلكه الجيش الإسرائيلي سيجعله بوضوح جيشا أكثر دينية. ولا أعتقد أن المعسكر العلماني في إسرائيل يدرك مدى خطورة وأهمية هذه العملية".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة