آخر الأخبار

هندسة الضرورة.. ماذا صنع سكان غزة من بقايا الدمار؟

شارك
دمار واسع في مختلف أنحاء قطاع غزة جراء الحرب

من ركام المباني يصنعون قوالب للبناء، ومن طبليات المساعدات أسرة وخزائن، ومن إطارات الأبواب قوارب للصيد. أما الشمس فصارت وقودا للطهي وتحلية المياه وتشغيل طابعات تنتج أدوات طبية.

في غزة، نشأت تحت ضغط الحرب وندرة المواد ورشة واسعة لـ"اقتصاد البقاء"، لكن بعض حلولها يحمل مخاطر لا تقل خطورة عن الحاجة التي أنتجتها.

فوق سطح ما تبقى من منزلها في مخيم جباليا، تعيش نيفين الأشقر مع زوجها وأطفالهما السبعة، وإلى جوارهم آخر خلية نحل نجت من أصل 300 خلية كانت تملكها العائلة.

عندما عادت الأسرة، وجدت الخلية وسط الركام في حالة سيئة، لكن النحل كان لا يزال حيا، وفي داخلها نحو 4 كيلوغرامات من العسل. ومع ندرة الأخشاب والمعدات، بدأ مربو النحل إصلاح الصناديق المحطمة وتقسيم الطوائف الباقية واستخدام ما يعثرون عليه من مواد لإنقاذ المهنة.

هذه الخلية ليست سوى نموذج مصغر لما يجري في قطاع غزة؛ إذ لم تعد الأنقاض مجرد نتيجة للحرب، بل تحولت، بقوة الضرورة، إلى أكبر مخزون متاح من الخشب والحديد والألمنيوم والزجاج والبلاستيك ومواد البناء.

وبحسب تقرير نشرته صحيفة التايمز في 19 أغسطس 2026، تقلص عدد مربي النحل من نحو ألف قبل الحرب إلى قرابة 100، ودمرت أكثر من 95 بالمئة من منشآت القطاع. وقدرت رويترز عدد الخلايا الباقية بنحو 700 فقط من قرابة 30 ألف خلية، فيما تراجع إنتاج العسل إلى 10 بالمئة من مستواه السابق.

61 مليون طن من الأنقاض

تكشف أرقام الأمم المتحدة حجم المادة الخام التي فرضتها الحرب على سكان غزة. فقد قدر برنامج الأمم المتحدة للبيئة حجم الركام بنحو 61 مليون طن، وهو ما يعادل، من حيث الحجم، نحو 15 هرما من أهرامات الجيزة.

وأشار البرنامج إلى أن قرابة 15 بالمئة من الأنقاض قد تكون معرضة لمستويات مرتفعة من التلوث بالأسبستوس والمعادن الثقيلة والنفايات الصناعية والطبية، فضلا عن وجود ذخائر غير منفجرة بين المباني المهدمة. برنامج الأمم المتحدة للبيئة

وأظهرت أحدث دراسة شاملة منشورة لمركز الأمم المتحدة للأقمار الاصطناعية " يونوسات"، استنادا إلى صور التقطت في 11 أكتوبر 2025، تضرر نحو 81 بالمئة من مباني القطاع. وأحصى المركز 198 ألفا و273 مبنى متضررا، بينها 123 ألفا و464 مبنى مدمرا بالكامل، وقدر عدد الوحدات السكنية المتضررة بأكثر من 320 ألف وحدة.

وسط هذا الحجم من الدمار، بدأ الركام يتحول من عقبة إلى مورد مؤقت. وأعلن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في أبريل 2026 أن مشروعا نفذه خلال عامي 2025 و2026 جمع نحو 112 ألف طن من الأنقاض، وأعاد استخدام المواد المعالجة في صيانة الطرق وتقوية أرضيات المآوي.

وتعمل كسارة تابعة للبرنامج في منطقة الأمل بخان يونس بطاقة تصل إلى ألف طن يوميا. ويقدر البرنامج أن إزالة معظم الركام قد تستغرق سبع سنوات في حال توفر الوقود والآليات الثقيلة وحرية الوصول واستقرار الأوضاع، بينما يحتاج بدء المسار الموسع إلى نحو 110 ملايين دولار. تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي

من الخرسانة إلى الجدران.. ومن الخشب إلى الأسرّة

في ورشة أعيد تشغيلها بعدما تعرضت للقصف، يقود سليمان أبو حسنين مشروع "غرين روك"، الذي يعالج الركام ويعيده إلى هيئة قوالب بناء متشابكة تشبه قطع "ليغو".

تبدأ العملية بسحق الخرسانة وفرزها، ثم خلطها بالتربة المحلية ومواد رابطة بديلة، قبل ضغط الخليط في آلة مصنوعة محليا. ولا تحتاج القوالب عند تركيبها إلى الملاط التقليدي، ما يقلل الاعتماد على الإسمنت النادر.

ووفقا لتحقيق نشرته مجلة WIRED في 17 مايو 2026، تنتج الورشة بين ألف و1500 قالب يوميا، وهي كمية تكفي، نظريا، لبناء مأوى صغير خلال نحو أسبوعين. ويقول القائمون على المشروع إن الكلفة تقل بما يتراوح بين 50 و60 بالمئة مقارنة بالبناء التقليدي.

لكن المشروع لا يزال تجريبيا ولم يُختبر بعد على مستوى إعادة بناء أحياء كاملة. كما لا يمكن استخدام أي ركام قبل فحصه وعزل المكونات الخطرة وإزالة الذخائر غير المنفجرة منه.

وبينما يتحول الإسمنت إلى قوالب، يستخرج عمال آخرون قضبان الحديد من الأبنية المنهارة، ثم يقومون بتقويمها وإعادة استخدامها في إقامة هياكل للخيام والمساكن المؤقتة، أو بيعها لتوفير دخل لأسرهم. ويمكن أن يصل سعر القضيب الواحد إلى 15 دولارا، بحسب تقرير لرويترز.

أما الخشب، فأصبح سلعة نادرة إلى درجة دفعت النجارين إلى تفكيك الطبليات التي تصل عليها المساعدات، وتحويلها إلى أسرة وخزائن وطاولات ورفوف.

وفي إحدى ورش خان يونس، تباع غرفة بسيطة مصنوعة من الطبليات بنحو 4 إلى 5 آلاف شيكل، مقابل نحو 18 ألفا لغرفة تقليدية. لكن حتى إعادة التدوير أصبحت مكلفة؛ إذ ارتفع سعر كيلوغرام المسامير من نحو 5 شواكل قبل الحرب إلى ما بين 100 و130 شيكلا، وفق رويترز.

ولا يمثل السرير في مخيمات النزوح قطعة أثاث كمالية؛ فهو يرفع الأطفال والملابس عن الأرض والرمال والقوارض والحشرات، ويمنح العائلات حدا أدنى من الحماية داخل الخيام.

ووجد الصيادون استخداما آخر للخشب المنتشل. ففي ورش غزة البحرية، تصل إطارات الأبواب الخارجة من تحت الأنقاض لتتحول إلى أجزاء من قوارب صغيرة، إلى جانب الألياف الزجاجية القديمة المعاد استخدامها.

وكان كيلوغرام الألياف الزجاجية يكلف ما بين 50 و60 شيكلا قبل الحرب، لكنه وصل إلى نحو 800 شيكل، ما جعل إصلاح القوارب الكبيرة شبه مستحيل. لذلك تحولت قوارب النزهات الصغيرة إلى أحد آخر شرايين قطاع الصيد.

الشمس والدراجات والبلاستيك

في خان يونس، صنعت المهندسة الزراعية إيناس الغول موقدا شمسيا من صندوق خشبي وزجاج محطم ومرايا تجمع الأشعة داخل حيز الطهي. ويمكن نقل الموقد إلى أسطح المنازل أو مناطق النزوح واستخدامه للطهي والقلي من دون غاز أو كهرباء.

واستخدمت الغول المواد نفسها تقريبا لبناء جهاز بدائي لتقطير المياه. يسخن ضوء الشمس الماء المالح داخل حوض مغطى بالزجاج، ثم يجمع بخار الماء بعد تكثفه ويمرره عبر أوعية تحتوي على الفحم النشط.

ويعمل الجهاز من دون كهرباء أو ألواح شمسية، مستفيدا من نحو 14 ساعة من سطوع الشمس صيفا و8 ساعات شتاء. لكن صلاحيته لتوفير مياه الشرب على نطاق واسع تحتاج إلى اختبارات مخبرية منتظمة، ولا يمكن اعتباره بديلا عن محطات التحلية وشبكات المياه.

وفي أماكن أخرى، حلت الطاقة العضلية محل الكهرباء. فقد ربط الخياط رعد سعد عجلة دراجة هوائية بماكينة خياطة داخل بقايا مصنعه المدمر، ويتولى ابنه تحريك الدواسات بينما يقوم الأب بالخياطة. وظهرت الطريقة مجددا في ورش ترميم فساتين الزفاف القديمة خلال 2026.

ووصلت هندسة الضرورة إلى غرف العمليات. فقد أعلن فريق فلسطيني بالتعاون مع منظمة "غليا" الطبية إنتاج مثبت خارجي للكسور داخل غزة، باستخدام مكونات مطبوعة بتقنية ثلاثية الأبعاد ومواد محلية وبلاستيك معاد الاستخدام، فيما تعمل الطابعات بالطاقة الشمسية.

وقالت المنظمة إن الجهاز استخدم منذ أغسطس 2025 لعلاج ثلاثة مصابين كانوا معرضين لخطر البتر أو العجز الدائم، بينما كان 12 مريضا آخرين ينتظرون العلاج وقت الإعلان. وتزيد كلفة الجهاز المستورد عادة على 500 دولار، في حين يتيح التصميم المفتوح إنتاج أجزائه محليا خلال ساعات. وتظل هذه أرقام الجهة المطورة وتحتاج النتائج السريرية الأوسع إلى متابعة مستقلة.

وليس كل ما يُنتج من المخلفات آمنا. فقد وثقت رويترز تحويل النفايات البلاستيكية بالتسخين إلى وقود بدائي للمولدات والمركبات. ويوفر ذلك بديلا في حالات النقص الحاد، لكنه يعرض العاملين والسكان لخطر الحروق والأبخرة السامة، خصوصا إذا جرت العملية داخل الأحياء المكتظة ومن دون معدات لمعالجة الانبعاثات.

هذه النماذج لا تجعل الدمار فرصة اقتصادية، ولا تعني أن سكان غزة يستطيعون إعادة بناء القطاع بأدواتهم وحدها. فقد قدر تقييم مشترك للبنك الدولي والأمم المتحدة و الاتحاد الأوروبي، نشر في فبراير 2025 واستند إلى أضرار أقدم من أحدث تقديرات الدمار، احتياجات التعافي والإعمار بنحو 53 مليار دولار. البنك الدولي

إنها ليست معجزة تعفي العالم من مسؤولية الإعمار، بل شهادة على "هندسة الضرورة": حين يغيب الوقود يصبح ضوء الشمس موقدا، وحين تختفي مواد البناء يصبح المنزل المدمر مصدرا للطوب والحديد، وحين تنقطع المعدات الطبية يتحول البلاستيك المستعمل إلى جزء من جهاز ينقذ ساقا من البتر.

سكاي نيوز المصدر: سكاي نيوز
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا اسرائيل إيران

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا