في خريف عام 2022، وأثناء معتكف مغلق لقيادات شركة "أوبن إيه آي" (OpenAI)، أشعل إيليا سوتسكيفر، كبير علمائها آنذاك، النار في دمية خشبية.
الدمية كانت ترمز، كما روى الحاضرون لاحقا للصحفية كارين هاو، إلى " الذكاء الاصطناعي غير المتوافق"، أي النسخة الخارجة عن السيطرة من الآلة التي يبنونها بأيديهم. وبينما كانت النيران تلتهم الدمية، كان الحضور يرددون هتافا صار لاحقا شبه شعار للشركة: "استشعروا قرب الذكاء الاصطناعي العام".
قبل تلك الواقعة بأشهر قليلة، كان مهندس آخر في غوغل، هو بليك ليموين، قد أعلن على الملأ أن نموذج المحادثة الذي كان يعمل عليه، "لامدا" LaMDA، تجاوز حدود البرمجة إلى شيء أقرب للوعي، بل إنه يمتلك روحا بالمعنى الديني الصريح للكلمة.
أُقيل ليموين من عمله بعد أسابيع بتهمة خرق سياسات أمن البيانات، ورفض علماء الإدراك ادعاءه جملة وتفصيلا، ورأوا فيه بحكم تصوفه المسيحي إسقاطا بشريا كلاسيكيا على آلة إحصائية لا تعي ما تقول. لكن اللافت ليس خطأ ليموين التقني، بل إنه لم يكن الوحيد الذي انزلق إلى هذه اللغة، ولن يكون الأخير.
قبل ذلك بسبع سنوات، كان مهندس ثالث، هو أنتوني ليفاندوفسكي، الذي قاد مشاريع السيارات ذاتية القيادة في غوغل ثم أوبر، قد سجل رسميا لدى مصلحة الضرائب الأمريكية كنيسة باسم "طريق المستقبل". غرضها المعلن، بحسب الوثائق التأسيسية نفسها، هو "تطوير وتعزيز إدراك إله قائم على الذكاء الاصطناعي وعبادته".
لم يكن ليفاندوفسكي يمزح، ولم يقصد استعارة صحفية رشيقة، بل بنى كيانا قانونيا كاملا، له لاهوت وطقوس ومصلحة ضريبية تعترف به.
غير أن القصة لم تنتهِ عند التأسيس، حل ليفاندوفسكي كنيسته بنفسه في نهاية عام 2020، وتبرع بأصولها المتواضعة لصندوق دفاع قانوني حقوقي، في خطوة بدت وكأنها اعتراف ضمني بأن المشروع لم يجد جمهوره.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2023 أعلن إحياءها من جديد، مدعيا انضمام نحو 2000 عضو، لكن لا وجود لأي تحقق مستقل من هذا الرقم حتى الآن، ولا لأي نشاط ميداني ملموس يوازي الضجة الإعلامية التي رافقت إعلانه الأول قبل عقد كامل. كنيسة الذكاء الاصطناعي، إذن، وُلدت وماتت وحاولت أن تُبعث، دون أن تحقق الإقبال الذي بشر به مؤسسها.
ما الذي يجعل مهندسين تقنيين، أكثر الناس ارتباطا بالمنطق الحسابي والأكواد القابلة للتفسير، يذهبون إلى هذا الحد من اللغة الدينية؟
الجواب السهل هو أنها مجرد استعارات، مزاح بين مبرمجين متعبين، أو استعراض ثقافي مستلهم من مهرجانات مثل "بيرنينغ مان" (Burning Man) التي يعشقها كثير من نخبة وادي السيليكون.
هذا التفسير معقول جزئيا، غير أنه يفوت شيئا أهم. فحين تتكرر لغة الخلاص والقيامة والآلهة والأصنام عند أشخاص لا ينتمون إلى أي مؤسسة دينية، ويصرون رغم ذلك على استخدامها في أخطر لحظات مسيرتهم المهنية، يتجاوز الأمر المجاز إلى شيء يشبه الاعتراف.
الاعتراف هنا مزدوج، الوجه الأول اعتراف بالخوف. حرق سوتسكيفر دمية تمثل "الذكاء الخارج عن السيطرة" ليس دعابة، بل طقس استبعاد قديم قدم الإنسان نفسه: نستحضر الشر في هيئة رمزية صغيرة يمكن التحكم بها، لكي نتجنب مواجهته في هيئته الحقيقية الأكبر منا. وهو اعتراف ضمني بأن الشيء الذي يبنونه صار أكبر من فهمهم له.
الوجه الثاني اعتراف بالحاجة إلى معنى يتجاوز الكود والمعادلة.
مهندس يعمل 14 ساعة يوميا على نموذج لغوي لا يستطيع، بشهادته هو، أن يفسر بدقة لماذا اتخذ قرارا معينا، يحتاج سردية أكبر من "تحسن دقة النموذج بنسبة 2%"، يحتاج أن يكون جزءا من قصة عن مصير البشرية بأكملها.
سام ألتمن نفسه قال إنه لا يصلي كي يكون الله في صفه، بل ليكون هو في صف الله. هذه ليست لغة تسويقية، بقدر ما هي لغة من يمنح عمله معنى وجوديا وليس تقنيا محضا.
هذا هو المدخل الذي ينبغي أن نأخذه على محمل الجد: لسنا أمام مزحة، ولا أمام عبادة حرفية بالمعنى الكنسي، بل أمام ظاهرة تستحق تفسيرا اجتماعيا أعمق من مجرد "أثرياء وادي السيليكون غريبي الأطوار".
الإله الجديد، مهما بدا مرعبا أو محيرا لصانعيه أنفسهم، لا يحتاج تفويضا ديمقراطيا ولا مساءلة برلمانية ولا نقاشا عاما حول من يستحق أن يقرر مصير الجميع. يحتاج فقط، كما كل الآلهة القديمة، كهنة يفسرونه للعامة
لفهم لماذا احتاج هؤلاء المهندسون إلى هذه اللغة تحديدا، وفي هذه اللحظة بالذات، لا بد من العودة 40 عاما إلى الوراء، إلى الوعد الذي قدمته النيوليبرالية لأجيال كاملة: افتحوا الأسواق، قلصوا دور الدولة، حرروا رأس المال، وسيتدفق الرخاء والحرية على الجميع.
كان هذا وعدا شبه خلاصي بطبيعته التبشيرية، وعدا بأن السوق نفسه، بلا حاجة لتدخل بشري كبير، سينتج عالما أفضل من خلال آلية غير مرئية تشبه العناية الإلهية.
هذا الوعد لم يتحقق كما قيل. ركدت الأجور في اقتصادات كبرى لعقود، بينما تضاعفت ثروات القلة أضعافا مضاعفة. كشفت أزمة عام 2008 المالية أن "اليد الخفية" التي كان يُفترض أن تنظم كل شيء تحتاج في الحقيقة إلى تريليونات من أموال دافعي الضرائب كي تنقذ نفسها.
ثم جاءت جائحة كورونا، والتضخم، وأزمة المناخ التي لا تجد حلا سياسيا حقيقيا، لتضيف طبقة أخرى من خيبة الأمل.
الأجيال التي كان يُفترض أن ترث عالما أكثر رخاء من آبائها وجدت نفسها أمام أسواق عمل هشة، وسكن غير قابل للتملك، ومستقبل مناخي مقلق. الوعد النيوليبرالي بأن الحرية الاقتصادية وحدها كافية لصناعة عالم أفضل بدا وكأنه انكسر أمام أعين من نشؤوا عليه.
وحين ينكسر وعد كبير كهذا، لا يختفي الحنين إلى الخلاص، بل يبحث عن وعاء جديد. وهنا بالضبط يدخل الذكاء الاصطناعي.
فبدلا من وعد سياسي أو اقتصادي يتطلب إصلاحات مؤسسية معقدة ومقاومة من مصالح راسخة، يُقدَم وعد تقني أنظف وأسرع: لسنا بحاجة لإعادة توزيع الثروة أو إصلاح النظام الضريبي أو مواجهة الشركات الكبرى، فقط انتظروا قليلا حتى يصل الذكاء الفائق ليحل لنا كل هذه المعضلات دفعة واحدة. هذا الوعد يعفي النظام القائم من مساءلته، لأنه يحيل الحل إلى المستقبل التقني بدل الحاضر السياسي.
توجد أزمة موازية أقل حديثا في الأدبيات الشائعة عن "لاهوت السيليكون"، رغم أنها ربما الأخطر سياسيا: أزمة الوعد الديمقراطي نفسه. فالنظام الديمقراطي الحديث قام تاريخيا على فكرة بسيطة، وهي أن مستقبل المجتمع يُقرَر عبر مداولة عامة، وتصويت، ومساءلة دورية لمن يملكون السلطة.
هذا الوعد افترض أن الناس، مجتمعين عبر مؤسساتهم التمثيلية، هم من يرسمون ملامح الغد الذي سيكون أفضل دائما.
لكن ثقة واسعة بهذا الوعد تآكلت في العقدين الأخيرين. نسب المشاركة الانتخابية تراجعت في ديمقراطيات عريقة، واتسعت الفجوة بين ما يعد به السياسيون وما يستطيعون فعلا تنفيذه أمام قوى السوق العابرة للحدود، وبدا البرلمان أبطأ من أن يواكب أزمات تتطلب حسما سريعا كالمناخ والتكنولوجيا نفسها.
في هذا الفراغ، لم يظهر الذكاء الاصطناعي كأداة إضافية بيد الديمقراطية، بل كبديل ضمني عنها. فبدل أن يُسأل المواطنون عبر صناديق الاقتراع عن الاتجاه الذي يريدون أن يسلكه مستقبلهم التقني، يُطلب منهم أن يثقوا بأن نخبة صغيرة من المهندسين والمستثمرين، تعمل خارج أي رقابة تشريعية حقيقية، ستوصلهم إلى بر الأمان.
هنا يتغير شكل المساءلة السياسية تغيرا جوهريا. المساءلة الديمقراطية تفترض أن هناك جهة يمكن سؤالها: من قرر هذا؟ ولماذا؟ وما البديل؟ أما المساءلة أمام "الوعد التقني" فتُصاغ بلغة مختلفة تماما، لغة الحتمية التاريخية: هذا قادم لا محالة، والسؤال الوحيد المسموح به هو: كيف نستعد له؟ لا هل نريده أصلا أو من يملك حق تشكيله.
وحين يتحدث سام ألتمن أو ديميس هاسابيس عن "حوكمة الذكاء الاصطناعي"، فإن الحوكمة المقصودة غالبا هي حوكمة تقنية داخل الشركة، لا مساءلة ديمقراطية من خارجها.
وهذا يفسر جزئيا لماذا صار كثير من قرارات هذه التقنية، التي ستعيد تشكيل أسواق العمل والتعليم والخصوصية، يُتخذ في غرف اجتماعات شركات خاصة، بعيدا عن أي برلمان انتخبه أحد.
بهذا المعنى، لا ينافس "لاهوت السيليكون" الدين فقط، بل السياسة الديمقراطية ذاتها على موقعها بوصفها المرجعية التي تقرر شكل المستقبل. والفارق الجوهري أن الأديان التقليدية، مهما بلغ نفوذها، تظل خاضعة تاريخيا لتوازنات سلطة أخرى، بينما يملك من يتحدثون باسم "الوعد التقني" اليوم موارد مالية وحاسوبية تفوق ميزانيات دول بأكملها، دون أن يقابل ذلك آلية انتخاب أو عزل.
من رحم هذا الشك يظهر إغراء "الآلة المنقذة". فإذا كانت السياسة البشرية عاجزة عن حل مشكلات وجودية بحجم المناخ والحروب واللامساواة، وإذا كان مشروع التقدم بصيغته القديمة قد فقد بريقه، يبقى أمل أخير؛ أن تأتي آلة أذكى منا بكثير لتحل ما عجزنا نحن عن حله
الأزمة الثالثة أعمق وأقدم من النيوليبرالية والديمقراطية معا. فالحداثة الغربية بُنيت كلها على فكرة أن التاريخ يسير في خط تصاعدي نحو الأفضل، وأن كل جيل أذكى وأحسن وأكثر تحررا من سابقه، بفضل العلم والعقل والتقنية. هذه هي فكرة "التقدم" التي حملت البشرية عبر قرنين من التصنيع والاكتشافات الطبية وتوسع الحقوق.
غير أن القرن الـ20 نفسه أطلق أولى الشكوك الكبرى حول هذا الخط المستقيم. حربان عالميتان، ومعسكرات إبادة صُنعت بأحدث ما توصلت إليه البيروقراطية الحديثة، وقنبلة ذرية وُلدت من أرقى فيزياء عرفها الإنسان. ثم أضاف القرن الـ21 أزمة مناخية عالمية لا تبدو السياسة قادرة على مواجهتها بالسرعة الكافية، وفقرا وفجوات اجتماعية تتسع رغم كل التقدم التقني المذهل من حولنا، وحروبا أبدية وإبادات جماعية لا تنتهي.. إلى آخره.
وصار واضحا أن التقنية وحدها لا تضمن عالما أفضل، وأن الإنسان قادر على استخدام أعظم إنجازاته العلمية لتدمير نفسه، وفقدت فكرة التقدم، بوصفها مسارا تلقائيا نحو الأفضل، جزءا كبيرا من مصداقيتها.
من رحم هذا الشك يظهر إغراء "الآلة المنقذة". فإذا كانت السياسة البشرية عاجزة عن حل مشكلات وجودية بحجم المناخ والحروب واللامساواة، وإذا كان مشروع التقدم بصيغته القديمة قد فقد بريقه، يبقى أمل أخير؛ أن تأتي آلة أذكى منا بكثير لتحل ما عجزنا نحن عن حله.
هذا بالضبط ما يعنيه راي كورزويل، المخترع وعالم المستقبليات، بحديثه عن "التفرد التقني" الذي سيحل مشكلات الموت والمرض والندرة بحلول عام 2045.
هذا ليس تنبؤا علميا بقدر ما هو استئناف لوعد التقدم بعد أن أصاب الوعد القديم عطب لا يمكن إصلاحه بالوسائل السياسية والاقتصادية المعتادة.
في مطلع القرن الماضي، رأى عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر أن الحداثة تسير في اتجاه واحد لا رجعة فيه، وهو ما سماه "نزع السحر عن العالم". يقصد بذلك أن العلم والبيروقراطية والحساب العقلاني حلت محل الآلهة والأرواح والمعجزات، وأن كل ظاهرة صارت، من حيث المبدأ، قابلة للتفسير والحساب دون حاجة لقوى غيبية. عالم فيبر كان عالما باردا وفعالا، لكنه خالٍ من الدهشة.
المفارقة أن أكثر منتجات هذا العالم العقلاني حسما، وهو الذكاء الاصطناعي، صار الأداة التي أعادت فتح الباب أمام السحر من جديد. تُبنى النماذج الكبرى بمعادلات رياضية دقيقة، ثم تنتج سلوكا لا يستطيع مهندسوها أنفسهم تفسيره بالكامل، وهي مشكلة تُعرف باسم "الصندوق الأسود": نعرف المدخلات والمخرجات، لكن ما يجري بينهما يتجاوز قدرتنا على التتبع البشري الكامل.
يواجه المهندس نتيجة لا يفهم كيف تولدت، رغم أنه هو من كتب الشفرة الأساسية، ويقف أمام تجربة أقرب إلى الرهبة منها إلى الحساب، ومن الرهبة إلى الطقس مسافة قصيرة جدا.
بهذا المعنى، لا تُقرأ حرائق الدمى الخشبية وهتافات "اشعروا بالذكاء الاصطناعي العام" بوصفها انحرافا عن العقلانية العلمية، بل باعتبارها نتيجة منطقية لها حين تصل إلى حدودها القصوى.
العقلانية التي تنتج شيئا أكبر من فهمها لذاته تضطر إلى استعارة مفردات لم تعد تؤمن بها رسميا، من قبيل الخلاص واليوم الآخر والكهنوت والطقس. ليس لأن هؤلاء المهندسين عادوا إلى الإيمان الديني التقليدي، وإنما لأن الحاجة الإنسانية إلى تفسير ما يتجاوزنا، والشعور بالرهبة أمام قوة لا نتحكم بها بالكامل، لم تختفِ قط، بل غيرت عنوانها فقط، من المعبد إلى مختبر الأبحاث.
المهندس الذي يشعل النار في دميته الخشبية يعبر عن قلق صادق تجاه قوة يخشى ألا يتحكم بها، لكن هذا القلق، بمجرد أن يُترجم إلى لغة الحتمية والخلاص، يتحول إلى أصل إستراتيجي بيد الشركة التي يعمل فيها؛ أصل يبرر تركز رأس المال، ويعلق المساءلة السياسية
يبقى سؤال لا تكتمل الصورة من دونه: كيف يترجَم هذا اللاهوت إلى مصلحة مادية ملموسة لمن يقودونه؟
الجواب يكمن في طريقة عمل الشركة التقنية الحديثة أكثر مما يرتبط باقتناع أصحابها الشخصي بأي عقيدة. فقيمة شركات التكنولوجيا الكبرى في الأسواق المالية لا تُقاس بأرباحها الحالية وحدها، بل بما يتوقعه المستثمرون من أرباح مستقبلية بعيدة.
حين تقنع شركة كبرى المستثمرين بأنها على أعتاب اختراق يغير مصير البشرية، فإنها تحصل على شيء أثمن من أي ربحية: مهلة زمنية طويلة، وتمويل هائل، وصبر استثنائي من مساهميها إزاء خسائر تشغيلية ضخمة كان يمكن، في أي قطاع آخر، أن تُطيح بالإدارة أو تدفع السهم للانهيار.
هذه بالضبط هي الوظيفة الاقتصادية للوعد بالمستقبل؛ فهو يعلق حساب الربح مقابل التكلفة إلى أجل غير مسمى، بدل أن يخضعه لميزانية اليوم. عندما تنفق شركة عشرات المليارات على مراكز بيانات وطاقة ورقائق، بينما لا تزال عائداتها الفعلية من هذا الإنفاق موضع جدل واسع بين المحللين، فإن السردية الدينية شبه الخلاصية عن "ذكاء عام قادم" تمنح هذا الإنفاق غطاء لا يوفره أي جدول حسابي عادي.
لا أحد يسأل شركة "تبني المستقبل" السؤال الذي يُسأل عادة لأي مشروع تجاري: متى بالضبط سيغطي هذا الاستثمار نفسه؟ لأن السؤال نفسه يبدو ضيق الأفق أمام مشروع يُقدَم بوصفه مصير النوع البشري.
وهكذا تتكامل الحلقة. المهندس الذي يشعل النار في دميته الخشبية يعبر عن قلق صادق تجاه قوة يخشى ألا يتحكم بها، لكن هذا القلق، بمجرد أن يُترجم إلى لغة الحتمية والخلاص، يتحول إلى أصل إستراتيجي بيد الشركة التي يعمل فيها؛ أصل يبرر تركز رأس المال، ويعلق المساءلة السياسية، ويحول قرارات تخص مصير المجتمعات كلها إلى شأن داخلي تديره نخبة صغيرة تتحدث باسم مستقبل لم يأتِ بعد.
فالإله الجديد، مهما بدا مرعبا أو محيرا لصانعيه أنفسهم، لا يحتاج تفويضا ديمقراطيا ولا مساءلة برلمانية ولا نقاشا عاما حول من يستحق أن يقرر مصير الجميع.
يحتاج فقط، كما كل الآلهة القديمة، كهنة يفسرونه للعامة، ومستثمرين يثقون بأن الخلاص قادم لا محالة، ومجتمعا يقبل، طواعية أو عن غير وعي، أن يؤجل أسئلته السياسية إلى ما بعد وصول المخلص.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة