على عكس أغلب استطلاعات الرأي التي توقعت فوزا مريحا لإيفان سيبيدا، المرشح اليساري للانتخابات الرئاسية في كولومبيا، في جولتها الأولى الأحد الماضي، جاءت النتائج بعد الانتهاء من الفرز السريع، مفاجئة للجميع، حيث فاز بالمركز الأول المرشح الذي يمكن وصفه بالقريب من هوى واشنطن، المحامي اليميني أبيلاردو دي لا إسبرييا، بنسبة 43.7%، مقابل 40.9% لخصمه سيبيدا، بفارق حوالي 700 ألف صوت، في حين حصلت مرشحة تيار اليمين التقليدي المحافظ بالوما فالنسيا، على المركز الثالث بما يقارب 7%.
وعلى إثر هذه المفاجأة، صرح المرشح سيبيدا برفضه النتائج الأولية، مشككا هو وحليفه الرئيس المنتهية ولايته، غوستافو بيترو في صحتها، وعلّلا ذلك بظهور أكثر من 800 ألف صوت من خارج سجل الناخبين المعتمد في الفرز الرسمي، والذي سيتأخر الإعلان النهائي عنه، أياما أخرى. ثم صرح الرئيس بيترو أن دي لا إسبرييا قام بشراء آلاف الأصوات، ووعد في ذات الوقت بقيام لجان حزبه "الميثاق التاريخي" بالتدقيق في ذلك، في انتظار الكلمة الأخيرة للقضاة المشرفين على نزاهة العملية الانتخابية.
وللوقوف عند أبعاد هذه المفاجأة، تكفي الإشارة إلى تباين الحجم السياسي لكل من سيبيدا ودي لا إسبرييا، لنعرف الفرق الشاسع والكفيل بتقييم مستوى المرشحين والوقوف على ما إذا كانت المسيرة، أو الأداء قد مثل حقا معيارا للتصويت الناضج. فسيبيدا- بغض النظر عن رمزية شخصيته لدى الكولومبيين، بأنه ابن نائب برلماني سابق قامت جماعات خارجة عن القانون باغتياله، إلى جانب قادة يساريين آخرين- هو شخصية يسارية تفرغت للعمل السياسي لأكثر من ثلاثة عقود، وعرفت بهدوئها ونهجها التقدمي البارز في إدارة ملفات عديدة في البلاد.
في المقابل، لم يعرف للمرشح دي لا إسبرييا أي تاريخ سياسي في كولومبيا، بل إن ظهوره في السباق الانتخابي، اعتمد على صورة القادم من خارج الطبقة السياسية، لاح في البداية وكأنه الاختيار الثاني للتيار اليميني في نسخته الشعبوية المتطرفة، في دعم لممثلة اليمين التقليدي بالوما فالنسيا، لكنه تحول في استطلاعات الرأي، وفي غضون أشهر قليلة إلى الاختيار الأول، لأسباب عديدة من أهمها ضعف أداء فالنسيا.
وفي المقابل، تضاعف حجم شعبية دي لا إسبرييا، بفضل سيطرته على الدعاية الرقمية على شبكات التواصل الاجتماعي، من خلال إغراق الشبكات بفيديوهات الذكاء الاصطناعي، وأيضا الآلة الإعلامية الجبارة التي صاحبته، دون أدنى تساؤل عن كلفتها المادية، وهوية من يتولى تسديدها.
أما العامل الأبرز الذي يعتبره أغلب المحللين أنه كان وراء ارتفاع عدد المصوتين له، مع عدم التسليم بأنه صاحب النصيب الأوفر، فقد تمثل في مضمون الخطاب والأسلوب الذي اتبعه، والفئات الاجتماعية التي عمل على استقطابها.
فقد قدم دي لا إسبرييا نفسه منذ البداية، على أنه قادم من خارج عالم السياسة "الآسن"، كما يحلو له أن يصفها ويتبرأ من شرورها، ويصب جام غضبه على مفهوم الدولة والقائمين على إدارتها، ويعِد بتقليص حجمها لتجفيف منابع الفساد، وقطع دابر الفاسدين، في لغة عنيفة، وفي الوقت ذاته ، مطابقة للغة الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي.
إضافة إلى التباهي بانبهاره بالرئيس الأمريكي ترمب وإيمانه بأن الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل تمثلان أهم شريكين لحكومته القادمة إن فاز برئاسة كولومبيا، مستحضرا في كل خطاباته القصيرة، هجومه على جميع رموز اليسار، وعلى رأسهم الرئيس غوستافو بيترو، وحليفه سيبيدا، ووصمهما بالعمل على تغيير طبيعة كولومبيا، وخيانة الأم "أمريكا"، واللهاث وراء تحالفات من الشرق لا تمتّ للمنطقة بصلة، دون تفويت الفرصة في كل فعالية، لمهاجمة من يعبر عنهم بـ"هم" لأنهم سبب تراجع كولومبيا إلى الوراء، والتفريط في مكاسبها الاقتصادية وثرواتها وأمنها، لصالح قوى ومنظمات، دون الإشارة إلى أي مصدر، أو وثيقة تثبت تلك الادعاءات.
ورغم هذا، لقيت هذه الخطابات رواجا لدى فئات اجتماعية لا تعبأ بالتدقيق في صحة المعلومة وتكتفي بالنبرة العالية، وتطرب للخطاب الذي يغازل مستوى وعيهم ولا يحتقرهم، بل تسخر في أغلب الأحيان من الخطاب اليساري الذي يحدثهم عن المشاريع الاجتماعية، وتطوير التعليم، والصحة، ورفع الحد الأدنى للأجور.
في مناسبات أخرى كثيرة، عمل دي لا إسبرييا على محاكاة شخصية الرئيس الأمريكي ترمب، بدءا من تقديم نفسه كرجل أعمال ثريّ وناجح (على الرغم من أن الأرقام لا تدعمه دائما)، إلى هوسه بجعل السياسة استعراضا يخدم الصورة لا الاكتراث بالمضمون في قلب الحملة الانتخابية، حيث تحتشد فعالياته بالرقص والألعاب النارية والمسيرات، بإخراج مبهر يشد أنظار الحاضرين والمتابعين للبث الحي.
إضافة إلى حرصه على مغازلة الناخبين من فئة المتدينين، عبر نشره مقاطع فيديو بين الحين والآخر للكنائس، وصلاته مع عائلته في بث حي لأنصاره.
وتناغما مع الخطاب الشعبوي في أمريكا اللاتينية، تضمنت وعود دي لا إسبرييا نقطة إستراتيجية تتعلق بتوفير الأمن العام من خلال دحر عصابات الجريمة المنظمة، ومحاربتهم بالسلاح، وتأديب عناصرهم من خلال تشييد عشرة سجون شديدة العقاب، اقتداء برئيس السلفادور نجيب بوكيله الذي شيد سجنا واحدا!
أما عن خطاب حقوق الإنسان وحقوق المرأة، فالرجل لا يخجل من السخرية منها، ولايأبه حتى بخسارة أصوات أنصارها، في ترجمة لا تخطئها العين لشخصية "الرجل السيئ"، بلغة علم النفس السياسي، حيث يفاخر بازدرائه للقيم السامية، ويخرقها على مرأى ومسمع من الجميع.
وكذلك يتعامل مع موضوع البيئة والطاقة النظيفة وتحديات التصدي للاحتباس الحراري، في بلد بحجم كولومبيا، ليأتي خطابه مهوّنا من هذا الملف بأسره، غير عابئ بكشف قلة درايته، وعدم اعترافه بضرورة إيجاد وزارة، أو حتى إدارة تعنى بشؤون البيئة.
وأمام كل هذا، تعامل جانب كبير من الكولومبيين مع اسم دي لا إسبرييا في بداية تقديم الترشيحات، على أساس أنه ظاهرة سياسية أصبحت حاضرة في كل المجتمعات، وفي أمريكا اللاتينية بالتحديد. غير أن الظاهرة بدأت كمزحة، ثم تحولت مع الواقع لاحتمال فوز في الجولة الأولى خلال الحملة الانتخابية، وها هي تجتاح النتائج ويفوز صاحبها بالمركز الأول، ويبدو صاحب أكبر حظ للفوز النهائي في الجولة الثانية باعتبار حسابات التحالفات المضمونة.
ولم يبق للكولومبيين من خارج جمهوره، سوى التذكير بمسيرته المهنية للتشكيك في نواياه من وراء اقتحام عالم السياسة، طمعا في تدارك التصويت في الجولة القادمة، وتفادي وقوع كولومبيا في نفس فخ الأرجنتين بانتخاب الرئيس ميلي. حيث يجمع أغلبهم على أنه محام ثريّ، يعيش بين إيطاليا والولايات المتحدة، تولى الدفاع عن شخصيات شهيرة في الساحة السياسية اليمينية المثيرة للجدل، وقد وصفه المرشح اليساري سيبيدا، في تصريح غير مسبوق له، بأنه محامي "المحتالين".
وفي الوقت الذي يجزم فيه جانب كبير من الكولومبيين بوجود تزوير محكم لصالح دي لا إسبرييا، لتعزية أنفسهم باستحالة حقيقة اقتناع حوالي نصف المجتمع بشخصية الرجل المثيرة للجدل والفاقدة لأي تاريخ أو خبرة سياسية، يرى البعض الآخر، أن اكتساح اليمين المتطرف نتائج الانتخابات في كولومبيا، يعكس تحولات اجتماعية وثقافية ونفسية تفرض إعادة فهم أسس الفعل الانتخابي.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة